فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

أم رشيد.. سائقة سيارة أجرة تعيد رسم الطريق

جواهر ياسين

هذه السيدة لا تدعي أنها تقود ثورة نسوية، ولا ترفع شعارات التمرد على الأدوار التقليدية، لكنها تمسك بالمقود كل صباح وتقود سيارة أجرة في شوارع إدلب، تُقلّ الركاب وتُعيل أسرتها. وفي طريقها هذا، تعيد رسم حدود الدور الممكن للنساء في مدينتها..

في ساعات الصباح الأولى تصطف سيارات الأجرة وسط ساحة صغيرة في معرة مصرين بريف إدلب الشمالي، يختلط ضجيج المارة بأبواق السيارات، تظهر سيارة فضية اللون تقودها امرأة منقبة، يستقل السيارة ثلاث سيدات، تتحرك نحو بلدة حزانو المجاورة. تضحك إحداهن: “مع أم رشيد، لا تأخير ولا تزويد”.

في وقتٍ تزاول فيه الكثير من النساء أعمالاً في ميادين التعليم والطبابة ورعاية الأسرة، اختارت الأربعينية أم رشيد أن تكسر المألوف متخذةً من مقود سيارة الأجرة مكاناً لكفاحها اليومي في منطقة لم تألف بعد وجود سائقات سيارات أجرة.

تشرب أم رشيد قهوتها كل صباح قبل أن تنطلق بسيارتها إلى العمل. تتوزع مهامها اليومية بين توصيل طلبات داخلية ضمن بلدة معرة مصرين، وأخرى خارجية إلى مدينة إدلب أو منطقة حزانو، حسب الحاجة.

من بين التزاماتها الثابتة، توصيل ثلاث معلمات تعاقدت معهن لنقلهن يومياً إلى مقر عملهن مقابل أجر شهري يبلغ 160 دولاراً. تنطلق بهن من أمام منازلهن في تمام الساعة السابعة والنصف صباحاً، وتستغرق الرحلة إلى المدرسة نحو ربع ساعة، ثم تعود لنقلهن مجدداً بعد انتهاء الدوام في الساعة الثانية عشرة ظهراً.

تُعيل أم رشيد أطفالها الخمسة بعد وفاة زوجها، دفعتها الحاجة والمسؤولية لتبحث عن مصدر رزق يضمن لهم الحد الأدنى من العيش الكريم. تقول وهي تنظر بشرود: “فكّرت كثيراً في وسيلة أعيل بها أولادي دون أن أمدّ يدي لأحد، لا أملك شهادة تعليمية ولا مهنة أُتقنها، لكنني كنت أدخر مبلغاً صغيراً، فقررت أن أشتري سيارة وأعمل عليها بتوصيل النساء”.

منذ صغرها، راود حلم قيادة السيارة ذهن أم رشيد، لكن وفاة زوجها وتحملها عبء تربية أطفالها وحدها، حوّلا الحلم إلى وسيلة للعمل وكسب الرزق. تخبرنا أنها قبل أن تنطلق في مشروعها حرصت على استشارة محيطها في بلدة معرة مصرين، فاستمعت لآراء النساء حول فكرتها “الغريبة” نظراً لعدم شيوع هذا النوع من العمل في أوساط النساء في مدينتها.

لكن المفاجأة كانت في حجم الدعم الذي تلقته، لا سيما من السيدات اللواتي رأين في مشروعها حلاً مريحاً وآمناً، في ظل امتناع كثير من العائلات عن السماح لبناتهن بالركوب مع سائقي التكسي من الرجال. تقول أم رشيد: “شعرت أن فكرتي مصدر راحة نفسية للنساء”.

لم يكن الطريق أمام أم رشيد مفروشاً بالدعم وحده. واجهت استنكاراً وتحطيماً معنوياً من بعض الرجال ممن استغربوا دخولها هذا المجال. تروي إحدى المواقف التي لا تنساها، حين وقف سائق أجرة يستند إلى باب سيارته، يمسح عرقه بمنشفة مبللة، وقال لها بسخرية: “آخر زمن… المرا تسوق سيارة! ما في حادث إلا وبتكون حرمة سايقة، روحي اطبخي ولا تتعدي على شغلة مو للنسوان”. لكن هذه العبارات  لم تنل من عزيمتها، بل كانت دافعاً إضافياً لمواصلة مشروعها وتنفيذ فكرتها بثقة وإصرار.

تواجه النساء الراغبات بالعمل في شمالي غرب سوريا معوقات عدة وفق دراسة لوحدة المعلومات أجرتها منظمة الخوذ البيضاء، أبرزها عدم تقبل المجتمع لفكرة عمل المرأة وهو من أكثر أشكال المضايقات شيوعاً، التي عانت منها النساء العاملات بنسبة 45 % من عدد النساء المشاركات في الدراسة. بينما احتلت مشاعر عدم الثقة بإمكانيات المرأة العاملة وكفاءتها المرتبة الثانية بنسبة 32 %.

هذا ما واجهته أم رشيد أثناء عملها سائقة تكسي من قبل عدد من الرجال، فضلاً عن أن الافتقار إلى التعليم والخبرة، وقلة فرص العمل، وصعوبة التوفيق بين رعاية الأسرة والمهنة وغياب وسائل النقل المناسبة، كلها عوامل حدّت من خيارات العمل أمام أم رشيد ونساء أخريات.

قبل أكثر من عام، التحقت أم رشيد بدورة لتعلّم قيادة المركبات وحصلت على شهادة السياقة. اقتنت سيارة لتبدأ بعدها رحلتها المهنية في مدينة معرة مصرين ومحيطها. تتذكر جيداً أول طلب نقل نفذته عندما أوصلت سيدة مقابل خمسين ليرة تركية، أي ما يعادل نحو دولار ونصف الدولار في ذلك الوقت. أخبرتها الزبونة حينها أن هذه المبادرة لبّت حاجة حقيقية لها، وشكلت لها مصدر أمان، وساهمت حتى في التخفيف من الخلافات الأسرية المرتبطة بخروجها مع سائقين رجال.

خلال النصف الثاني من العام الماضي، أصبح اسم “تكسي أم رشيد” مألوفاً في المنطقة، وتحوّلت عبارات الاستنكار والاستهزاء إلى كلمات تقدير واحترام.. حتى أولئك الذين سخروا منها في البداية، باتوا يرسلون زوجاتهم وبناتهم معها في طلبات التوصيل الداخلية. كسبت أم رشيد ثقة المجتمع بقوة شخصيتها والتزامها المهني متجاهلةً كل النظرات والآراء السلبية التي حاولت النيل من عزيمتها.

تعبّر رنا مسحر، إحدى شابات منطقة معرة مصرين، عن إعجابها الكبير بشجاعة أم رشيد لا سيما في مجتمع ينظر بكثير من التحفّظ لمهن النساء واصفة إياها بـ “المكافحة” التي تبذل قصارى جهدها لتأمين احتياجات أسرتها رغم الصعوبات.

رغم الدعم الكبير الذي حظيت به أم رشيد لم يخلُ طريقها من العثرات إذ واجهت أيضاً رفضاً وانتقادات لاذعة من بعض أهالي المنطقة وتعرضت لألفاظ جارحة خلال قيامها بعملها. تقول أم رشيد، مواسيةً نفسها، إن دافعها الأول والأخير هو تأمين لقمة عيش كريمة لأطفالها، وهذا ما منحها القوة لتتحدى الكلام القاسي وتواجه نظرات الرفض من بعض الفئات. تضيف بحزن: “لا أحد يشعر بالوجع إلا صاحبه، لو عشتم الحياة التي يعيشها غيركم لاحترمتم مهنة كل فرد فينا”.

الواقع الاقتصادي والمعيشي في شمالي غرب سوريا فرض حاجةً ملحة لمشاركة المرأة في سوق العمل لدعم أسرهن وتحسين أوضاعهن، ودفع النساء لمزاولة أعمال غير نمطية مثل قيادة تكسي الأجرة.

لم تكن أم رشيد وحدها التي زاولت مهنة غير مألوفة، فخلال السنوات القليلة الماضية صار من الممكن مشاهدة نساء يقدن سيارات الأجرة أو يعملن بصيانة الأجهزة المحمولة، وغيرها من الأعمال، وهي مجالات لطالما قوبلت بالرفض والاستنكار في البداية بذريعة العادات والتقاليد.

وسبق وأن لاقت إحدى البرامج التدريبية التي نظمتها منظمة غير حكومية، إقبالاً من عدة نساء وفتيات خضعن لدورة متخصصة في صيانة الهواتف المحمولة بعد أن تبيّنت الحاجة الملحة لمثل هذه الخدمة، خاصة في ظل تردد الكثير من النساء في إرسال هواتفهن إلى محالّ الصيانة التي يديرها رجال، خوفاً على خصوصيتهن وبياناتهن الشخصية.

تفضل أم رشيد انتظار المعلمات يومياً حتى إنتهاء دوامهن، حرصاً منها على عدم التأخر عنهن، وتمضي هذا الوقت إما مستلقية في سيارتها لأخذ قسط من الراحة، أو جالسة في غرفة إدارة المدرسة حتى يحين موعد العودة. وتتحول رحلة العودة غالباً إلى مساحة من المرح والضحك وتبادل القصص بين المعلمات، ما يضفي جواً من الألفة على العمل اليومي.

تروي إحدى المعلمات، وهي تبتسم: “أم رشيد تكره يوم الأربعاء لأنه يتزامن مع البازار الشعبي، فننتهي من الدوام وننطلق للتسوق، بينما تضطر هي لانتظارنا وتتأفف لأننا نُربك مواعيدها بذلك اليوم”.

ومثل غيرها من سائقي الأجرة، تواجه أم رشيد أعطالاً متكررة في السيارة، نتيجة وعورة الطرق الرئيسة والفرعية أحياناً، أو بسبب مشكلات ميكانيكية داخلية، لذلك أصبحت زياراتها إلى منطقة الصناعة في معرة مصرين جزءاً من روتينها.

تستذكر ضاحكة بداياتها مع عالم الميكانيك، قائلةُ إنها لم تكن تميز أسماء القطع مثل المحرك والكولاس والدبرياج والمصفاة، وكانت تردد اسم القطعة عشر مرات كما ينطقها الميكانيكي حتى تحفظها وتتقن تمييزها لاحقاً. وبفضل تجربتها المتكررة، باتت أم رشيد قادرة على تحديد أعطال سيارتها بنفسها قبل التوجّه إلى التصليح.

تروي بيان بيطار، إحدى المعلمات اللواتي تنقلهن أم رشيد إلى المدرسة يومياً، موقفاً يدل على ذلك، تقول: “في إحدى المرات تأخرت علينا أم رشيد، وعندما اتصلنا بها أخبرتنا أنها في طريقها إلينا بعدما استبدلت الدولاب الذي تعرّض لعطل مفاجئ”. وتضيف: “أُعجبنا جميعاً بقدرتها على التعامل مع هذه المواقف الطارئة بمرونة وثقة، فهي مثال على المرأة التي لا تستسلم أمام التحديات، بل تواجهها بثبات ومسؤولية”.

تعود أم رشيد إلى منزلها بعد يومٍ طويل من العمل، تحمل بيديها أكياس الخضار والفاكهة وبعض السكاكر وقطع البسكويت لأطفالها الذين ينتظرونها بشوق رفقة جدتهم، والدة زوجها، التي تتولى رعايتهم خلال ساعات غيابها.

هي بعملها هذا لا تقود ثورة نسوية، ولا ترفع شعارات التمرد على الأدوار التقليدية، لكنها تمسك بالمقود كل صباح وتقود سيارة أجرة تجوب بها شوارع إدلب، تُقلّ الركاب وتُعيل أسرتها. وفي طريقها هذا، تعيد رسم حدود الدور الممكن للمرأة، وتفتح الطريق لغيرها من النساء.