يرافق القلق حسام محمد الحسن (19 عاماً) حتى قبل بدء امتحانات الثانوية العامة، إذ سيضطر للاستيقاظ مبكراً خلال فترة الامتحانات القادمة، استعداداً لرحلة طويلة تستغرق نحوساعتين، انطلاقاً من مدينة منبج إلى مركز الامتحانات في مدينة حلب. يقول “الحسن” لا أدري كم ساعة سأنام، والسؤال الأهم، هل سأستطيع النوم؟ إذا تعطّل السرفيس أو طرأ طارئ خلال رحلة الـ 80 كيلومتراً، سأخسر دراسة عام كامل”.
حسام ليس الوحيد فشكاوى طلاب الدراسة الحرة للشهادتين الثانوية العامة والتعليم الأساسي في مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي كثيرة، وذلك لحصر المراكز الامتحانية بالنسبة للطلبة الأحرار في مدينة حلب فقط.
غياب هذه المراكز عن الأرياف يضّطر الطلاب إلى قطع عشرات الكيلومترات للوصول إلى المراكز الامتحانية التي أعلنت مديرية تربية حلب أنها ستفتتحها في المدينة فقط خلال الأسابيع المقبلة، وفقاً لحسن الحسن رئيس شعبة التنظيم في دائرة الامتحانات بمديرية تربية حلب.
حسام غير راضٍ عن قرار اقتصار مراكز الامتحان على مدينة حلب فقط، ويتمنى لو تفتتح مديرية التربية مراكز في المدن الكبرى مثل منبج والباب وجرابلس، لأن المراكز الامتحانية التي اعتمدتها مديرية التربية في حلب بعيدة، وتستغرق رحلة الوصول إليها وقتاً وجهداً كبيرين، وفقاً لقوله.
تكاليف باهظة تضاف إلى مصاعب الرحلة
تنطلق امتحانات شهادة التعليم الأساسي والشهادة الثانوية المهنية، في 14 حزيران القادم، وتنتهي في 3 تموز، بينما تبدأ امتحانات الثانوية العامة بفرعيها (الأدبي، والعلمي) والثانوية الشرعية، في 5 تموز وتنتهي في 28 من الشهر ذاته، حسب تعميم صدر عن وزارة التربية والتعليم في 4 آذار الماضي، حددت فيه موعد الامتحانات.
أشارت حينها مديرية تربية حلب إلى أن عدد طلبة الشهادتين بلغ نحو 136 ألفاً، بينهم 85 ألف طالب وطالبة يدرسون بشكل نظامي، و51 ألف طالب وطالبة دراسة حرة، ومن المفترض بحسب المديرية، أن يقدم الطلبة النظاميون الامتحانات في مراكز امتحانية ضمن مدنهم وبلداتهم، على عكس الطلبة الأحرار.
يتخوّف حسام من التأخّر داخل مدينة حلب أثناء التوجّه إلى الامتحانات، حيث إنّ طبيعة مدينة حلب غير مألوفة للطلاب، يضاف إلى ذلك الازدحام في الطرقات، ما يجعل الطالب أمام ضغط نفسي لا يحتمل، سينعكس على مستواه الدراسي والعلمي بالتأكيد.
لا تقتصر مخاوف حسام وزملائه على الضغط النفسي وخطورة السفر والخوف من التأخّر عن الامتحانات فقط، بل تتعدى ذلك إلى صعوبة تأمين التكاليف المالية الباهظة للنقل، حيث تصل أجرة الراكب من مدينة منبج إلى مركز الامتحان ذهاباً وإياباً نحو 200 ألف ليرة سورية، تتضمن 150 ألف منها من منبج إلى حلب، و50 ألف متبقية يدفعها أجور مواصلات من الكراج الشرقي إلى مركز الامتحان، وفي حال قرر مع رفاقه استئجار سرفيس كامل للوصول في موعد محدد يزداد المبلغ المالي بسبب إضافة ساعات انتظار السائق أمام مركز الامتحان.
عائلات تلجأ للاستئجار في حلب خلال فترة الامتحان بهدف التوفير
تلجأ العديد من العائلات إلى استئجار غرف بشكل مؤقت لأبنائها طمعاً في توفير عناء وغلاء أجور الطريق، وذلك بسبب عدم مراعاة أجور النقل للأوضاع الاقتصادية والمعيشية الراهنة.
قصي المطر (18 عاماً) أحد الطلاب الذين لجؤوا إلى هذا الخيار بالرغم من المخاوف الأمنية، بنظر عائلته. يقول “المطر” إنّ والديه أرادا توفير عناء السفر بين حلب ومنبج، لكنّهما واجها عقبة جديدة، إذ يصعب العثور على غرف منفردة، والبيوت الكبيرة تحتاج إلى خدمات يعجز أهالي الطلاب عن توفيرها، بينما الغرف الفندقية مستبعدة، لدى الكثيرين، بسبب ارتفاع أسعارها وعدم مواءمتها للأجواء الدراسية.
قصي الطالب في الثانوية العامة من الفرع العلمي، قرّر وعائلته في نهاية المطاف اللجوء إلى غرفة فندقية بخدمات متدنية بعد فشل كل الخيارات السابقة، لكنه فوجئ بتكلفتها، إذ تصل أجورها إلى مليون و 620 ألف ليرة سورية (نحو 23 يوماً خلال الفترة الامتحانية) ما عدا تكاليف الأكل والشرب، وأجور التنقل التي يحتاجها خلال أيام الامتحانات.
يقول المطر: إن الرحلة مرهقة جسدياً ونفسياً ومادياً ، والسكن في حلب ليس حلاً، لأن أجور السكن مرتفعة، ولا يوفر هذا الخيار بيئة دراسية مريحة للطالب، كما أنّ استئجار منزل يحتاج إلى تهيئة وتوفير طعام وماء وكهرباء، وجميعها تحول دون الاستقرار ذهنياً وبدنياً”. مضيفاً، أنه سيحاول الحصول على غرفة مشتركة مع رفاقه لحل مسألة السكن في حال استطاع إقناع أسرته.
معاناة مضاعفة للطالبات
للطالبات معاناة مضاعفة، بسبب اضطرارهن إلى اصطحاب مُرافق إلى المراكز الامتحانية، نتيجة المخاوف الأمنية والطرقية، حيث لا يقبل كثيرون باستئجار منازل لهنّ في حلب وتركهّن وحيدات، يقول أبو محمود جنيد والد طالبة تدرس الثانوية العامة بالفرع الأدبي في مدينة أعزاز شمال حلب: “سأرافق ابنتي إلى مركز الامتحان، لأنني لا أستطيع تركها لوحدها في المدينة حيث أخشى ألا تستطيع العودة إلى المنزل”.
ويضيف، أنّه يتحمل أعباء مالية مرهقة، فابنته بحاجة إلى أجور مواصلات من أعزاز إلى حلب ذهاباً وإياباً تتجاوز 200 ألف ليرة سورية يومياً، يضاف إليها أجور النقل الداخلي، وأجور المرافق.
يعتبر طلاب وطالبات الدراسة الحرة أن قرار مديرية تربية حلب بتخصيص مراكز امتحانية لهم في مدينة حلب فقط، مجحف، ولا يراعي ظروفهم، لأن معظمهم انضموا متأخرين لاستكمال تعليمهم، بعد سقوط نظام الأسد، ولم يتلقوا التعليم في المدارس العامة سواءً في المناطق التي كانت خاضعة لإدارة المجالس المحلية في أعزاز والباب وعفرين ومارع، وجرابلس، وأخترين، والراعي، وجنديرس، أو المناطق الخاضعة للإدارة الذاتية في منبج.
العمل إلى جانب الدراسة لتأمين أجور النقل
محمد حافظ (19 عاماً) طالب في الثانوية العامة بالفرع العلمي ينحدر من مدينة مارع التي تبعد عن مركز مدينة حلب نحو 35 كيلومتراً، يقول: إنّه يجد صعوبة في توفير أجور النقل للوصول إلى حلب، لأن وضع عائلته المعيشي متدهور للغاية، فقرر العمل بهدف جمع مبلغ مالي لتغطية مصاريف المواصلات خلال الامتحانات، على الرغم من حاجته الماسة لاستغلال وقته بالدراسة.
تبلغ أجر الراكب في السرفيس من مارع إلى حلب 70 ألف ليرة سورية ذهاباً وإياباً يضاف إليها مصاريف ركوب سرفيس نقل داخلي من الكراج الشرقي وصولاً إلى مركز الامتحان، ما يرفع المبلغ المالي إلى 85 ألف ليرة سورية عن كل يوم امتحاني.
لا يختلف الحال لدى طلبة التعليم الأساسي (الصف التاسع) سوى بمضاعفة الأعباء المالية، لأنهم أصغر سناً، ومن بينهم عبد العزيز، الطالب في الصف التاسع. عبد العزيز لا يستطيع السفر بمفرده من مدينته مارع إلى حلب، بسبب عدم معرفته الكافية بمدينة حلب، ما يضطر والده أو والدته إلى مرافقته خلال أيام الامتحانات.
مديرية التربية: السبب في نقص المباني وارتفاع أعداد الطلبة
يرجع، رئيس دائرة الامتحانات في مديرية التربية في حلب، تركي المصطفى، سبب عدم افتتاح مراكز امتحانية لطلاب الدراسة الحرة في مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي، إلى ارتفاع أعداد طلبة الشهادتين النظاميين والأحرار، وعدم توفر مباني مناسبة لاستخدامها كمراكز امتحانية تستوعب جميع المتقدمين.
ويضيف، في حديث لـ “فوكس حلب”، أن أعداد الطلاب الكبيرة مقارنة مع قلة المراكز المتوفرة دفع مديرية التربية إلى اعتماد مدينة حلب لتقديم طلبة الدراسة الحرة، ويلفت، إلى أن المديرية اتخذت إجراءات لتخفيف الأعباء من خلال تأمين مراكز سكنية مجهزة بكافة المستلزمات لاستضافة الطلاب الذين لا يملكون أماكن للسكن خلال فترة الامتحانات.
تكاليف السفر بين المدن والبلدات ومركز محافظة حلب، وعناء رحلة المواصلات اليومية، ومخاطر السير على الطرقات الطويلة، كلها مجتمعة تواجه طلبة شهادات الدراسة الحرة في ريفي حلب الشمالي والشرقي.
تحتاج هذه التحديات إلى حلول منطقية من قبل السلطات المحلية، تراعى فيها الظروف الاقتصادية للأهالي وتأخذ بعين الاعتبار الأوضاع الأمنية، ومسألة وصول الطلبة في مواعيد الامتحانات دون أي ضغوط تنعكس سلباً على مستواهم الدراسي.
