لم تكن حياة السيدة إيمان، 48 عامًا، عاديةً يومًا ما. منذ زواجها في سن الثامنة عشرة، بدأت معركتها مع الحياة، فأمضت سنوات تنتظر طفلتها التي رزقت بها بعد ستة أعوام من محاولات العلاج المستمرة. تقول واصفة الفقر حينها: “عندما رزقت بأول طفلة، لم يكن في بيتي سوى حصيرة وفرشة ولحاف”.

بكل طاقتها، اندفعت إيمان التي تنحدر من مدينة اللاذقية للعمل منذ بداية زواجها، تسابق الوقت لتأمين لقمة العيش، وتعالج نفسها على أمل الإنجاب، فعملت في مشتل زراعي لأربعة عشر عامًا.
رغم ذلك لم تكن الحياة سهلة، بل على العكس، كانت تزداد قسوة، خاصة بعد إصابة زوجها بمرض الديسك الذي أقعده عن العمل. تفاقمت المسؤوليات على الزوج الذي كان معيلًا لأهله. أمام هذا الواقع، اضطرت إيمان لسحب ابنتها من المدرسة لتساعدها في العمل.

لاحقًا تركت إيمان المشتل لتدني أجوره، ثم عملت في معمل لصناعة الصابون. “كنا نأكل وجبة طعام واحدة في اليوم، ونتقاسم التعب أنا وأولادي الأربعة”، تقول إيمان التي أمضت ست سنوات في العمل هناك، يوميًا من الثامنة صباحًا حتى الرابعة عصرًا، وأحيانًا حتى السادسة، لتحصل على بضع ليرات إضافية. أجرتها لا تتجاوز أربعين ألف ليرة سورية في اليوم (نحو أربعة دولارات)، ومع الساعات الإضافية قد تصل إلى أربعة وخمسين ألفًا.

الوجع الأكبر في حياة إيمان كان إدمان زوجها السابق على تعاطي المواد المخدرة دون علمها، إذ سرعان ما بدأت آثار الإدمان تظهر عليه بوضوح. باع أثاث البيت قطعة قطعة، وعند كل انقطاع للحبوب كان العنف يزداد. تعرضت إيمان للضرب المبرح، ولعزلة فرضها زوجها، حرمها من أهلها، ومنعهم من زيارتها.
حرصًا على أخواتها الست، لم تطلب إيمان الطلاق مبكرًا، فالمجتمع لن يرحمهنّ في حال عادت أختهنّ الكبيرة مطلقة، لذا صمتت سنوات طويلة على هذا الحال قبل أن تطلب الطلاق أخيرًا. لكنها خرجت من ذلك الجحيم إلى واقع أشد قسوة. فما بعد “التحرير” لم يحمل لها الخلاص. أولادها الأربعة بلا عمل، فرص العمل تقلصت، حتى أعمال قطاف الليمون الموسمية لم تعد متاحة.

رغم كل شيء، لا تريد لأولادها أن يعيشوا الظروف نفسها، فقررت أن تترك لهم مساحة من الحرية بعد زواجهم. تقول إنها تعمل الآن فقط من أجل أولادها، لتراهم سعداء. وعندما طلبتُ منها أن تشبّه حياتها بوردة من المشتل الذي عملت فيه، أجابت دون تردد: “أشبّه نفسي بوردة المجنونة.. الزهرة جميلة جدًا، لكنها محاطة بالأشواك حولها، وهكذا أنا”.

الورد بالنسبة لها أكثر من مجرد نباتات. “الورد أقرب إليّ من أولادي. الوردات رفقاتي، أتكلم معهنّ عندما تثقل كاهلي الهموم”. ولأن نبتة الصبار تُعلّم الصبر، تحبّ هذه النبتة كثيرًا، خاصةً أنها تملك شوكًا يحميها، تقول: “تمنيت لو عندي شوك متله مشان أحمي حالي”.

الأقسى من ذلك كله، حين اكتشفت أن زوجها السابق علّم ابنها تعاطي المواد المخدرة بعد أن خسر كل مالديه ليضمن بقاء الحبوب في متناوله. هنا فقط، خنقتها الدموع، وقالت: “أتمنى من الحكومة الجديدة إنشاء مصحات علاج للإدمان.. لأجل ابني، وكل الشبان الذين خطفهم الإدمان وهم بعمر الورد”.

عندما لجأت إيمان مرة إلى الشرطة لتقديم شكوى ضد زوجها، جاءها الجواب الصادم من أحد العناصر: “الأوامر تصلنا من الأعلى منصبًا.. يعطوننا المخدرات ونحن نوزعها”.

هكذا، وجدت إيمان نفسها تقاتل على أكثر من جبهة: الفقر، الإدمان، الوحدة، غياب العدالة.. تقاتل بروح وردة مجنونة، جميلة، لكن بأشواك كثيرة، تخفي خلفها قلبًا يحلم بالدفء.













