فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

لا تبغ في حقول الساحل هذا العام

سناء سليمان

زراعة التبغ في سوريا تواجه مصيرًا غامضًا، والمزارعون ينتظرون قرارًا قد يغيّر حياتهم إلى الأبد..

على أطراف أرضه في إحدى قرى ريف اللاذقية الشمالي، يقف العم أبو إبراهيم لتفقد أرضه التي لم يزرعها بالتبغ كما كان يفعل في مثل هذا الوقت سنويًّا، يقول: “لا موسم للدخان هذا العام في قرى الساحل السوري التي لطالما ارتبطت تفاصيل حياة مزارعيه بهذا المحصول”.

تغيب استعدادات زراعة التبغ عن أرياف الساحل السوري غربي سوريا، فلا “تسكيب” ولا أحلام معلقة على موسم الحصاد. كثير من الخطط المؤجلة التي اعتاد الأهالي ربطها بعائدات الموسم، مثل خطبة أحد الأبناء، أو إقامة زفاف، أو تجهيز منزل، أو حتى شراء المؤونة والهاتف الجوال والتسجيل في الجامعة، بل حتى إجراء عملية جراحية غير طارئة، باتت جميعها خارج الحسابات، وكل وعد كان مرتبطًا بعبارة “على موسم الدخان …” لن ينفّذ هذا العام.

الهروب إلى زراعات بديلة

لم يكن محصول التبغ في هذه القرى مجرد مصدر دخل رئيس لمزارعي المنطقة، بل شكّل جزءاً أساسياً من هويتهم الزراعية المحلية. لكن التغيرات المؤسسية والضغوط الاقتصادية الأخيرة ألقت بظلالها الثقيلة على الفلاحين، الذين يجدون أنفسهم مضطرين اليوم للتكيف مع واقع جديد، في ظل توقّف مؤسسة التبغ “الريجي” عن العمل وغموض مصيرها.

يأخذ أبو إبراهيم نفسًا عميقًا قبل أن يبدأ بشرح ما يواجهه ومعظم مزارعي المنطقة، يقول: “ما يزال محصول العام الماضي مكدسًا عندي، فمؤسسة التبغ لم تستكمل شراءه من المزارعين”.

يعزو أبو إبراهيم عزوفه وكثير من المزارعين عن زراعة التبغ إلى انقطاع سوق التصريف لهذه المادة، التي كانت تذهب إما إلى مؤسسة “الريجي” او إلى تجار في لبنان والأردن والدول المجاورة الأخرى، “لكن كل شيء توقف بسبب الحرب التي حصلت في لبنان، وسقوط نظام الأسد في سوريا، والانتهاكات التي حصلت في منطقة الساحل”، يقول المزارع.

في ظل هذه الظروف كان على المزارعين المخاطرة بزراعة بديلة حتى لو كانت عائداتها المادية أقل من عائدات التبغ، فاتجه قسم كبير منهم لزراعة الخضروات المتنوعة مثل الباذنجان والفليفلة والبامية وأنواع من الكرمة (الدالية) التي تنتج الورق فقط، بينما خاطر آخرون بزراعة التبغ دون ضمانات، مراهنين على عودة المؤسسة للعمل أو على تحسن السوق الخارجي.

من “أبو ريحة” إلى الريجي

زراعة التبغ في محافظة اللاذقية وغيرها من المناطق السورية بدأت في عهد العثمانيين بزراعة صنف “أبو ريحة” فقط، الذي ذاع صيته عالميًا فيما بعد باسم “التبغ اللاذقاني”. ومع ازدياد أهمية المحصول تأسست إدارة “حصر الدخان” لتنظيم شؤون زراعة التبغ، قبل أن ينتقل الامتياز لشركة فرنسية إدارة القطاع لمدة 30 عامًا، تم تمديدها خمسة عشر عامًا إضافيًا لاحقاً، عملت خلالها الشركة على تنظيم الإنتاج وتحسين الصناعة.

بعد انتهاء امتياز الشركة الفرنسية، واستبداله بنظام “البندول” الذي يعتمد على استيفاء رسم حكومي على منتجات التبغ، قبل أن يلغى عام 1935، ويخضع التبغ لنظام الحصر الكامل لشراء التبغ وصناعته وبيعه مهما كان مصدره ومهما كان الشكل الذي يعرض فيه من قبل شركة مشتركة هي ما يُعرف اليوم بالمؤسسة العامة للتبغ “الريجي” التي تم تأميمها عام 1951 ونقلت ملكيتها إلى الدولة، مع الحفاظ على أسس عملها، ما ساهم بتوسع زراعة التبغ السوري وظهور أصناف جديدة من التبوغ الشرقية، مثل البريليت والأوتيليا.

نشاط المؤسسة يشمل الأراضي السورية كافة، مركزها الرئيسي في اللاذقية ويتبع له ثلاثة فروع هم فرع المنطقة الجنوبية ومقره دمشق ويغطي محافظات (دمشق -ريف دمشق -القنيطرة -درعا -السويداء -حمص)، وفرع المنطقة الشمالية ومقره حلب ويغطي محافظات (حلب -الرقة -دير الزور-الحسكة -إدلب -حماة)، وفرع المنطقة الساحلية ومقره اللاذقية ويغطي نشاطه (اللاذقية -طرطوس).

مزارعون حائرون

غموض مصير محصول التبغ يعكس حال مؤسسة التبغ التي توقفت عن العمل منذ الثامن من كانون الأول 2024، بعد تعرض مستودعاتها لسرقات واسعة، وتخريب طال المعدات، ما أدى إلى خسائر شلّت قدرتها على تلبية احتياجات المزارعين. هذا ما أكده عدد من العاملين في المؤسسة، طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم لأسباب تتعلق بالأمان الوظيفي.

كثير من الإشاعات والتساؤلات التي لا يمكن تأكيدها أو نفيها، في ظل غياب أي توجيه من السلطات الجديدة، تركت المزارعين في حيرة بشأن الاستمرار في الزراعة. ومع الغموض الذي يحيط بمستقبل المؤسسة، يترقّب الجميع موقفًا رسميًا يحدد مصير زراعة التبغ، التي تشكل مصدر عيش أساسي لآلاف العائلات في المنطقة.

وسط ضبابية المشهد التي تزامنت مع انطلاق موسم الزراعة الجديد، أحجم كثير من الفلاحين عن البدء بعملية “التسكيب”، وهي المرحلة الأولى من زراعة التبغ، في ظل انعدام الضمانات وعدم استلام مستحقاتهم عن محصول العام الفائت الذي كانت المؤسسة قد تسلمته قبل سقوط نظام الأسد.

 مراحل قاسية لكنها مربحة

التبغ أحد المحاصيل الزراعية الهامة اقتصاديًّا، فهو المادة الأولية لإنتاج الدخان، وقد اعتاد أهالي القرى الساحلية خاصة في محافظة اللاذقية على زراعته منذ عقود. وبحسب دراسة أجرتها جامعة اللاذقية (تشرين سابقًا) لعام 2011 تبلغ نسبة المساحات المزروعة بالتبغ في الساحل السوري 63% من إجمالي المساحات المزروعة من هذا الصنف في سوريا، في حين يبلغ عدد المزارعين وفق تقديرات مؤسسة التبغ نحو 60 ألف مزارع، يعيلون نحو 90 ألف أسرة.

قد يبدو قرار التخلّي عن زراعة التبغ لصالح محاصيل بديلة خيارًا بسيطًا في نظر من لا يعرف تفاصيل هذه الزراعة، لكنه بالنسبة للمزارعين، وخاصة من يزرعون “التنباك”، قرار ثقيل ومؤلم. فزراعة التبغ تتطلب جهدًا متواصلًا يبدأ بمرحلة “التسكيب” لإنتاج الشتول، ويمرّ بمراحل شاقة مثل الري، والفلاحة، و”الركاش”، ثم القطاف والتسطيح، وصولًا إلى التجفيف الذي يحتاج إلى عناية دقيقة وإجراءات محددة لضمان الجودة.

“التنباك”، المستخدم في صناعة المعسّل، يُعدّ أكثر أنواع التبغ طلبًا وربحًا، وغياب موسم زراعته هذا العام يعني خسارة مالية كبيرة للمزارعين. يقول أبو إبراهيم: “لو كنا قمنا بعملية التسكيب في آذار، لبدأنا بزراعة الشتلات في أيار”، ويصف الفلاحين بأنهم “الحلقة الأضعف”، لأن تأخر الموسم أو توقفه يهدد أمان أسرهم في ظل ضعف الإمكانيات وتراكم الديون المؤجلة انتظارًا لمحصول الموسم.

يتحدث أبو إبراهيم بحنين عن الفرح الذي كان يعيشه سنويًا عند نجاح الشتل، حين تُغطى الأرض بأوراق التبغ الخضراء، مشيرًا إلى أن هذا الشعور كان يُنسيه كل مشاق العمل، فقد كان يحرص، مثل معظم المزارعين، على الإشراف بنفسه على مراحل الزراعة، بدءًا من مرحلة “التسكيب”، وهي إنتاج شتلاتٍ من البذور التي يحتفظ بها المزارع من الموسم السابق، وبهذا كان أبو ابراهيم يضمن جودة البذار، وتكون تكلفة إنتاج الشتلات بالنسبة له أقل من شرائها جاهزة، بل غالبًا ما تكون الكمية وفيرة، تكفي حاجته وتفيض لتوزَّع على الآخرين في القرية.

بعد مرحلة إنتاج الشتلات، يبدأ أبو إبراهيم بتجهيز الأرض عبر فلاحتها ورش مبيدات الأعشاب لتعقيم التربة. ثم تُقسَّم الأرض وتُخطَّط لتُزرع الشتلات على مسافات متساوية تُقدَّر بـ 70 سنتيمترًا بين كل شتلة وأخرى. وتستغرق فترة نمو الشتلات ما بين 70 إلى 75 يومًا، تتطلب خلالها رعاية يدوية دورية، تُعرف محليًا بـ”الركاش”، إلى جانب سقاية منتظمة تختلف بحسب نوع التربة، كل 15 إلى 20 يومًا في التربة الطينية الثقيلة، وكل 8 إلى 10 أيام في التربة الرملية.

بعد نمو النبات ووصول عدد الأوراق إلى 8 أو 10، يكسر المزارعون  رأس النبتة ويزيلون الفروع الجانبية الزائدة، وهي خطوة تهدف إلى تعزيز نمو الأوراق وجعلها أكثر سماكة وجودة. وعند نضج الأوراق، تُقطف وتُنقل إلى أرض أخرى في عملية تُعرف محليًا بـ”التسطيح”.

في هذه المرحلة، تُمدّ أوراق التنباك في أرض مفتوحة تتعرض لأشعة الشمس المباشرة، بهدف تجفيفها بطريقة خاصة تختلف عن الأساليب المتّبعة في أنواع التبغ الأخرى. إذ لا تُعلّق أوراق التنباك كما هو الحال في تجفيف “البرلي” أو “الفيرجينيا”، لأن ذلك يؤدي إلى اسودادها و فقدان جودتها. وعوضا عن ذلك، تُستخدم أعواد القصب أو الناموسيات لتثبيت الأوراق ومنع تطايرها أثناء فترة التجفيف.

وتستغرق عملية التجفيف ما بين 7 إلى 12 يومًا، حسب حالة الطقس، لتُجمع بعدها الأوراق وتُرصّ بعناية في أكياس من الخيش، تمهيدًا لبيعها وتسليمها إلى المؤسسة، أو كما هو حال هذا العام، لتبقى في مستودعات المزارعين بانتظار وضوح المصير.

مستحقات معلقة

طوال عقود كان على مزارعي التبغ الحصول على رخصة من مؤسسة “الريجي” للسماح لهم بالزراعة، ويحظر عليهم بيع المحصول إلا للمؤسسة التي كانت تحتكر شراءه وصناعته، إلى أن تم تحرير المادة وفق مرسوم تشريعي رقم 16 عام 2024 يجيز فيه للقطاع الخاص شراء التبغ والاستثمار في صناعته.

وتُسيّر المؤسسة لجان تخمين للمحاصيل إلى الأراضي لتتأكد من كمية الإنتاج لدى كل مزارع مع ما سيعرضه للبيع عليها. وتقوم هذه اللجان في البداية بمسح الأرض ثم حساب كثافة الشتول عبر حساب عدد الشتول في المتر المربع الواحد، ثم تقوم اللجنة بقطاف شتلات من جهات متفرقة في الأرض لحساب وزنها لتتمكن من تخمين المحصول الناتج عن هذه الأرض.

قبل سقوط نظام الأسد نهاية العام الفائت كانت المؤسسة في مرحلة استلام التبغ من المزارعين، وقد استلمت معظم المحاصيل، لكنها لم تدفع مستحقات المزارعين “بسبب البيروقراطية والوقت الذي تستغرقه المعاملات” بحسب مصدر من داخل المؤسسة، ما أثار مخاوف لدى المزارعين بضياع حقوقهم وجعلهم يترددون في الزراعة لهذا العام.

مصادر من داخل المؤسسة صرحت لـ “فوكس حلب” بعدم توفر سيولة لدى المؤسسة لتسديد ثمن التبغ للمزارعين في الوقت الراهن، وأكد المصدر نفسه أن التسديد سيتم عاجلًا أو آجلًا، فكامل حقوق المزارعين مسجلة ومحفوظة، على حد قوله، هذه البيانات لم يتم المساس بها أو تخريبها، والإدارة الجديدة طالبت بهذه البيانات مما يشير إلى نيتها إعطاء المزراعين مستحقاتهم، كما أكَّد أن هذا المحصول ما يزال موجودًا في المؤسسة ولم تتم سرقته.

ووفق ما جاء في تصريح مدير المكتب الإعلامي في وزارة الصناعة فإن جميع مستحقات المزارعين، بما في ذلك أثمان محاصيلهم، التي ترد للمعامل الحكومية عامةً سيتم صرفها لهم في أقرب وقت ممكن.

من يتحمل الخسارة؟

“السبب الرئيس لتوقف عمل مؤسسة التبغ يعود لتراجع التمويل” تقول إحدى موظفات مؤسسة التبغ معتبرةً أن المؤسسة اعتادت سابقًا على تغطية نفقاتها ذاتيًّا وتحويل أرباحها السنوية لصندوق الدولة العام إلا أنها شهدت وضعًا مختلفًا وتكبدت خسائر كبيرة بعد سقوط نظام الأسد نتيجة تعرض الآلات للتخريب وسرقة قطع صناعية وقطع غيار ومواد أولية تقدر قيمتها بنحو 500 مليار ليرة سورية، بحسب تقديرات داخلية غير رسمية، ما جعل الأرباح غير كافية لتعويض ما فقد من ممتلكات وأصول.

وبحسب هذه الموظفة، فإن تلك التطورات دفعت وزارة الصناعة لإصدار توجيهات بإيقاف عمل عدد من الشركات والمنشآت الحكومية وعلى رأسها مؤسسة التبغ، ذلك لإجراء عمليات جرد شاملة، ومراجعة دقيقة للحسابات والتكاليف، بالإضافة إلى تقييم الكوادر الفنية والإدارية، وإجراء الصيانة للآلات والمعدات.

بالتزامن مع هذه التطورات، سرت شائعات في أوساط المزارعين تفيد بأن مؤسسة التبغ قد تتخلى عن صناعة التبغ لصالح نشاط صناعي آخر، ما دفع كثر إلى الامتناع عن بدء عملية “التسكيب” هذا العام، بانتظار وضوح الرؤية. وفي المقابل، استبعدت موظفة في المؤسسة، فضّلت عدم الكشف عن اسمها، هذا الاحتمال، مؤكدة أن المؤسسة تُعد من المشاريع الرابحة، لكنها تحتاج إلى رأس مال ضخم لإعادة تشغيلها.

ورجّحت أن يتم طرحها للاستثمار، مشيرة إلى أن أرباحها الصافية السنوية كانت تصل إلى نحو 50 مليار ليرة سورية، وكان من الممكن أن تكون أعلى بخمسة أضعاف، لو أن المؤسسة كانت تعمل بكامل طاقتها. تقول الموظفة: “إيقاف الإنتاج قد يكون مؤقتًا، ولا مصلحة للدولة في إنهاء هذه الصناعة، فالعائد الاقتصادي من التبغ لا يُضاهى، وسوقه مستمر وثابت”.

سبق انتشار الشائعات حول توقف زراعة وصناعة التبغ تصريح  لوزير الزراعة والإصلاح الزراعي السابق في الحكومة المؤقتة، الدكتور محمد طه الأحمد، أكّد فيه أن وزارة الصناعة ستواصل شراء محصولي التبغ والقطن، لكنها في الوقت ذاته “ستحاول استبدال زراعة التبغ بزراعات أخرى”، في إشارة فسّرها كثير من المزارعين بأنها تمهيد تدريجي لإنهاء هذه الزراعة.

أمّا عن أزمة السيولة المالية في الفترة الماضية، فقد أشار مصدر آخر من داخل المؤسسة إلى أن خسائر “الريجي” المالية تعود أيضًا إلى فواتير وضرائب متراكمة وتعاملات سابقة مع جهات لم تسدد أثمان الإنتاج نقدًا، بل عبر توريد مواد أولية، مما فاقم أزمة السيولة.

وبين التصريحات المتباينة، يبقى السؤال معلّقاً دون جواب: هل سيكون عام 2025 هو العام الأول الذي يتوقف فيه إنتاج التبغ في سوريا منذ عقود بعد تجاوز  الإنتاج السنوي 12 ألف طن حتى عام 2020؟

فمنذ توقف المؤسسة، لم تصدر الحكومة الجديدة أي تصريح واضح لطمأنة العاملين في القطاع. وبينما تنتشر أنباء غير مؤكدة عن احتمالات بيع المؤسسة أو خصخصتها، أو حتى إنهاء زراعة التبغ بالكامل لصالح محاصيل بديلة، يقف المزارعون اليوم أمام مفترق طرق حاسم.

كل خيار مطروح يحمل معه مخاطر اقتصادية واجتماعية جسيمة، لا تهدد مصادر رزق آلاف العائلات فحسب، بل تنذر أيضًا بتفكك قطاع صناعة التبغ في سوريا، الذي شكّل لعقود رافدًا اقتصاديًا أساسيًا في البلاد.

إشاعات الخصخصة والتحولات المستقبلية

في تصريح لموقع “فوكس حلب“، قال مدير المكتب الإعلامي في وزارة الصناعة إن التوجه الحالي للحكومة يتمحور حول طرح جميع شركات القطاع العام للاستثمار، على أن يقتصر دور الدولة على الإشراف والرقابة والتنظيم، بينما يتوسّع دور القطاع الخاص ليصبح المحرّك الأساسي لدعم الناتج المحلي.

في المقابل، يحذّر الخبير الاقتصادي الدكتور أيهم أسد من مخاطر طرح الشركات العامة للاستثمار أو الخصخصة دون دراسة شاملة لواقعها، مشيرًا إلى أن مثل هذه الخطوة قد تفقد البلاد ثروات وطنية تحت غطاء “الإصلاح الإداري”. وأضاف أن الحكومة تمتلك بدائل أكثر جدوى، من بينها تطوير المؤسسات الرابحة بدلًا من التخلي عنها.

وبرأي الخبير الاقتصادي، قبل البدء بأي عملية خصخصة أو طرح استثمار أي شركة عامة لابد من تحليل حالتها الراهنة بدقة، وتحليل أسباب ربحها وخسارتها وبيئة عملها والتشريعات الداعمة أو المعيقة لها، وبعد ذلك يتم تحضير ملف الاستثمار أو الخصخصة من قبل خبراء ومختصين بالتقييم والاقتصاد والمحاسبة، فعملية الخصخصة أو الطرح للاستثمار مع القطاع الخاص بموجب أي صيغة “ليست عملية سهلة وسريعة وعاجلة، بل عملية منهجية و واعية وهادفة يجب من خلالها الحفاظ على الثروة الوطنية والأصول الوطنية”.

ويتابع د. أسد: “يمكن للحكومة الإبقاء على الشركات الرابحة للاستفادة من مواردها المالية في تمويل المدفوعات الحكومية، ويمكن لها تطوير عمل تلك الشركات وتعديل التشريعات الناظمة لها لجعلها تعمل في بيئة أكثر تنافسية وشفافية، أي أن تكون الملكية عامة والإدارة بعقلية القطاع الخاص”.

بين تضاؤل الخيارات والغموض الذي يخيّم على مستقبل زراعة التبغ في سوريا، يعود أبو إبراهيم إلى منزله كل يوم محمّلًا بأسئلته، دون أن يجد جوابًا يحدد مصيره ومصير مزارعي منطقته الذين طالما اعتمدوا على هذه الزراعة كمصدر دخل أساسي.

وبين من يؤمن بأن هذه الزراعة والصناعة لن تتوقف، ومن يرى أن عصر التبغ في سوريا قد انتهى فعليًا، يبقى المزارعون معلّقين في انتظار قرار حاسم من الحكومة، يخرجهم من دوامة الترقّب والخوف.