فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

عائدون إلى حلب الشرقية.. والنفايات في استقبالهم

وئام عبد القادر

يعود المهجّرون إلى أحيائهم في حلب الشرقية ليصطدموا بواقع قاسٍ: منازل مدمّرة ومنهوبة تحولت إلى مكبّات نفايات

عند مدخل حي بستان الباشا، أحد أحياء حلب الشرقية، يستقبلك مشهد يختزل حجم الإهمال، أكياس قمامة مهترئة مكدّسة على جانبي الطريق، بعضها شكّل تلالاً من النفايات وعلب النايلون والأوساخ التي غطت ملامح الطريق المفتقد أساساً للإسفلت، بينما تعلوها أنقاض مبنى مدمر انهارت جدرانه عند زاوية الشارع، وكأنها شاهد صامت على سنوات الخراب.

داخل الحي، تصطف محال مهجورة ومنهوبة، بعضها التهمته النيران، وأخرى تحوّلت إلى مكبات للنفايات وركام الأبنية. مشهد يوصف بـ “البؤس الكامل” كما يقول إبراهيم محمد، 45 عاماً، وهو أحد أبناء الحي العائدين إليه أواخر شهر تشرين الثاني، إذ بدا منهكاً بتنظيف المكان، يتنقل بين أكوام النفايات المتناثرة داخل محله المهدم، محاولاً تخليصه من النفايات المتراكمة.

تحولت مبانٍ ومحال تجارية تعود ملكيتها لمهجرين نزحوا إلى الشمال السوري أو لجؤوا خارج البلاد إلى مكبات للقمامة والنفايات، ومأوى للحشرات الضارة والكلاب الشاردة والقطط، في مشهد يعكس حجم الإهمال وسوء الخدمات. تلك العقارات كانت يوماً نابضة بالحياة، نُهبت محتوياتها وأُحرقت جدرانها على يد عناصر تابعين لنظام الأسد، وصارت اليوم بؤراً ملوثة ومهملة تفتقر لأدنى الخدمات ومظاهر الحياة.

يمتلك إبراهيم ستة محال تجارية ومنزلاً واحداً في حي بستان الباشا، أحدها كان مخصصاً لبيع القهوة والمكسرات، قبل أن يضطر إلى مغادرتها قسراً نحو مخيم معّرين شمالي مدينة أعزاز. ومنذ عودته، لم يجد سوى أطلال مكانٍ محروق ومنهوب، تحوّل إلى بقعة مهجورة تتكدّس فيها القمامة.

لم يستسلم إبراهيم لهذا الواقع، فباشر بمساعدة أحد جيرانه السابقين في المخيم بتنظيف المكان. يقول: “نعمل كل يوم لأكثر من سبع ساعات متواصلة في ترحيل الأوساخ ونقلها إلى المكب المخصص للنفايات، وكل ذلك يتم على نفقتي الخاصة”. تبلغ كلفة عمليات الترحيل اليومية، بحسب إبراهيم، نحو 15 دولاراً، في وقت يشكو فيه من غياب أي دعم أو تدخل من الجهات المعنية.

محل تجاري تحول لمكان لرمي القمامة في حي بستان الباشا بمدينة حلب، أيار 2025
محل تجاري تحول لمكان لرمي القمامة في حي بستان الباشا بمدينة حلب، أيار 2025

بوجه متعب يتصبب عرقاً ويدين ترتجفان من كثرة الجهد يشير إبراهيم إلى صفٍ من المباني المتآكلة التي تلاصق محالّه المهدمة. يقول بصوت تملؤه الحسرة: “كل هذه لم تعد صالحة للسكن.. عناصر نظام الأسد كسروا الأبواب وسرقوها، هدموا الجدران، وسحبوا تمديدات الكهرباء، ثم تركوها نهباً للإهمال، حتى تحولت إلى أماكن مهجورة تغصّ بأطنان من القمامة والنفايات”.

تحوّلت أحياء بستان الباشا والهلك والشيخ خضر، وهي من الأحياء الشعبية في حلب الشرقية، إلى مشاهد للخراب والإهمال، بعدما تراكمت أكوام النفايات بين أنقاض المباني التي دمّرها قصف النظام، والمنازل التي هجّر أصحابها نحو الشمال أو خارج البلاد.

غياب خدمات المياه والكهرباء والنظافة لسنوات، دفع الأهالي لاستخدام البيوت المهدّمة كمواقع لتصريف نفاياتهم، حتى غطّت القمامة معظم الشوارع التي باتت تُقسّم إلى نصفين، أحدهما تضيق فيه خطوات المارّة، والآخر يغرق في أكوام القاذورات التي امتدت على طوله، في ظل غياب تام لأي رقابة خدمية أو بلدية.

النفايات تُهدد أرزاق الباعة

على بُعد أمتار قليلة من منزل إبراهيم في حي بستان الباشا، يقف الثلاثيني، محمد سليمان، أمام محله الصغير لبيع الخضروات، محاطاً بصناديق مرتبة بعناية تحتوي خضاراً طازجة كما يؤكد. لكن رغم جودة البضاعة، نادراً ما يتوقف الزبائن للشراء.

يقول محمد: “الناس تهرب من الرائحة والمنظر، النفايات تملأ الطريق وتحيط بالمكان من كل جهة، حتى صار المحل وكأنه وسط مكبّ كبير”. يضيف بأسى أن استمرار هذا الوضع يهدد مصدر رزقه الوحيد، ويُفقد الخضار قيمتها مهما كانت طازجة، إذ يضرب التلوث الموجود الصحة العامة والبيئة على حد سواء.

يحاول محمد، بجهد يومي متواصل، إنقاذ بضاعته من الذباب والبعوض الذي اجتاح المنطقة بفعل النفايات المتراكمة. يمسح صناديق الخضار والفاكهة بيديه كل ساعة تقريباً، محاولاً إزالة الغبار والأتربة التي تغطيها، في محاولة يائسة للحفاظ على نظافتها وجذب الزبائن. إلى جانبه، يساعده الطفل أحمد، البالغ من العمر 12 عاماً، في ترتيب الصناديق وتنظيفها.

من أمام محل لبيع الخضروات في حي بستان الباشا بمدينة حلب، أيار 2025
من أمام محل لبيع الخضروات في حي بستان الباشا بمدينة حلب، أيار 2025

يقول محمد “هذه النفايات تسببت بعزوف الناس عن الشراء، الخضار تفسد بسرعة بسبب الحرارة والروائح، خاصة الأصناف الحساسة مثل الفريز والبندورة”. يشير إلى خسائر مالية كبيرة يتكبدها يومياً، في ظل ضعف الاستجابة من المعنيين لمعالجة الكارثة المتفاقمة في الحي.

يضيف، أنه يبدأ يومه بجمع أكياس القمامة والنفايات المتراكمة أمام محله لتسهيل مرور الزبائن وإتاحة الرؤية لبضاعته، لكن جهوده تذهب سدى، إذ تعود النفايات للتكدس مع حلول المساء بسبب استمرار الأهالي برميها في الشارع متجاهلين الحاويات المخصصة.

يشير محمد بيديه نحو أكوام النفايات المتكدسة بجوار بنايتين مدمرتين، الأولى كانت ضحية قصف جوي لطائرات نظام الأسد، والثانية سُوِّيت بالأرض جرّاء الزلزال العنيف الذي ضرب تركيا وسوريا في السادس من شباط قبل عامين، وتحولت المساحتان اليوم إلى مكبين عشوائيين يغيب عنهما أي تدخل خدمي.

“وضع يد لصالح الأمن”.. مبرر أمني للاستيلاء على بيوت المدنيين

عند عودته إلى منزله في حي المشهد بعد تحرير حلب، لم يصدق صقر أبو قتيبة، البالغ من العمر 44 عاماً، ما رأى. كان منزله قد تحوّل إلى مكب نفايات، فيما أخبره جيرانه أن عناصر الأمن حولوا المكان إلى حاوية ضخمة للأوساخ. استولى نظام الأسد على منزله تحت ذريعة “وضع يد لصالح أفرع الأمن”، وهو مصطلح يُعطى عليه إشارة “X” باللون الأحمر، ما يمنح القوات الأمنية الأحقية الكاملة في التصرف بالمكان.

احتاج صقر نحو 19 نقلة بسيارة نوع هوندا لإزالة كميات النفايات المتراكمة داخل منزله، الذي ظل لسنوات مرتعاً للأوساخ بعد أن وضع نظام الأسد يده عليه. يؤكد أن العبث بممتلكات المهجّرين بدأ منذ أكثر من ثماني سنوات، إذ أقدمت أذرع النظام على إبرام صفقات بيع وشراء بعقود وهمية، وصل بعضها إلى خمس عمليات بيع للمنزل الواحد، ما تسبب بضياع ملكيات أصحابها الشرعيين.

ويضيف صقر أن المستفيدين من هذه الفوضى عمدوا إلى ترهيب السكان المتبقين، عبر إحراق البيوت، ورمي الأثاث من الطوابق العلوية، وتكسير الأبواب والنوافذ، ما أدى في النهاية إلى انهيار أجزاء واسعة من المنازل وتحولها إلى مكبات عشوائية للنفايات، وسط غياب أي محاسبة أو إجراءات قانونية. في الوقت ذاته، تعمّد نظام الأسد حرمان عدّة أحياء في مدينة حلب من الخدمات الأساسية، وعلى رأسها المياه والنظافة، ما فاقم معاناة السكان.

هذا الواقع دفع الأهالي، آنذاك، إلى إطلاق مبادرات محلية تطوّعية لتنظيف شوارعهم من النفايات وبقايا القصف والركام، وسط غياب تام للجهات الخدمية الحكومية وفق شهادة أهالي الأحياء الشرقية. وفي ظل عدم توفر أماكن مخصصة لجمع القمامة، اضطر بعض السكان إلى استخدام منازل المهجّرين كمواقع مؤقتة للتخلص من النفايات اليومية، في مشهد يعكس حجم الإهمال والكارثة الإنسانية المتواصلة في المدينة.

بشار السقا، البالغ من العمر 33 عاماً، مهجّر من حي صلاح الدين في مدينة حلب، اضطر إلى تغيير مكان سكنه خلال شهر رمضان عام 2012، بعد أن تعرض لملاحقات أمنية متكررة لوقوع منزله على الخط الفاصل قرب جبهات القتال. مع تصاعد وتيرة القصف وبدء عمليات التهجير الجماعي، وجد بشار نفسه مجبراً على مغادرة المدينة نهائياً ضمن قوافل المهجّرين، ليختار لاحقاً اللجوء إلى تركيا والاستقرار فيها.

يقول إنه حوّل مستودعاته، التي كان يستخدمها في صناعة مضخمات الصوت والأجهزة الإلكترونية، إلى نقاط طبية لإسعاف الجرحى خلال المعارك في حلب. ومع انكشاف أمره، اضطر إلى مغادرة منزله والانتقال إلى حي آخر. منذ ذلك الحين، استولى نظام الأسد على جميع ممتلكاته، بما فيها منزله ومحاله التجارية، بذريعة “الوضع تحت تصرف الأمن”. يؤكد بشار أنه فقد أي صلة بممتلكاته، إذ أن مجرد ذكر اسمه أو الاقتراب من منزله كان كفيلاً بزجّ الشخص في أفرع الأمن.

عاد بشار إلى منزله في حلب قادماً من تركيا بعد سقوط نظام الأسد، لكنه لم يتمكن من التعرف عليه من شدة الدمار والتخريب. يقول: “لا أفهم كيف وصلت كل هذه النفايات والأتربة إلى منزلي في الطابق الثالث. سُحبت أسلاك الكهرباء من داخل الجدران، واقتُلعت الأرضيات، وحتى حواف الجدران كانت مكسّرة”. شكلت الحالة التي وجد عليها منزله صدمة نفسية عميقة له، منعته من تنظيفه أو إزالة الركام، ما دفعه في النهاية إلى العودة مجدداً إلى تركيا، حاملاً خيبة أمل جديدة.

أحد شوارع حي بستان الباشا في مدينة حلب، أيار 2025.
أحد شوارع حي بستان الباشا في مدينة حلب، أيار 2025.

يتقاسم بشار وصقر وإبراهيم المصير ذاته مع آلاف المدنيين من أبناء حلب، الذين أجبرهم نظام الأسد على ترك ممتلكاتهم ومغادرة مدينتهم قسراً. فقد انتهج نظام الأسد سياسة التخريب الممنهج لمنازل المهجّرين في مختلف أحياء المدينة، كنوع من العقاب الجماعي على مواقفهم المعارضة لحكمه، تاركاً وراءه آثاراً عميقة من الدمار.

برزت محاولات محلية إلى جانب جهود البلدية للتعامل مع هذه الأزمة حالياً. مصطفى الشاعر، مسؤول النظافة في بلدية حلب، يروي أن الشكاوى لم تتوقف عن التزايد، وتصل يومياً مئات المناشدات من الأهالي، خاصة من الأحياء الشرقية، التي تعاني من تحول المنازل إلى مكبات للنفايات، إذ تستجيب البلدية بمعدل ثلاث شكاوى يومياً. 

في ظل نقص عدد العمال والآليات المخصصة لنقل النفايات إلى المكبات، مثل مكب شيخ سعيد، اقتصرت جهود بلدية حلب في عملية تنظيف المنازل والعقارات على إزالة النفايات المتراكمة فقط. أما الركام والردم بقي عبئاً إضافياً يتحمل المدنيون مسؤولية إزالته قبل أن تتدخل البلدية. وبحسب مصطفى الشاعر، مسؤول النظافة في بلدية حلب، فإن البلدية تبذل جهوداً مضاعفة لزيادة عدد الحاويات في الشوارع والأحياء الشعبية بهدف التخفيف من حجم النفايات المتناثرة في المدينة.

يقول عبد السلام راعي، المسؤول الميداني في مؤسسة “إيكلين” المتخصصة في مجال البيئة النظيفة: “نستجيب يومياً لعدة شكاوى من أحياء متعددة مثل بستان الباشا والميدان والفردوس، وذلك وفق الإمكانيات المتاحة لدينا”.

وصل عدد الشكاوى المقدمة من الأهالي المطالبين بترحيل النفايات من محالهم التجارية إلى نحو 700 حالة، تم الاستجابة لـ 63 منها فقط. وحول الشكاوى الأخرى، قال عبد السلام راعي: “لم نستطع الوصول إلى باقي الحالات بسبب قدم المعدات وتهالكها، إذ إنها بحاجة إلى صيانة لذلك يضطر المدنيون إلى ترحيل النفايات على نفقاتهم الشخصية”.

يواجه كل من مجلس بلدية حلب ومؤسسة “إيكلين” تحديات كبيرة في ترحيل النفايات عن أحياء المدينة بسبب نقص حاد في المعدات والكوادر البشرية، إضافة إلى قلة الحاويات المخصصة لجمع النفايات. في الوقت الذي تحتاج فيه المدينة إلى نحو أربعة آلاف حاوية، لا يتوفر لديها سوى أقل من ألف حاوية. وقدمت منظمة “UN HABITAT” اليابانية حوالي 215 حاوية لدعم المجلس البلدي، بينما تسعى منظمة “رحمة بلا حدود” لتوفير الوقود جزئياً. ومع ذلك، يبقى الاحتياج قائماً ويشكل تحدياً مستمراً أمام الجهات المعنية.

عملية ترحيل النفايات في شلل شبه تام نتيجة عدم تسديد المستحقات المالية المتراكمة للمتعهد الوحيد المسؤول عن نقلها من مكب الشيخ سعيد إلى مكب تل الضمان، ما أدى إلى توقف أعمال النقل عند المرحلة الأولى. هذا التوقف تسبب بتكدس النفايات في مكبات غير مهيأة، ما فاقم التلوث البيئي في المنطقة، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة واقتراب فصل الصيف.

أحد شوارع حي بستان الباشا في مدينة حلب، أيار 2025.
أحد شوارع حي بستان الباشا في مدينة حلب، أيار 2025.

ويحذر عبد السلام من انهيار منظومة جمع النفايات، قائلاً: “أضع يدي على قلبي كل صباح عند فحص السيارات، فمعظمها متهالك ويحتاج إلى صيانة عاجلة”. في ظل هذا الواقع، تبدو البنية التحتية للخدمة على وشك الانهيار ما لم تُحل أزمة التمويل المتراكمة منذ عهد الإدارة السابقة في حكومة نظام الأسد.

في محاولة لإحياء ما تبقّى من أمل في مدينة أنهكتها الحرب والتهميش، أُطلقت من حلب مبادرة محلية تحت عنوان “الوفاء لحلب”، بوصفها حملة “شعبية بامتياز” كما تصفها عتاب ضيفان، منسقة في الحملة، وتهدف إلى تحسين الواقع المعيشي والخدمي، مع التركيز على تعزيز السلم الأهلي والاندماج المجتمعي في المدينة المنقسمة بين شرق مهمّش وغرب مزدهر. تتم الحملة بالتنسيق مع البلديات ومؤسسات حكومية وغرف الصناعة والتجارة والنقابات، فيما يبقى باب المشاركة مفتوحًا أمام جميع سكان حلب، بحسب القائمين عليها.

يتطلع القائمون على الحملة إلى التعاون مع الفرق التطوعية لدعم قطاع النظافة، لا سيما في الأحياء الشرقية من المدينة، إذ تراكمت النفايات في مشهد يعكس الإهمال المزمن. وتحوّلت الأبنية المهدمة إلى مكبات عشوائية تفتقر لأدنى مقومات الحياة، في مقابل صورة مغايرة تماماً في أحياء حلب الغربية التي تنبض بالبنية التحتية والخدمات.

عودة الأهالي إلى أحيائهم في حلب الشرقية اصطدم بواقع خدمي متردٍ، يعكس حجم التحديات التي ما تزال قائمة في هذه المناطق بعد سنوات من التهجير.