فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

أفاعٍ وحشرات سامة بين ركام المنازل ولا مصول تنقذ المصابين في ريف إدلب

حسن كنهر الحسين

بُعد المراكز الصحية وعدم توفر الأمصال السامة يزيد من خطر الأفاعي والحشرات السامة التي زادت أعدادها في ريف إدلب الجنوبي

أمضى، الستيني عمر الحمود، نحو نصف ساعة قبل أن يعثر عليه شخص يعمل بجوار حقله في كفرنبل بريف إدلب الجنوبي مرمياً على الأرض، إثر تعرّضه للدغة أفعى، ويسعفه إلى أقرب مركز صحي يبعد عن المدينة نحو عشر كيلومترات.

الحظّ هو من أبقى على حياة الحمود الذي “شارف على الموت” بعد تعرضه للدغة أفعى خلال تقليم أشجار حقله، يقول “بعد إصابتي شعرت بدوران وتعرق، رافقه تسرّع في ضربات القلب وألم شديد وحرقة موضع اللدغة”.

عدم قدرة الحمود على القيام بالإسعافات الأولية، إذ لم يستطع، على حد قوله، ربط مكان اللدغة وإحداث جرح لمص السم وقذفه خارج جسمه منعاً من انتشاره، كذلك خلوّ المكان من المقيمين لمساعدته، زاد الأمر سوءاً.

رياض القدور، ثلاثيني يعمل بإزالة الركام من المنازل المهدمة في كفرنبل، كتب له النجاة بعد تعرضه للدغة أفعى خلال عمله، يقول إن “اللدغة لم تكن سامة وإن أصدقاءه نقلوه إلى مركز صحي لتلقي العلاج”. “لا يكاد يخلو بيت من البيوت المهدّمة التي تحتاج أنقاضها لإزالة من ثعبان أو حشرة سامة”، يضيف القدور الذي تحدث عن عمله وأقرانه ووجوب اتخاذ تدابير الحيطة والحذر في كل لحظة، واصفاً وجود “الأفاعي والحشرات السامة بالخطر الذي دفع عمال للإقلاع عن الاستمرار بعملهم”.

تتبع غرف أخبار محلية في ريف إدلب الجنوبي، يظهر تعرّض سبعة أشخاص للدغة أفعى خلال شهر نيسان فقط، طفلين وثلاثة عمال في ورش نقل الركام، و مزارعَين ضمن حقولهم الزراعية، إضافة لأحمد النهار (45 عاماً) في مدينة كفرنبل، تعرض للدغة أفعى يوم أمس في مدينة كفرنبل.

كثرة الحالات التي تعرّضت للدغات من الأفاعي أو الحشرات السامة، وشهادة عاملين بإزالة الأنقاض وورش البناء والحقول الزراعية، توضح زيادة كبيرة في أعدادها، ما يثير قلق سكان عادوا إلى ريف إدلب الجنوبي أو الراغبين بالعودة.

يرجع من تحدثنا معهم، زيادة عدد الأفاعي والحشرات السامة، إلى تحول بلدات ريف إدلب الجنوبي إلى أنقاض بعد تدميرها خلال السنوات الماضية وتهجير سكانها منها، ما ساهم في زيادة عدد القوارض التي تعدّ غذاء أساسياً للزواحف التي وجدت في هذه المنازل والأراضي الزراعية، غير المخدمة، التي نمت الأعشاب فيها دون حراثتها، مكاناً لوجودها وتكاثرها.

تقدّر دراسة صادرة عن جمعية حماية الحياة البرية في الشرق الأوسط (2023)،  زيادة أعداد الأفاعي، بنسبة 40%، في بعض المناطق القاحلة شمالي سوريا، خاصة في الأبنية المهجورة والحدائق المتروكة.

يشرح عماد المنصور، مختص بيئي، سبب زيادة نسبة الأفاعي وبعض الكائنات المماثلة في ريف إدلب الجنوبي  بـ “تهجير السكان وتركهم لمنازلهم وأراضيهم الزراعية لفترة طويلة ما أدى إلى تحوّلها إلى بيئة طبيعية ملائمة لتكاثر الأفاعي والعقارب. إذ تحولت معظم المنازل إلى أكوام من الدمار، و الأراضي الزراعية التي بقيت دون حراثة لأكثر من ست سنوات إلى بؤرة لتلك الأفاعي بعد قطع أشجارها ونمو الأعشاب والأشواك فيها بطول تجاوز أحياناً متراً ونصف متر”.

يقول المنصور “عزز من وجود  تلك الزواحف انتشار القوارض لا سيما الفئران التي تكاثرت بشكل كبير ضمن تلك المناطق، وباتت تتغذى على جذور أشجار التين مخلفة ثقوباً في الأراضي الزراعية، وهو ما ضاعف من أعداد الثعابين التي تجد في الفئران وجبة مفضلة”.

أساليب بدائية لجأ إليها عائدون إلى ريف إدلب لحماية أنفسهم وعائلاتهم من الزواحف، لكنها لم تفِ بالغرض مع كثرة أعدادها. يقول ماهر العباس، من بلدة الجدار بريف إدلب الجنوبي، إنه بنى خيمة بالقرب من منزله المدّمر في القرية بعد عودته إليها منذ شهر ونصف الشهر، ريثما يستطيع ترميم منزله، لكنه فوجئ بكثرة أعداد الأفاعي والحشرات السامة.

أحاط العباس خيمته بـ “القطران والفوم المطحون”، وهو أسلوب متبع لطرد الزواحف، لكن ذلك لم يفلح، إذ قتل منذ عودته “ست أفاعي، اثنتان منها داخل الخيمة، إحداهما كانت بجوار طفله الذي لم يتجاوز الثانية من عمره”، مرجعاً السبب لكثرة أعدادها، وهو ما يحتاج، على حد قوله، إلى تدخل حكومي ومنظماتي لإيجاد حلّ جذري لوجود هذه الزواحف، خاصة وأن بلدته تخلو من وجود مركز طبي، مثل معظم القرى في الريف الجنوبي لإدلب.

يقتصر وجود المراكز الصحية الخدمية في ريف إدلب الجنوبي على نقاط طبية متنقلة بين القرى والبلدات، تعتمد على ممرضين من أبنائها يقدمون الإسعافات الأولية، حسب ما يتوفر من أدوية وأجهزة، ومن ثمّ، تحويل المرضى إلى المراكز الصحية والمستشفيات القريبة.

ولا تمتلك النقاط الطبية المتنقلة أو المراكز الصحية أيّ مصل لعلاج لدغات الأفاعي والحشرات السامة، يقول الممرض إبراهيم الشيخ، العامل في إحدى النقاط الطبية، إن ما يقدّمونه للمصابين باللدغات إسعافات أولية تتمثل بـ “تعقيم مكان الإصابة وحقن الملدوغ بحقنة كزاز، في حال لم يحقن بها سابقاً، وبعض المضادات الحيوية ومسكنات الألم”.

يضيف الشيخ، إنه “في حال ترافق مكان اللدغة بتورم أو أعراض مرافقة للمرض تدلّ على سميتها، نقوم بتهدئة المريض وإحالته إلى مستشفى خاص تتوافر فيها مصول مضادة للسموم”.

ترجع دائرة الرعاية الأولية في مديرية صحة إدلب، غياب النقاط الطبية الإسعافية في مناطق ريف إدلب الجنوبي إلى غياب الدعم، ما دفعهم  للاستعاضة عنها بـ “خمس عشرة نقطة طبية متنقلة تعمل على تقديم الخدمة الطبية للمنطقة الجنوبية والجنوبية الشرقية المتمثلة بمنطقة معرة النعمان وريفها وخان شيخون وسراقب”.

سواء في النقاط الطبية المتنقلة أو المستشفيات العامة، يقتصر علاج لدغة الأفاعي والحشرات السامة على الإسعافات الأولية، إذ لا يتوفر، بحسب الدكتور جمعة اليسوف مدير الرعاية الأولية في مديرية الصحة، المصل المضاد لها سوى ضمن “مستشفيات خاصة” في الشمال السوري.

يعِد الدكتور اليسوف، إنه، وخلال الفترة القادمة، ستنشئ المديرية “مركزاً لداء الكلب في محافظة إدلب تتوفّر فيه مضادات السموم كافة، بما فيها مصل داء الكلب والأفاعي والعقارب وغيرها من السموم”.

يفرّق الأهالي بين نوعين من الأفاعي في ريف إدلب الجنوبي، سامّة تخرج ليلاً وتقتصر لدغتها على علامات لـ نابين ترافقها تورم واضطراب في وظائف الجسم الحيوية في موضع اللدغة، وأخرى غير سامة، تظهر نهاراً، وتترك لدغتها علامات لأكثر من نابين في المنطقة المصابة”.

خطر انتشار الأفاعي والقوارض يزيد من قلق سكان ريف إدلب الجنوبي على حياتهم وحياة أبنائهم، مع محدودية الوصول إلى العلاج الغائب، سوى في مستشفيات خاصة تبعد عشرات الكيلومترات، وغياب حلول مكافحتها وتنظيف وإزالة الركّام والأنقاض الذي يسّهل وجودها وتكاثرها.