يواجه محمد غريبي، 26 عاماً، طالبٌ في كلية طب الأسنان بجامعة حلب الحرة في مدينة أعزاز، صعوبةً في تسديد قسطه الدراسي لهذا العام. يساعده والده بتأمين جزء من المبلغ، بينما يضطر إلى الاستدانة لتغطية الباقي وسداد رسوم السنة الخامسة.
يقول: “تصل الرسوم السنوية في كلية طب الأسنان إلى 500 دولاراً، ودخل والدي المحدود لا يسمح بتسديد كامل المبلغ عني، كما أن الدوام طيلة أيام الأسبوع يمنعني من الجمع بين الدراسة والعمل”.
يرى العديد من طلاب وطالبات جامعة حلب الحرة، على غرار محمد، أن إلزامهم بدفع أقساط سنوية (مرتفعة) يشكّل عبئاً يصفونه بـ “غير العادل” مقارنةً بطلبة الجامعات الحكومية الأخرى في مختلف المحافظات السورية.
ويُجمع معظمهم على أن الأوضاع المعيشية والاقتصادية السيئة إلى جانب ظروف النزوح والتهجير، تجعل من تأمين هذه الأقساط أمراً بالغ الصعوبة، في ظل عدم قدرتهم على توفير المبالغ المطلوبة لمتابعة تعليمهم الجامعي.

يطالب محمد ومئات الطلبة في جامعة حلب الحرة وزارة التعليم العالي بتخفيض الرسوم الجامعية ومقاربتها مع رسوم الجامعات الحكومية الأخرى، لتخفيف الأعباء عن كاهل الطلاب، جاءت هذه المطالب عقب وقفة احتجاجية نظمها الطلبة، يوم الإثنين 28 نيسان الفائت، داخل حرم الجامعة، للتعبير عن شكواهم في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
لم يتمكن عمار، 22 عاماً، طالب السنة الرابعة في كلية الهندسة المعلوماتية بجامعة حلب الحرة، من الحصول على وثائقه الرسمية بسبب عجزه عن دفع الرسوم البالغة 250 دولاراً، ما اضطره إلى اقتراض المبلغ لاستكمال بياناته، فضلاً عن تحمّله تكاليف إيجار المسكن في أعزاز، مع عجزه عن العمل بسبب الحضور الإلزامي في تخصصه.
مطالب تخفيض الرسوم
خلال الوقفة الاحتجاجية التي نظمها طلاب جامعة حلب الحرة، رفع المشاركون لافتات تطالب وزارة التعليم العالي بتحمل مسؤولياتها، وتخفيض الأقساط إلى النصف أسوة بالجامعات الحكومية، مع الدعوة لإصلاح السياسة المالية وضمان شفافية الموارد.
وعبّر آخرون عن استيائهم بعبارات مثل: “التعليم مش سلعة”، و”جامعتنا سورية وليست سويسرية”، رفضاً لما وصفوه بتحويل الطالب إلى مشروع استثماري.
شارك أحمد الخطيب، 20 عاماً، طالبٌ في قسم الجغرافيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة حلب الحرة في الوقفة الاحتجاجية. يقول إنه اضطر للعمل على حساب دراسته لتأمين 50 دولاراً فقط من القسط السنوي، وهو ما يعادل ثلث المبلغ المطلوب، الذي ما يزال مطالباً باستكماله في أقرب وقت. ويؤكد أن أجور العمل المتدنية لا تكفي لتغطية احتياجات الحياة الأساسية، ناهيك عن أقساط الجامعة ومصاريف النقل والدراسة.

تتراوح الرسوم السنوية في كليات ومعاهد جامعة حلب الحرة بين 150 و 700 دولاراً، بحسب التخصص، بينما لا تتجاوز الرسوم السنوية في الجامعات الحكومية التي كانت تحت سيطرة نظام الأسد 10 دولارات، وفق مسؤول مكتب الطلبة في جامعة حلب الحرة هاني برجس.
يقول برجس إن الطلاب طالبوا، خلال الوقفة الاحتجاجية، بحسم مالي يصل إلى 50 بالمئة من الرسوم السنوية مؤكداً أنها ستبقى فوق استطاعتهم المادية.
تضاعفت أعباء الطلاب المادية بعد سقوط نظام الأسد وعودة العديد منهم إلى مناطقهم، ما زاد من الحاجة إلى مصاريف البناء والترميم لضمان الاستقرار. يشير برجس إلى أن معظم عائلات الطلاب لا تمتلك موارد مالية كافية لتغطية نفقات دراستهم، ما يجعلهم بأمس الحاجة للدعم و تخفيض أقساط الدراسة.
من بين الجهود التي بذلها مكتب الطلبة في جامعة حلب، ذكر برجس تقديم عدة مقترحات وحلول إلى رئاسة الجامعة، أبرزها طلب حسم نسبة من القسط الدراسي للتخفيف عن الطلاب. ورغم ذلك، لم يتلق الطلاب أي استجابة من إدارة الجامعة، كما لم يتم تنفيذ أي من تلك المقترحات. في المقابل، تلقوا وعودًا شفهية من وزارة التعليم العالي بالحسم، لكن تلك الوعود لم تُترجم إلى أفعال على أرض الواقع.
وكانت جامعة حلب الحرة قد أصدرت في 27 من نيسان الفائت تعميماً يقضي بتمديد فترة استكمال إجراءات التسجيل حتى 29 أيار الجاري، عملاً بالقرار الصادر عن وزارة التعليم العالي في الحكومة السورية (رقم 150)، مراعاةً لظروف الطلاب، الذين لم يستكملوا إجراءات التسجيل ودفع الرسوم، إلا أن الطلاب اعتبروا أن قرار الجامعة غير كافي.
غياب الكلفة التشغيلية
برر رئيس جامعة حلب الحرة، الدكتور أحمد بكار، عدم تخفيض الرسوم الجامعية بشكل مباشر لأسباب مالية وتشغيلية تتعلق بضمان استمرارية العملية التعليمية، وأكد أن تحديد الرسوم لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة لدراسة مالية دقيقة ورؤية استراتيجية لمسيرة الجامعة منذ تأسيسها. أضاف، أن الرسوم تم تحديدها بناءً على مفاضلة أصدرتها وزارة التعليم العالي مع الأخذ بالاعتبار، الغلاء المعيشي والأوضاع الاقتصادية العامة.

من بين النفقات التشغيلية المرتفعة التي تتحملها الجامعة، تبرز رواتب أعضاء هيئة التدريس والموظفين الإداريين، إلى جانب المصروفات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والمحروقات، فضلاً عن تكاليف الصيانة المستمرة. كما تشمل النفقات تجهيز المخابر و القاعات الدراسية بالأدوات والمعدات الضرورية لضمان بيئة تعليمية متطورة للطلاب، وفق البكار.
ويضيف البكار أن عدم وجود اعتماد مالي من الحكومة السورية المؤقتة سابقاً أو أي جهة حكومية تقدم دعماً مباشراً للجامعة جعل من أقساط الطلاب المصدر الأساسي لتغطية النفقات التشغيلية.
موضحاً أن نسبة التحصيل المالي لم تتجاوز في أي وقت أكثر من 70 بالمئة من إجمالي أعداد الطلاب، ما يعني أن هناك دائماً جزء من الرسوم غير محصل. وعليه فإن تخفيض الرسوم في الوقت الحالي قد يهدد قدرة الجامعة على استمرار العملية التعليمية بشكل مستدام.
“غياب الاعتماد المالي من قبل وزارة التعليم العالي في الحكومة المؤقتة سابقاً والحكومة الجديدة حالياً جعل الجامعة تعتمد كلياً على الرسوم لتأمين الحد الأدنى من نفقاتها التشغيلية” يقول البكار.
تسهيلات جامعية بإمكانيات محدودة
رغم ضعف الإمكانيات، تواصل جامعة حلب الحرة، التي أُسست بقرار من الحكومة السورية المؤقتة عام 2015، تقديم تسهيلات لطلابها في ما يتعلق بدفع الرسوم الجامعية.
يؤكد البكار أن الجامعة تسعى لتحقيق توازن بين العدالة الأكاديمية والواقع المعيشي للطلبة، إذ تتيح دفع الأقساط على مراحل خلال العام الدراسي، ما يخفف العبء المالي عنهم، وتعتمد مرونة ملحوظة في التعامل مع المتعثرين، فلا يُمنع أي طالب من التقدّم للامتحانات، احتراماً لظروفهم.
يشير البكار إلى أن الجامعة تمنح حسماً، خاصة لفئات محددة، تشمل أبناء وزوجات الشهداء والمعتقلين، وتقدم تسهيلات للطلاب من ذوي الإعاقة. وتسعى الجامعة أيضاً إلى تأمين دعم إضافي للطلبة الأشد حاجة، من خلال التنسيق مع منظمات محلية وجمعيات خيرية تُعنى بدعم التعليم، بهدف تغطية جزء من الرسوم للمهجّرين والطلاب الذين يعيشون أوضاعاً اقتصادية صعبة.

وأُنشئ صندوق دعم طلابي يقوم على التكافل بين الكادر التدريسي والموظفين عبر تبرعات شهرية يُخصص لمساعدة الطلاب الأكثر حاجة في تسديد الأقساط الجامعية.
الاعتماد المالي هو الحل
يرى البكار أن الحل الجذري والعادل يكمن في تخصيص اعتماد مالي رسمي ودوري من قبل الحكومة أو وزارة التعليم العالي، يمكّن الجامعة من تخفيف الأعباء المالية عن الطلبة، ويضمن في الوقت ذاته استمرارية العمل الأكاديمي والمؤسسي دون انقطاع. ويؤكد أن أي تخفيض مباشر للرسوم دون مراعاة الواقع المالي للمؤسسة قد يؤدي إلى إعاقة العملية التعليمية.
في ظل غياب الدعم الحكومي واستمرار الأزمة الاقتصادية، يجد طلاب جامعة حلب الحرة أنفسهم عالقين بين رسوم تثقل كاهلهم إذ تتشابه ظروف معظم الطلاب الذين تحدثنا إليهم مع ظروف محمد وعمار وأحمد الذين يعانون من أعباء مالية ثقيلة رغم أنهم يدرسون في جامعة حكومية.
