فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

ذاكرة حسيبة عبد الرحمن.. ضدّ الظلم والنسيان

رؤى القصير

من زنزانة الاعتقال إلى صفحات “السماق المرّ”، حسيبة عبد الرحمن تكتب لتتذكّر وتُذكّر

من صورة بيت العائلة القديم إلى عتمة الزنازين، ومن دفء الأسرة إلى تهديدات الأمن، ما تزال ذاكرة الكاتبة والمناضلة السورية حسيبة عبد الرحمن محتفظة بتفاصيل حياة لم تكن عادية، فكان قلمها ملاذًا وحيدًا لرواية القصة في زمن كان فيه الكلام تهمة.

منزل الكاتبة السورية حسيبة عبد الرحمن، دمشق، كفرسوسة، نيسان 2025-تصوير: رؤى القصير
منزل الكاتبة السورية حسيبة عبد الرحمن، دمشق، كفرسوسة، نيسان 2025- تصوير: رؤى القصير

في حديثها عقب حفل توقيع روايتها التي حملت اسم “السماق المرّ”، تعود حسيبة المولودة سنة 1956 إلى الطفولة الأولى في بساتين كفرسوسة: “ما تزال صورة باب البيت المفتوح دائمًا في رأسي”. تتحدث عن بيت العائلة، وجلسات اللعب بالطاولة، والنهر القريب، قبل أن تغيّبها مخططات التنظيم والخرائط الجديدة للمدينة. تلك الصدمة كانت واحدة من سلسلة صدمات عاشتها لاحقًا.

لم تتوقف حكاياتها عند البيت والمدينة، وما تزال ذاكرتها مرتبطة بأحداث تخص نضال النساء، ففي عام 1978، بدأت حملة اعتقالات طاولت نساءً بشكل غير مسبوق، من بينهن رفيقات لحسيبة، أفرج عن بعضهن بعد عامين. تقول: “كانت معنا، جميلة البطش، اعتُقِلت بتهمة الانتماء لفصيل مسلح، أُعدم خمسة من رفاقها، وحُكم عليها بالحبس 15 عامًا بعد أن كانت محكومة بالسجن المؤبد”.

وقد غير اعتقال النساء المشهد السياسي والاجتماعي، لكنه لم يغيّر نظرة المجتمع بشكل كافٍ. تضيف: “لو لم تكن بعض الأسر منفتحة نسبيًا، لما قُبل ذلك. في السجن كنّا وجوهًا جديدة من بيئات مختلفة، بعضها فقير، وبعضها يميل إلى الثراء، ولعب وجود معتقلات من العائلات المتعلمة دورًا ومرونةً بالتعاطي مع الاعتقال السياسي للنساء”.

أثناء النقاش مع الكاتبة السورية حسيبة عبد الرحمن عن مستقبل سوريا، دمشق، كفرسوسة، نيسان 2025- تصوير: رؤى القصير
أثناء النقاش مع الكاتبة السورية حسيبة عبد الرحمن عن مستقبل سوريا، دمشق، كفرسوسة، نيسان 2025- تصوير: رؤى القصير

ومع مرور الوقت، تصاعد الصراع أكثر، ففي عام 1979 ازداد الصراع بين “النظام والإسلاميين” حسب وصفها، وبلغ القمع ذروته دون تمييز بين نساء ورجال وانتهى الأمر بتدمير طال مدينة حماة. 

منذ ذلك الحين تغيّرت أساليب تعذيب النساء وازدادت حدتها، لتشمل الكرسي الألماني والكهرباء، وحتى الإهانات مثل نزع الحجاب. تخبرنا: “ربما وقعت انتهاكات، لكن لم أسمع باعتداءات جنسية صريحة. التهديد كان موجودًا، وكان كافيًا لتدمير نفسية بعض المعتقلات”.

هدية تذكارية صُنعت يدويًا داخل سجن صيدنايا بتاريخ 18 نيسان 1982، دمشق، كفرسوسة، نيسان 2025- تصوير: رؤى القصير
هدية تذكارية صُنعت يدويًا داخل سجن صيدنايا بتاريخ 18 نيسان 1982، دمشق، كفرسوسة، نيسان 2025- تصوير: رؤى القصير

حين سُئلت حسيبة، إن أصبحت تجربة الاعتقال جزءًا من هويتها، أجابت بلا تردد: “طبعًا. لا أستطيع فصل نفسي عنها. هذا عمري، في النهاية”. تصف حياتها كلها ضمن هذا السياق، كأنها كانت دائمًا في حالة استعداد لأيّ طارئ، وهذا واقع عاشه كل من كان ينتسب لحزب معارض في زمن حافظ الأسد.

بطاقة تهنئة ودرع تكريمي بمناسبة عيد الأم، دمشق، كفرسوسة، نيسان 2025- تصوير: رؤى القصير
بطاقة تهنئة ودرع تكريمي بمناسبة عيد الأم، دمشق، كفرسوسة، نيسان 2025- تصوير: رؤى القصير

حتى بعد الإفراج عنها، لم تنتهِ التحديات. “كنت أُعتقل مرارًا، أعيش في بيت بلا أمان. إذا مرّ شهر دون مداهمة أمنية، كنت أرتاب”. تحوّل البيت إلى ملجأ للكتابة، وكانت الأوراق متنفسها الوحيد. “أمي لم تكن تعرف القراءة، لكنها لم تكن ترمي أي ورقة من أوراقي” تقول حسيبة.

ورغم كل تلك الظروف الصعبة، لم تشعر حسيبة يومًا بالخذلان من أهلها، بل كانوا سندها. والدها كان يبكي في كل زيارة للسجن، وكانت تقاوم دموعها لتمنحه لحظة ضحك. “ارتبطت ذاكرتي السجنية به. بعد وفاته، ساءت الأمور أكثر”. ورثت حسيبة حسّها الساخر من والدتها، كما تقول معتبرة أن قدرتها على التهكم، ربما كانت طريقتها الوحيدة لمواجهة قسوة الواقع، ومقاومة الانهيار.

تجربة حسيبة ليست مجرد قصة عن سجن وتعذيب، بل رواية عن صمود طويل، عن امرأة حملت ذاكرتها في أوراق، وكيسٍ بجانب الباب، تحسبًا لاعتقال قادم.

الكاتبة حسيبة عبد الرحمن توقّع نسخًا من روايتها "السماق المرّ" خلال حفل إطلاقها في مقهى الروضة الشهير وسط العاصمة، دمشق، نيسان 2025- تصوير: رؤى القصير
الكاتبة حسيبة عبد الرحمن توقّع نسخًا من روايتها “السماق المرّ” خلال حفل إطلاقها في مقهى الروضة الشهير وسط العاصمة، دمشق، نيسان 2025- تصوير: رؤى القصير

تمثل شهادة حسيبة عبد الرحمن توثيقًا شخصيًا وتحليليًا لمرحلة مفصلية في تاريخ القمع السياسي في سوريا، من خلال تجربة نسائية في سجون النظام. لم تكن الكتابة بالنسبة لها خيارًا أدبيًا فقط، بل فعل بقاء ومقاومة، وهو ما تجسّد في روايتها “السماق المر” الصادرة حديثًا عن دار نينوى، التي وقّعتها كوثيقة وجزء من محاولتها لاستعادة الصوت وسط الصمت المفروض. فالرواية لم تكن مجرد عمل سردي، بل امتداداً لحياة لم تنفصل يومًا عن تجربة الاعتقال.