“إذا أقبلت بالخير وراها آذار وإن أمحلت وراها آذار”.. مثل يتردد على ألسنة مزارعي ريفي حلب الشمالي والشرقي، في إشارة إلى يباس محاصيلهم، بعد انحباس أمطار آذار، وتراجع نسبة الهطولات المطرية في العام الحالي.
مرّ شهر آذار على المزارعين، ووصلوا إلى نهاية شهر نيسان، مقتربين من مواسم حصاد معظم المحاصيل الزراعية، وما يزال اللون الأخضر غائباً عن مساحات واسعة من الأراضي المزروعة، خلافاً لما جرت عليه العادة، إذ أحرق العطش أوراق النباتات وصبغها باللون الأصفر، في حين حافظت أراض زراعية على لونها الأحمر، إذ لم تصل مواسمها إلى مرحلة إنبات البذور، التي يفترض أنها تعدّتها منذ أكثر من شهرين.
نشرة الهطل المطري التي صدرت في منتصف شهر نيسان الحالي، توضح تراجع نسبة الهطولات السنوية التراكمية، أمطار عام 2025، إلى نحو ثلث ما كانت عليه في ريفي حلب الشمالي والشرقي، إذ سجّلت نسباً متفاوتة تتراوح بين 26 إلى 40%، في الوقت الذي سجّلت فيه نسباً تتراوح بين 97 إلى 115% في العام الماضي 2024، حسب نشرة الهطل المطري الصادرة عن مديرية زراعة حلب التابعة لوزارة الزراعة في الحكومة السورية المؤقتة.

أحمد اليوسف (63 عاماً) مزارع من بلدة تركمان بارح في ريف حلب الشمالي، لم تصل بذور الكمون التي زرعها على مساحة نصف هكتار من أرضه إلى مرحلة الإنبات، يقول “بقيت الأرض بوراً.. وكأني لم أزرعها”. يرجع اليوسف “بوار أرضه” إلى قلة الهطولات المطرية في العام الحالي، إذ انتظر ومزارعون آخرون أمطار أربعينية الشتاء، ثم شباط، فأمطار آذار الإسعافية، وأمطار نيسان (الهدايا) كما يطلقون عليها، لكنها جميعاً لم تف بالغرض في العام الحالي.
يقول اليوسف “يعتمد مزارعو المنطقة على أمطار أربعينية الشتاء الممتدة من 25 كانون الأول وحتى الخامس من شباط، ويطلق عليها الأمطار التأسيسية، لكنها كانت قليلة أو انحبست في مناطق أخرى خلال العام الحالي”. وضع مزارعون أملهم في أمطار آذار الإسعافية، لكنها لم تكن كافية واقتصرت على أمطار متفرقة، بحسب اليوسف.
تبقي أمطار أربعينية الشتاء الأرض رطبة حتى دخول فصل الصيف، تسمى هذه الأمطار بـ “الترا”، وتعتبر مهمة جداً لاستمرار مراحل النمو، بينما تسهم أمطار آذار في نمو الأوراق وتشكل الزهر، إلا أن قلة أمطار الفترتين تسببت بجفاف المحاصيل الزراعية البعلية، وضعف جودة المحاصيل المروية.

ورغم هطول أمطار في الأسبوع الثاني من شهر نيسان التي يصفها المزارعون بـ “أمطار الهدايا”، إلا أنها غير مجدية بالنسبة للمحاصيل البعلية التي تضررت جراء عطشها، وتواجه مشكلة في مرحلة الإزهار مع بدء ارتفاع درجات حرارة الطقس، بينما ساهمت في توفير رية للمحاصيل الزراعية المروية، يضيف اليوسف.
في كل يوم، يزور أبو سالم أرضه المزروعة بمحصول حبة البركة في محيط بلدة دابق بريف حلب الشمالي، يتجول فيها مراراً ذهاباً وإياباً، عله يجد حلاً لمشكلة ري المحصول الذي تظهر عليه أثار عطش واضحة بعد أن بدأت درجات الحرارة بالارتفاع منذ منتصف نيسان.
تصل مساحة أرض أبي سالم إلى هكتارين استأجرهما مقابل 45 دولاراً أمريكياً للدونم الواحد على أن يسدد مبلغ الإيجار على دفعتين، الأولى عند بذار الأرض في أواخر كانون الأول 2024، والثانية تكون عند حصاد المحصول في أواخر حزيران المقبل.
ازدادت مخاوف أبي سالم مع وصول محصول حبة البركة إلى “مرحلة الزهر” في ظل حاجتها الماسة للحصول على رية أو ريتين بغية تحقيق إنتاجية أفضل تمكنه من سداد تكلفة إيجار الأرض لصاحبها، ما دفعه إلى الطلب من صاحب مشروع زراعي مروي يجاور حقل حبة البركة لريها مقابل أجر مالي، إلا أن طلبه قوبل بالرفض لأن صاحب المشروع لديه مساحات زراعية واسعة تحتاج إلى ري متواصل حتى موسم الحصاد.

“نبتة حبة البركة متقزمة خلال نيسان مقارنة مع حجمها الطبيعي في الموسم الماضي، وتحتاج إلى رية لتعبئة أجراسها بالحبوب، لأن العطش سيترك الأجراس فارغة وفي حال امتلأت ستكون ناعمة متجعدة، مما يؤدي إلى نقص وزنها وانخفاض سعرها في السوق في حال وصلت مرحلة الحصاد” يقول أبو سالم.
ويضيف، أنه وضع ما يقارب 600 دولاراً أمريكياً ثمن نصف إيجار، وتكاليف حراثة وبذار وأسمدة، لكن جفاف محصول حبة البركة جراء قلة الهطل المطري يعرضه لخسائر لن تسمح له بتغطية تكاليف إيجار الأرض. لا يختلف حال أبو سالم، واليوسف عن حال شريحة واسعة من مزارعين يعتمدون على الزراعة البعلية في أرياف حلب، بعد أن تراجعت الهطولات المطرية وتوقفت الأودية السيلية وأقنية الري.
المزروعات المروية كانت أقل تضرراً، لكنها هي الأخرى تأثرت بالأسباب السابقة، إذ يعتبر العام الحالي “الأشد جفافاً”، حتى في الآبار الارتوازية التي نزحت مياه قسم منها ما اضطر مزارعون لحفر آبار بحرية أكثر عمقاَ. مع ذلك، تبقى مياه الأمطار ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، لأن الري الاصطناعي لا يغطي حاجة الأراضي الكاملة، ولأن الأمطار تعدل المناخ بالكامل، وهو ما لا يمكن تحقيقه بالري الاصطناعي.
يقول المهندس الزراعي، قيس حلاوة، إن حاجة المزروعات المروية والبعلية للأمطار ضرورية ولا يمكن الاستغناء عنها، لأنها تغطي مساحات واسعة ولا ترتبط بحجم ووقت محدد، كما أن الري، في طبيعة الحال، يحتاج إلى تكلفة تشغيلية متكاملة للسقاية ما يحمل المزارع أعباء مالية إضافية.

ويضيف، أن المحاصيل الزراعية البعلية أكثر تضرراً جراء أزمة الجفاف وشح الهطل المطري، فـ معظمها لن يصل إلى مرحلة الإنتاج بسبب اصفرارها جراء العطش وتوقف نموها ودخول مرحلة الازهار، مثل الكمون وحبة البركة، والشعير، والقمح، والعدس، والحمص، والفول، بينما المحاصيل الزراعية المروية يمكن أن تصل إلى مراحل الإنتاج لكن بنسب منخفضة مقارنة مع موسم الإنتاج الزراعي الماضي.
ويوضح، أن الزراعة تشكل مصدر معيشة رئيس لسكان مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي، لكن، وبحسب ما شاهده، لن يتمكن المزارع في العام الحالي من تغطية تكاليف زراعته، وتأمين مصدر دخل، وبالتالي سيكون الفلاح أمام ضائقة مالية حادة.
يحتاج المزارعون إلى حلول مستدامة ودعم حكومي ومؤسساتي لزراعة أراضيهم وتعويض خسائرهم، ما يهدّد، في حال عدم توفرها، بهجرهم لأراضيهم، الأمر الذي سيترك آثاره على المواسم الزراعية وارتفاع ثمنها، كذلك زيادة نسبة البطالة التي وصلت إلى أرقام قياسية تجاوزت تسعة أعشار السكان في المنطقة.
