فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مصرف سوريا المركزي.. قرار ضبابي حول ترخيص شركات الصرافة في الشمال السوري

حسين الخطيب

قرار المصرف المركزي، في حال تطبيقه، يجبر مئات مكاتب الصرافة على الإغلاق، ويسلب سوق الحوالات حق المنافسة

أثار قرار مصرف سورية المركزي ردود أفعال متباينة بين العاملين في مجال الصرافة في مناطق الشمال السوري، بسبب ضبابية البنود وعدم تحديد الأعمال المنوطة بالشركات سواءً أكانت كبيرة أم متوسطة أو صغيرة، إضافة إلى شرط إيداع مبلغ مالي يعتبره الصرافون خارج قدراتهم.

وطالب مصرف سورية المركزي شركات ومكاتب الصرافة “بدء إجراءات تراخيص توفيق أوضاعها مع أحكام القوانين والأنظمة السارية على مؤسسات الصرافة المرخصة والمسجلة لدى مفوضية الحكومة والمصرف المركزي”.

ونص قرار المركزي الصادر في 11 أذار الجاري (رقم 199) على “ترخيص شركات ومكاتب الصرافة العاملة في منطقتي ريف حلب الشمالي والشرقي ومحافظة إدلب شمالي سوريا، ضمن مهلة أقصاها شهر تبدأ من تاريخ صدور القرار”، معتبراً، “أن المؤسسات غير الملتزمة بالأحكام والقوانين والأنظمة النافذة تمارس أعمالاً غير قانونية “.

وألزم المصرف الشركات الراغبة بالترخيص “فتح حساب بالدولار الأمريكي في البنك المركزي، باسم المؤسسة، وإيداع مبلغ مليون و250 ألف دولار أمريكي على الأقل”، مقابل منحها ترخيصاً مبدئياً لمزاولة أعمالها وتقديم خدماتها أصولاً، على أن تنتهي فاعلية الترخيص عند منحها الترخيص النهائي من قبل مجلس النقد والتسليف، مع ضرورة الالتزام بالأحكام والقرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس النقد والتسليف ومصرف سوريا المركزي.

حدّدت وثائق صادرة عن المصرف المركزي، اطلع عليها فوكس حلب، شروطاً أخرى للترخيص فيما يخص عقارات الشركة، إذ ألزم الراغبين بالترخيص بأن يكون العقار “مطلاً على شارع عام، وفي الطابق الأول أو الأرضي حصرًا، وألا تقل مساحته عن 30 متراً بالنسبة لشركات الصرافة الرئيسة، و20 متراً على الأقل لكل من مقرات ومكاتب الصرافة وفروع شركات الصرافة، و10 متراً مربعاً على الأقل لمقرات الوكلاء التابعة للشركات”.

شركات ومكاتب الصرافة في ريفي حلب الشمالي والشرقي، والتي كانت تتبع للحكومة السورية المؤقتة، قبل سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول الماضي، كانت تعمل دون تراخيص ناظمة. أما في إدلب، وخلال تبعية المنطقة لحكومة الإنقاذ، فقد حددت الحكومة عام 2020 شروطاً لترخيص شركات ومكاتب الصرافة العاملة ضمن مناطقها.

وقسّمت حكومة الإنقاذ، آنذاك، عمل الشركات إلى ثلاث فئات: اشترطت على الفئة الأولى دفع مبلغ تأمين 100 ألف دولار أمريكي، مقابل فتح خمسة فروع والعمل في ثلاث مجالات الصرافة والحوالات والشحن.

أما الفئة الثانية، فاشترطت عليها إيداع مبلغ تأمين 25 ألف دولار أمريكي مقابل افتتاح مكتبين فقط ومزاولة أعمال الصرافة والحوالات، واشترطت على الفئة الثالثة، إيداع مبلغ تأمين 12500 دولار أمريكي، لمزاولة أعمال الصرافة فقط.

يقول أحمد نعمة، صاحب شركة صرافة وحوالات مالية في مارع: “إن مكاتب الصرافة والحوالات المالية تتعامل مع أكثر من 30 شركة في الداخل السوري والخارج لاستمرارية عملها في الخدمات، لكن قرارات المصرف المركزي ألزمت الشركات الكبيرة بالتعامل مع 30 وكيلاً أو مكتباً تابعاً لها”.

يصف نعمة آلية الترخيص بـ “الغامضة التي تفتقر لشرح تفصيلي”، ويرى أنه سيخسر اسمه مقابل الحصول على اسم الشركة التي سيرخص عن طريقها، خاصة وأنه لا يستطيع تلبية الشروط المطلوبة من “إيداع مبلغ التأمين”.

وأوضح نعمة، أن قرار ترخيص مكاتب وشركات الصرافة سيدفع مكاتب الصرافة الصغيرة إلى الإغلاق، وبالتالي ستنخفض أعداد شركات الصرافة والحوالات كونها ستكون عبر الشركات الرئيسة، ما يعني غياب المنافسة في أسعار التصريف والحوالات المالية.

يتفق صاحب شركة الماس للصرافة والحوالات المالية في مدينة أعزاز، محمد سقيط، مع نعمة، ويرى: “أن قرار الترخيص بناءً على مبلغ الإيداع المرتفع يتسبب بجعل مهنة الصرافة حكراً على شركات ومكاتب محددة”، واصفاً القرار بـ “الخاطئ والمجحف في بلد ناشئ مثل سوريا، يعتمد معظم سكانه على الحوالات المالية التي تصلهم من أقاربهم”.

ويشرح سقيط مخاوفه بانعكاس آثار القرار السلبية على المواطن، إذ ستتحكم، على حد قوله، شركات قليلة، اثنتين أو ثلاث شركات، بأجور الحوالات المالية وفرق التصريف بين الليرة السورية والعملات الأجنبية، ما سيشكل ضرراً على حياة السكان المعيشية. 

يشبه سقيط القرار بسياسة نظام الأسد التي كانت تمنح عدداً محدوداً من شركات الصرافة تراخيص تمكنها من العمل، وهو ما سبب انتشار عشرات الشركات المخفية بـ “الأسود” والعمل دون تراخيص لعدم قدرتها على دفع مبلغ التأمين، إذ بالكاد “تستطيع شركات الصرافة في الشمال السوري دفع مبلغ 50 ألف دولاراً أمريكياً للترخيص”.

ويوضح سقيط، أن رأس مال شركات الصرافة الكبيرة لا يتجاوز 400 ألف دولار أمريكي، يقلّ هذا المبلغ إلى النصف في الشركات المتوسطة، وهو ما سيحول دون قدرة مئات المكاتب على الترخيص لعدم قدرتهم على دفع مبلغ مليون وربع مليون دولار أمريكي فرضها القرار. يقدّر سقيط عدد مكاتب الصرافة والحوالات في أرياف حلب وإدلب بنحو ألف مكتب، نسبة المرخصين منهم، في حال تطبيق القرار، لن تتجاوز 1%ما يعني إغلاق مئات المكاتب والشركات.

يصف الباحث الاقتصادي، يونس الكريم،  قرار المصرف المركزي بـ “الضبابي من حيث التطبيق”، ويتساءل فيما إن كان “يخص شركات الصرافة والحوالات معًا أم أنه يخص شركات الصرافة فقط؟ لأن من يعمل في الصرافة فقط لن يودع هذا المبلغ، خاصة وأن معظم الشركات في الشمال السوري تجمع بين الصرافة والحوالات المالية”.

يقول يونس الكريم إن القرار لم يحدد فترة استرداد مبلغ الإيداع في البنك، وبالتالي فـ “إن أصحاب الشركات أو المكاتب ليسوا مضطرين لتجميد مبلغ مالي قيمته السوقية تجلب لهم أرباحاً مالية كبيرة في أي استثمار آخر”. مشيراً، إلى “أن المضاربة جزء أساسي من الاقتصاد، إلا أن القرار يحتكرها على فئة معينة، ما يساهم في غسيل الأموال، إذ يستطيع من يملك الأموال من أمراء الحرب ترخيص شركاتهم لإخفاء مصدر الأموال”.

ويرى الكريم أن “القرار سينعكس سلبًا على المواطنين الذين يعتمدون على شركات الصرافة والحوالات بسبب انتشارها الواسع في مختلف بلدان العالم، وسهولة الحصول على الحوالات عبرها، ما سيساهم في تراجع الحركة التجارية، وتعثر النشاط التجاري وزيادة حجم البطالة”.

تعد الحوالات المالية القادمة من السوريين المغتربين في مختلف بلدان العالم، شريان الحياة لعائلات سورية في ظل الظروف اقتصادية ومعيشية تمنعهم من توفير أدنى احتياجاتهم المعيشية، ويضطرون إلى تصريف المبالغ المالية في مكاتب الصرافة لاستخدامها في التداولات اليومية، ما يجعلهم أمام تحديات جديدة من احتكار أسعار الصرف.