تربة حمراء داكنة وخطوط سوداء من حجارة بازلتية ترسم حدوداً تفصل كل بستان عن آخر، هو كل ما تستطيع مشاهدته عند وقوفك على “تل حزارين” بريف إدلب الجنوبي، أما الأشجار التي كانت تغطي عين الناظر فلم يبق منها سوى جذوع يحتاج مشاهدتها إلى كثير من التحديق.
المشهد ذاته، تكرر في الحقول الممتدة على مساحات واسعة من مدينة كفرنبل ومحيطها من قرى وبلدات معرتماتر وجبالا في الجنوب، وحزارين ومعرة الصين في الغرب وحتى حاس وبسقلا شرقاً، إذ غابت أشجار الزيتون التي أكسبت هذه المناطق هوّيتها لقرون مضت.
عمداً، قطعت قوات نظام الأسد، قبل سقوطه في 8 كانون الأول 2024، وخلال سنوات سيطرته، أشجار زيتون ريف إدلب الجنوبي، كما هدّمت منازل أصحابها، كأسلوب عقاب جماعي اعتمدته خلال السنوات الماضية بحق ممتلكات من ثار على حكمهم، ووسيلة لتحصيل مبالغ مالية وتحويل أشجار بساتينهم إلى حطب في المدافئ يباع الطنّ منه بملايين الليرات السورية.
يصف كسار الحسني ما حلّ بأشجار الزيتون بـ “الجريمة”، ويقارنها بفقدان “الولد”، ذلك أن هذه الأشجار مصدر الرزق الوحيد لآلاف المزارعين في المنطقة. والحسني من أسرة امتلكت خلال عقود من الزمن في قضاء كفرنبل بريف إدلب الجنوبي أكبر حقول الزيتون والتين في المنطقة، جدّه “زيدان” كان مضرب المثل لدى أبناء المدينة يستدلّ به عند الحديث عن رعاية الأشجار والعمل الدؤوب، وما تركه لأبنائه وأحفاده بعد موته من حقول تشبه “الحبق” كدلالة على جمالها ووفرتها والعناية بها.
يقول كسار الذي ورث عن جدّه حبه للزراعة وتعلّقه بشجر الزيتون في حقوله إن “مشهد الأشجار المقطوعة في أرضه وقع عليه كالصاعقة”. ويفرّق بين نوعين من الأضرار في حقوله، إذ اختلفت نسبة الضرر بين منطقة وأخرى، فهناك حقول اقتلعت أشجارها من جذورها، دون أي أمل بإعادة إنباتها من جديد، وحقول قطعت الأشجار من قواعدها وبقيت جذورها آملاً أن تعود للحياة من جديد.
قطعة أرض واحدة هي كل ما نجا من حقول كسار، يقول “لم تنج من تلك المجزرة سوى قطعة أرض زيتون أملكها، وتقع في طريشا غربي كفرنبل، وهي منطقة شكلت الحد الفاصل بين جيش النظام وقوات المعارضة المرابطة في بلدة كنصفرة القريبة، لذلك لم تتمكن قوات النظام من الاقتراب منها وقطعها كما حدث للحقول الأخرى”.
يقدّر كسار اعتماداً على ما قال إنها “جولته” في أراض تابعة لريف إدلب الجنوبي حجم الخسارة بـ “الفادح”، إذ قطعت قوات نظام الأسد أشجار معظم حقول المنطقة، بعد سيطرتها عليها وتهجير سكانها نهاية عام 2019، خاصة من الزيتون، إذ نجت أشجار التين من القطع في الغالب “لتدني سعرها في السوق”، ما جعل قوات نظام الأسد تحجم عن قطعها، لكنها لم تنج هي الأخرى من عوامل الطبيعة نتيجة “الإهمال وإصابتها بالأمراض الفطرية وتكاثر جرذان الحقل التي قضمت جذورها وغياب الفلاحة الدورية والمكافحة لأمراضها”.
تزيد مساحة قضاء كفرنبل بالكامل مع القرى التابعة لها عن 229 كيلو متر مربع، منها 130 كيلو متر مربع مشجر بأصناف مختلفة من الأشجار، بحسب المهندس الزراعي خالد الخطيب، المدير السابق للوحدة الإرشادية الزراعية في المدينة. يقدّر الخطيب مساحة حقول الزيتون التي قطعت أشجارها بنحو 90%، أما النسبة المتبقية فنجت لوجودها على خط تماس، وما يزال القسم الأكبر منها اليوم مزروعاً بالألغام ما يحول دون الوصول إليها.
يصف الخطيب الأراضي الزراعية في المنطقة بالأرض “السليخ”، أي الأرض الخالية من الأشجار، والتي يمكن الاستفادة منها بالمزروعات الموسمية، مثل الخضار والبطيخ والحبوب، لكنه بين أن الثقافة الزراعية للمنطقة تعتمد على زراعة الأشجار منذ مئات السنين، وإعادة إحيائها من جديد يواجه صعوبات منها: “ندرة الأصناف الشجرية الملائمة وضعف الإمكانيات المادية والمكننة الزراعية مع طول عمر الإثمار والعطاء للشجرة، والتكاليف المادية المرتفعة”.
ينصح الخطيب المزارعين بزراعة أشجار التين، والعودة للاهتمام بزراعة أشجار الكرمة، التي كانت تنتشر في المنطقة قبل نحو مئة عام خلت، لما تتمتع به شجرة الكرمة من مواصفات تشجع الفلاح على زراعتها، فـ الأوراق والعنب وحتى الحصرم (العنب قبل نضوجه المعروف بطعمه الحامض)، يمكن بيعها والاستفادة منها.

قرر فايز حاج حميدو بيع قطعة أرض زراعية يملكها ليتمكن بثمنها من ترميم منزله بشكل جزئي، وإعادة غرس ما تبقى لديه من أراض قلعت أشجارها، بغراس أخرى جديدة، لكنه في حيرة من أمره هل يعود لزراعة الزيتون مرة أخرى، أم يختار التين كبديل عنه، فـ “التين برأيه أسرع في الإنتاج، وأقل في التكلفة”.
أما أبو علي الزعتور فقد حسم أمره بزراعة التين عوضاً عن زيتونه المقطوع، فاشترى 85 غرسة زرعها في بستانه، يشاركه خالد اليحيى من بلدة بسقلا وعبد الكريم النجار من بلدة حاس، في خياره بزراعة التين، لكنهما لم يتمكنا من البدء بزراعتها بسبب التكلفة المادية الباهظة بالنسبة لهم، فثمن الغرسة الواحدة يبلغ أربعة دولارات تزيد أو تنقص بحسب الصنف، كما يتطلب غرسها أجور حفر وتعشيب وفلاحة وسقاية، وهي مبالغ ليست بحوزتهما اليوم بعد سنوات قضوها في النزوح.
يدور الحديث اليوم بين مزارعي منطقة كفرنبل، حول صنف مهجن من أشجار الزيتون يعرف “بالزيتون القزم” لصغر حجم الشجرة قياساً بالحجم المعروف لها، وينقسم الناس بين مؤيد لفكرة زراعته ومعارض لها، إذ يرى مزارعون فيه مزايا مثل صغر حجم الشجرة (ما يعني قرب المسافة المتروكة بين الأشجار وبالتالي زراعة أعداد أكبر في المساحة ذاتها)، كذلك ما يتمتع به من قصر مدة الإنتاج، والتي يشاع أن الشجرة تطرح موسمها الأول بعد أربع إلى خمس سنوات تقريباً.
ويرى آخرون أن تجربة زراعة صنف جديد من الزيتون مغامرة غير معروفة النتائج، خاصة وأن الزيتون القزم لم يزرع سابقاً في المنطقة ولا يعرف فيما إن كان مناسباً لطبيعة التربة والمناخ، كذلك كميات إنتاجه وهل سيحقق عائداً اقتصادياً جيداً. يميل هؤلاء المزارعون إلى تجربة الزيتون القزم في حقول صغيرة لتجربته قبل الاعتماد عليه، ومراقبة نموه وإنتاجه، لكن ذلك يتطلب منهم الانتظار خمس سنوات ما يزيد الأمر تعقيداً.

المهندس خالد الخطيب يتفق مع الرأي الذي يقول بتجربة زراعة الزيتون القزم في حقول صغيرة، يقول “ربما يتمتع هذا النوع من الزيتون بقصر المدة وبإنتاج جيد، لكن طبيعة المنطقة وندرة المياه فيها قد يحول دون زراعته، إذ يحتاج هذا النوع لكميات كبيرة من المياه لا توفرها معدلات الأمطار في المنطقة بسبب قرب الأشجار من بعضها البعض، ما سيزيد من التكلفة على المزارعين للري”.
ويضيف الخطيب: “تقع منطقة كفرنبل ضمن مناطق الاستقرار الأولى مناخياً، فهي بذلك تناسب زراعة أصناف متعددة من الأشجار مثل اللوزيات والكرز والتفاح والفستق وليس فقط الأصناف التي دأب الفلاح على زراعتها قديماً، وهو ما يمكن أن يكون حلّاً للمزارعين”.
وصولاً إلى قرى وبلدات سهل الغاب، طال منشار قوات نظام الأسد مختلف أنواع الأشجار من زيتون وفاكهة ولوزيات، يقول طراد الحمود، من قرية الحواش، إن معظم القرى والبلدات في أرياف إدلب التي كانت تسيطر عليها قوات النظام قد تعرّضت أشجارها للقطع الجائر. ويضيف الحمود أن المسألة تعدّت القطع لغرض السرقة والبيع فقط، إلى مسألة العقاب الجماعي، إذ قامت هذه القوات بصب مادة “الفيول” على ما تبقى من قواعد أشجاره المقطوعة لإنهاء أي أمل لها بالعودة إلى الحياة.
يفقد ريف إدلب الجنوبي غطاءه الشجري من أحراج وأشجار مثمرة، ويحتاج مزارعوه إلى سنوات لإعادة ما فقدوه، في ظل ظروف معيشية قاسية وتكاليف باهظة، في الوقت الذي لا يملك فيه الفلاح رفاهية انتظار دعم دولي أو محلي ربّما لن يأتي لاستعادة مصدر رزقه الوحيد.
