فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

حديث المصالحة يحرك الشارع.. والناس تقول كلمتها

الغضب هو ما يحوّل هذه الساحات ومتظاهروها وثوارها إلى مكان يستقى منه مآلات ما سيحدث، لا في غرف الاجتماعات التركية الروسية ولا في أروقة النظام ولا مكاتب الفصائل والهيئات السياسية.

برجل واحدة متكئاً على عكازتيه متّشحاً علم ثورته، يشارك مرهف لطوف بمظاهرة في مدينة الأتارب بعد صلاة الجمعة للتنديد بالتقارب التركي مع النظام السوري، يتركنا وهو يحدد موقفه “سأبقى على العهد الذي قطعته ضد الاستبداد والإجرام، يسقط الجميع ويحيا الشعب الحر الأبي”.

البرد شديد في الأيام الماضية من أربعينية شتاء إدلب، المخيمات بلا تدفئة ويعزّ الحصول على لتر وقود، الغلاء فاحش وفرص العمل نادرة، المواسم سيئة، الازدحام شديد في كتل سكنية تصطف مثل علب الكبريت جنباً إلى جنب، ضمت داخلها مهجرون من المناطق السورية كافة، وشكلت فسيفساء مجتمع جديد الرابط بينهم جميعاً الثورة والتهجير، والأهم من ذلك “ولاية الدم”، وذاكرة أسماء أيام “جمعة” مضت بنت وعيهم السياسي وموقفهم مما حدث وسيحدث في كل وقت.

مثل سابق عهدها لم تحتج هذه المظاهرات إلى أكثر من وجودها، التنسيق في أبسط حدوده، والنقاط الحمراء المشتعلة في كل مكان لن تضطرك للبحث عنها، يكفي أن تخرج من المنزل ملتحفاً بعلم يقيك البرد أو لافتة كتبت بخط اليد من ذاكرة تصلح لكل وقت، تجول بنظرك إلى أقرب ساحة في قرية أو بلدة أو مدينة وتترك لقدميك حرية السير.

المصدر -فيسبوك

يقودها “الحراك الشعبي” يقول معتز خطاب أحد منسقي المظاهرات، إذ لا يوجد أي تنسيق مع جهة معينة، هو فقط إخبار ويتكفل ماضي أيام الجمعة بحشد العائدين إلى ميادين ثورتهم التي لا تنتهي، تلك رمزية قضينا فيها كل سنوات الثورة الماضية ولن تتوقف اليوم.

هو “الغضب” من يقود هذا الحراك الشعبي، يختصر أحمد عرابي، مهجر ومتظاهر من مدينة حلب، ما يشعر به، لا يمكن وصف ألم ما عانيناه من قتل وتهجير خلال مسيرة هذه الثورة.

يؤسس الشعور بالغضب ما يمكن تصوره من مستقبل لما يحدث في سوريا، الغضب من التوافق التركي، من مواقف الهيئات السياسية (إئتلافاً وإنقاذاً)، من الموقف العسكري الهزيل والتبعية لقرار لا يكون أصحاب الحق منبعه وبوصلته، دون أن يستشيرهم أحد، ظانين أن الثأر لن يكون وجبة باردة.

الغضب هو ما يحوّل هذه الساحات ومتظاهروها وثوارها إلى مكان يستقى منه مآلات ما سيحدث، لا في غرف الاجتماعات التركية الروسية ولا في أروقة النظام ولا مكاتب الفصائل والهيئات السياسية.

كشف الموقف الأخير من إمكانية التوافق التركي -النظام وتصريحات المسؤولين والرئيس التركي قضية الثورة السورية باعتبارها ورقة بيد ضامنيها وعجّل في الحديث عن حلّ سياسي ليس الثوار، وسنستخدم هذا المصطلح عوضاً عن المعارضة كما طلبوا منا، جزء منه أو أحد أسسه وأركانه، يقول متظاهرون تحدثنا معهم بعد أن تسلل البرد إلى قلوبهم، هذه المرة لم يكن مصدر البرد طقس إدلب في كانون الثاني، البرد اليوم قادم من الحدود ومن خذلان قياداتنا، لكن ما أن يبدأ الهتاف سينتهي كل ذلك وستعود الحرارة إلى قلوب مستحقيها.

يقول يوسف حسين، أمين سر نقابة المحامين الأحرار، إن ما يحدث “رفض شعبي”، في الساحات ثوار من كل المدن السورية فضلوا العيش في الخيام، فقدوا أحباء لهم، عاشوا أشكالاً لا تعد من الموت والحصار، فضلوا ذلك على المصالحة مع نظام الأسد، ذلك لن يكون مقبولاً في أي لحظة، على حدّ قوله.

هي ثورة أخرى، الخيار اليوم بين موتين، واحد بعز وكرامة وآخر بذلّ، ليس هناك تهجير آخر قادم ولا إمكانية للانكسار، وإن كان التقارب التركي مع النظام ليس مستغرباً، وكذلك استخدام الملف السوري كورقة تركية، وفضح المواقف التركية التي سعت لامتصاص الغضب الشعبي، لكن الموقف الشعبي واضح كذلك ولن يستطيع أحد تغييره، بحسب الحسين.
إذن لنعيدها سيرتها الأولى، يقول أبو محمود صقور أحد المتظاهرين، هي رسالة للضامن التركي من أولياء الدم، ابتعدوا بسياساتكم عنا، لسنا معنيين بذلك.

هو رفض للتطبيع والمصالحة، يقول عمر بيسكي من مظاهرة في قباسين بريف حلب. تنديد بالتصريحات التركية على دعوات المصالحة وتعويم النظام، بحسب عبد الله قصير من مظاهرة الدانا بريف إدلب، ورداً على إمكانية التوافق التركي ورسالة إلى العالم كله، شعوباً ودولاً وحكومات بأننا لن نريد المصالحة، بحسب محمد زلخا من مدينة عفرين.

يصطدم القرار الشعبي في رفض المصالحة هذه المرة بالفصائل العسكرية والقوى المسيطرة على الأرض والهيئات السياسية التي فرضت نفسها ممثلة لهم، ففي مواجهة القرار الواضح بـ “لن نصالح”، والذي رأيناه شعاراً في مختلف المظاهرات التي رصدناها وبلسان جميع من تحدثنا معهم، يدور في الجهة المقابلة محاولات لما يقال إنه “تفهم للقرار التركي” وإن ما يحدث “قرار تركي بسيادة تركية وليس السوريين أو مناطق الثورة جزء منه”، وأن الضامن التركي “لن يفرط بحقوق أصحاب الثورة السورية”.

المصدر -فيسبوك

للوقوف على رأي الفصائل العسكرية أجابنا القيادي في الجيش الوطني الفاروق أبو بكر إنه يملك إجابات عن أسئلتنا لكن تعميماً وصله يفيد بمنع التصريح لأي جهة إعلامية إلا عن طريق المتحدث الرسمي باسم الجيش الوطني العميد أيمن شرارة، والذي لم يجب عن أسئلتنا منذ أيام!؟

ولم يقطع شريط الصوت عن قائد هيئة تحرير الشام، أبو محمد الجولاني، كما حدث مع المتظاهر الذي طالب بإعادة السلاح للفصائل وفتح الجبهات، كموقف يؤيد صوت المتظاهرين وأبناء الثورة ويحميه، والذي تعرض فيما بعد للاعتداء من قبل مجهولين!

الجولاني في كلمته المصورة ولقائه مع نشطاء في إدلب منذ أيام تحدث عن “انحراف خطير يمس أهداف الثورة السورية وأن المعركة مع النظام ليست سياسية ولكنه بين الحق والباطل وأن الهيئة أهدت نفسها لأيام عظيمة قادمة فالأرض لأهلها والكلمة لهم وأنه لا خيار إلا لاجتماع الفصائل على كلمة واحدة ومقاتلة النظام”.

لا يطلب من الفصائل العسكرية الكلام، ولن نعيد فتح جراح ما حدث في ٢٠٢٠، يقول من تحدثنا معهم، هي فرصتهم الوحيدة لإثبات أنهم يقفون في صف الثورة السورية أو أن يكونوا أعداء لها شأنهم بذلك شأن المطبعين والمتوافقين والساعين للصلح.

يقول أحمد حسن حزوري من مظاهرة مدينة الباب بريف حلب إن من سيكون مع الاتفاق سنكون ضده أياً كان. ويقول أحمد الإبراهيم من مظاهرة قباسين إنها رسالة لقادة الفصائل بالعودة إلى ساحات القتال للحفاظ على مبادئ الثورة.
ويقول نقيب المحامين الأحرار في حلب إن جميع قيادات الفصائل لا يملكون رفض طلب لتركيا، هي من أوجدتهم وهي من تديرهم، لا يملك هؤلاء حرية القبول أو الرفض.

تمتلك تركيا ملفات مناطق الثورة السورية ليست العسكرية فقط، بل الاقتصادية والسياسية أيضاً، وفرض، في مختلف الأماكن، قيادات موالية ليكونوا أداة طيعة بيدها، بحسب الحسين الذي وصف الهيئات السياسية المعارضة بـ الأجسام الهزيلة البعيدة عن أهداف الشعب وطموحاته، والتي ونشأت بعيداً عن خيار الشعب بأحسن حالاتها”.

المصدر -فيسبوك

لمحمد مكتبي (رئيس مكتب الجاليات) في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة رأي آخر، إذ لا يرى تغيراً في الموقف التركي الميداني والسياسي، ويعتبر أن التقارب التركي مع النظام السوري يأتي ضمن محاولة ترويض نظام الأسد، موضحاً أن تركيا ليست سباقة لهذه المحاولات وإنما هناك دول سبقتها في محاولة ترويض نظام الأسد، وإن كل تلك المحاولات باءت بالفشل لأن نظام الأسد نظام غير قابل للترويض.

ويضيف مكتبي أن ما يجري من تقارب تركي مع النظام السوري لا يعدو كونه مجرد مناورات، وأن ما خلص إليه جاء بعد تأكيد وزير الخارجية جاويش أوغلو في اجتماعه يوم الثلاثاء الماضي مع رئيس الائتلاف سالم المسلط ورئيس هيئة التفاوض بدر جاموس ورئيس الحكومة المؤقتة عبد الرحمن المصطفى بحثت فيه المجريات الأخيرة، وتم التأكيد على العملية السياسية التي لم يخرج الجانب التركي والمجموعة الدولية عنها.

يؤكد مكتبي أن للائتلاف القدرة على القبول والرفض وأن “مطالب الشعب” هو أساس البوصلة، وأن الائتلاف الوطني ليس جزءً من التقارب التركي مع النظام السوري، وأنهم ملتزمون بالحل السياسي الذي وافقت عليه الدول وصدرت به قرارات دولية خاصةً قرار جنيف رقم 1 والقرار 2254.

لن يقبل الائتلاف، بحسب مكتبي، بأي اتفاق أو تفاهم لا يحقق مصالح الشعب، وإنه من السابق لأوانه أن نقول إن تركيا اتفقت مع النظام السوري لأن في نهاية المطاف تركيا دولة وازنة ولها ثقلها في الإقليم والمجتمع الدولي، ونظام الأسد مهلهل ومتهالك وليس لديه ما يقدمه للأتراك ولا لغيرهم، مؤكداً أن إسقاط بشار الأسد وأعوانه أحد الشروط التي لا يمكن التنازل عنها.

أصدر الائتلاف بياناً وتحدث رئيسه بكلمة مصورة، وقف فيها إلى جانب مطالب الثائرين وثوابت الثورة، و “ثمن في الوقت نفسه ما قدمته تركيا للسوريين وأن للدول حقها وقرارها ولنا ثوابتنا الوطنية”، لكن السكان في مناطق الثورة يرون في اليوم أقرب من أي وقت مضى للوقوف إلى جانب قرارهم في عدم الوصاية على القرار الذي اتخذوه، بحسب زياد محمد متظاهر من عفرين، والذي عبر عن رفضه لأي مصالحة فالموت في ساحة الحرية أشرف من الموت في غياهب سجون الأسد، على حد قوله، ذلك لم يكن رأيه وحده بل عبرت عنه ساحات المناطق الثائرة وبيانات باسم أهالي ووجهاء كفرنبل وخان شيخون ونقابة أطباء إدلب الحرة استنكرت الحديث عن مصالحة النظام وأكدت أن معركة الشعب معه معركة وجود.

يبدو أن الغضب الذي يضمن لأبناء الثورة السورية مكانهم ووجودهم لا يصيب بالعدوى هيئاتهم السياسية والعسكرية، وحتى يثبت العكس ما تزال الدعوات للمظاهرات تجد آذاناً مصغية وأقداماً تتحرك إلى الساحات وأصواتاً لا يمكن إسكاتها.

مقال بقلم

محمد جميل