فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

علاج نفسي؟ نعم.. لكن أين الأدوية؟

لأسباب معلومة تتزايد أعداد المرضى النفسيين في إدلب، ولأسباب معلومة تتضاءل فرص علاجهم.

فقد ياسر أمه وزوجته واثنين من أطفاله بعد استهداف منزله عام 2013 بغارات طيران النظام السوري على قرية طعوم شمالي إدلب وظل يعاني إثرها لمدة عامين من الانطوائية والعزلة إضافة لاضطرابات النوم والقلق، ثم زار طبيباً نفسياً بعد أن نصحه الأطباء بذلك.

يقول ياسر: “شخّص الطبيب النفسي مرضي بكرب ما بعد الصدمة، ووصف لي مضاد الذهان (أولانزابين) ومضاد الاكتئاب (بروزاك)، وأخبرني أنه اضطر لوصف أدوية مهدئة بديلة لأن الأدوية الخاصة لعلاج حالتي لم تكن متوفرة في الصيدليات في ذلك الوقت، تحسنت حالتي لكني لم أشفَ وما زلت أعاني من حالات انتكاس ما بين الفينة والأخرى”.

يتأثر الكثير من المرضى النفسيين، مثل يـاسـر، بسبب نقص الأدوية النفسية ومحدوديتها في صيدليات إدلب، ويعرقل في أحيان كثيرة الخطة العلاجية التي يضعها الطبيب لمرضاه.

موفق العموري، واحد من ثلاثة أطباء نفسيين فقط موجودين في شمال غرب سوريا، أشرف على حالات كثيرة لمرضى نفسيين منذ بداية الحرب حتى هذه اللحظة، موزعة على أربع عيادات في إدلب وأطمة وسلقين وزردنا، ويزور عيادته حالياً بين 25 إلى 30 مريضاً يومياً، بحسب تقديراته.

تكتظ عيادته التي زرناها بالمرضى بسبب قلة عيادات الأطباء النفسيين في إدلب وكثرة الضغوط النفسية والأمراض الناتجة عن ظروف الحرب، في ظل ندرة الأطباء المختصين.

أبرز الأدوية المفقودة و الأمراض المتأثرة

أكثر الاضطرابات النفسية تأثراً بنقص الأدوية هي الاضطرابات المزاجية والذهانية واضطرابات القلق والنوم، تعالجها جميع الأدوية التابعة إلى زمرة (البنزوديازيبينات) كما يخبرنا الطبيب العموري، وتفتقد صيدليات إدلب إلى عدد كبير من الأدوية التابعة إلى هذه الزمرة مثل دواء (الديازيبام) الذي انقطع لفترة طويلة لكنه بات متوفراً في الوقت الحالي.

ومن الأدوية النفسية المقطوعة، بحسب الصيدلاني علاء طكو، دواء (باروكستين) المعالج لحالات الاكتئاب واضطرابات القلق والوسواس القهري ودواء (زولبيديم) الذي له أثر منوم ومهدئ، إضافة  لـ(سيتالوبرام)، متوفر بقلة في الصيدليات، ويستخدم لعلاج حالات الاكتئاب الحاد والقلق المعمم والوسواس القهري.

تواجه الأطباء النفسيون أيضاً مشكلة نقص أدوية كانت متوفرة في السابق، مما يربك الطبيب المعالج، يقول العموري: “مؤخراً فقدت العديد من الصيدليات أدويةً كنا وصفناها للعديد من المرضى مثل (سيرترالين –فلوفوكسامين ماليات –ديازيبام) وغيرها، وهي أدوية مهمة في علاج الحالات الاكتئابية المزمنة، واضطرابات القلق الناتجة عن الحرب أو سوء المعيشة”.

يتفق جميع الأطباء النفسيين الذين التقيناهم على أن الاضطرابات الشديدة لا يستطيع الطبيب فيها الاستغناء عن الأدوية، إذ يصعب عليهم وضع خطة العلاج في ظل ندرة أو انعدام وجود بعض الأدوية النفسية.

مـصطفى، 25 عاماً، بعد وفاة والده بقصف في بلدته بنش شمالي إدلب، وجد نفسه مسؤولاً عن عائلة كاملة، وأصيب باضطراب الاكتئاب المزمن والذي ينتج عنه القلق الحاد واضطرابات النوم والسوداوية.

يقول مصطفى: “في مرحلة من مراحل علاجي وصف لي الطبيب نوعين من الأدوية (اريبيبرازول وفافرين) وبحثت عنهما في جميع صيدليات إدلب ولم أجدهما، لكن في الوقت الحالي بات الـ “فافرين” متوفراً في الأسواق بعد انقطاع فترة طويلة”.

آلية عمل الأدوية النفسية وخطر فقدانها

تختلف آلية عمل الأدوية النفسية ولكنها بالعموم تعمل على إعادة عمل النواقل العصبية بشكل صحيح وموازنة كيمياء الدماغ الذي يختل نتيجة ظروف نفسية ومعيشية صعبة أو نتيجة صدمة مفاجئة أو التعرض لفترات طويلة لظروف نفسية غير مستقرة، كما يوضح الطبيب العموري.

ويضيف أن معظم مضادات الاكتئاب تعمل على تثبيط إعادة التقاط مادة السيروتونين، وهو هرمون مسؤول عن الإحساس بالسعادة يُفرز داخل الدماغ، ومن الأدوية الأكثر وصفاً له (الفليوكسيتين) أما حالات القلق المعمم تعالج بأدوية تساهم في تهدئة أفكار المريض وإعادة توازن مادة الدوبامين في الدماغ كدواء (الأولانزابين).

يشكل انقطاع بعض الأدوية لفترات طويلة ومحدوديتها خطراً على المريض إذا لم تعالج بالأدوية المناسبة، مثل الاضطرابات الذهانية الشديدة والاضطرابات الاكتئابية الشديدة.

بعض الأدوية كان متوفراً وانقطعت فجأة وسبب فقدانها انتكاسات نفسية وتهيِّج وقلق ومشاكل بالنوم لمرضى كثر، وخاصة الأدوية التي يأخذها المريض لفترات طويلة، كما أخبرنا الأطباء النفسيين.

سالم (اسم مستعار) يعيش في أحد مخيمات قاح شمالي إدلب، وكان لفقدان أدويته أثر واضح لما وصلت إليه حالته النفسية، إذ روى لنا قاسم، أحد جيرانه، كيف يتجول سالم في وقت متأخرٍ من الليل في أرجاء المخيم ويصرخ باستمرار وينام في العراء رافضاً النوم في خيمته.

يقول قاسم: “ذات مرة كتب لي على بلور سيارتي عبارات سياسية، فيها مدح للروس لأنه يتوهم نفسه مسؤولاً روسياً، ولولا انتباهي لها قبل مسيري لتعرضت لمأزق على الحواجز في طريقي، كما أنه يشتم كل من يعارضه ويمكن أن يضربه، لذلك نجامله جميعاً”.

لا يعرف قاسم تفاصيل  قصة المريض سوى أنه فقد زوجته وأولاده الذين سافروا إلى تركيا مع أهل الزوجة، وأنه مريض نفسي كانت أحواله جيدة قبل انقطاع دوائه، ثم استبدله له أقاربه بدواء بديل، لكن حالته ازدادت سوء فتوقفوا عن إعطائه له.

ندرة الأدوية تزيد أسعارها وتُصعب صرف الوصفة

يزيد أعباء المرضى غلاء بعض أصناف الأدوية، إذ يصل سعر بعضها إلى 10 دولارت كدواء الـ(كويتيابين) بسبب ندرته في السوق، وهو دواء يستخدم في علاج بعض الحالات الفصامية، كما يتم احتكار بعض أصناف الأدوية الأجنبية لندرتها ما يرفع سعرها أكثر، بحسب أحد ذوي المرضى.

تمتد فترة العلاج بالعقاقير الطبية من ثلاثة أشهر وقد تستمر لسنوات، وبعض الحالات المرضية تحتاج إلى خليط من الأدوية لكي تتم معالجتها بالشكل الصحيح، بحسب الأطباء النفسيين الذين التقيناهم، لذلك تشكل طول المدة الزمنية للعلاج وندرة الأدوية وغلائها أعباءً إضافية تؤثر سلباً على صحة المريض النفسية.

ويواجه المرضى أيضاً مشكلة إيجاد جميع الأدوية المكتوبة في الوصفة الطبية المصروفة من قبل طبيبهم في صيدلية واحدة، إذ إن الوصفة الطبية لا تُصرف إلا لمرة واحدة، وسط تدقيق ومخاوف  نتيجة حساسية الأدوية وإمكانية استخدامها من قبل بعض الأشخاص لأغراض الترفيه عن النفس، بحسب أكثر من مريض التقينا بهم.

أسباب قلة الأدوية

ساهمت المتغيرات السياسية والاضطرابات العسكرية التي تشهدها المنطقة في الحد من وصول الأدوية النفسية إلى منطقة إدلب، ومن ضمن الأسباب الرئيسة لنقصها هو أن مصدرها معامل الأدوية في مناطق النظام ويتأثر توافرها في الشمال السوري بموضوع فتح المعابر أو إغلاقها ولا  يوجد في الشمال السوري معامل تصنيع أدوية نفسية والأصناف الموجودة في المنطقة تستورد من الهند أو تركيا ولا تغطي كافة متطلبات الأمراض النفسية، بحسب الصيدلاني علاء طكو.

في لقائنا مع نقيب الصيادلة في إدلب يحيى نعمة قال: “إن قلة توافر المواد الأولية في معامل الأدوية، والتي تقع جلها في مناطق سيطرة النظام، أدى إلى ندرة وانقطاع بعض الأدوية النفسية، كما أن انقطاع الدعم عن بعض المراكز الصحية أدى إلى تفاقم المشكلة، وتضاعف أسعار أصناف الأدوية النفسية في الصيدليات والمراكز الصحية”.

إلى الآن لا يوجد معامل لإنتاج الأدوية النفسية في الشمال السوري، كما يؤكد نعمة، واستيرادها من دول أجنبية صعب جداً ومُكلف ولا طاقة لمواطني الشمال السوري على شرائه، فيما لا توجد لدى النقابة استطاعة أو خططاً لتعويض الأدوية المفقودة.

مقال بقلم

يوسف بدوي