الصورة تعبيرية - انترنت
الصورة تعبيرية - انترنت

 تفتقد مناطق المعارضة لاختصاص الطب النفسي، إذ لا يوجد سوى طبيب نفسي واحد في تلك المنطقة في حين يتنقل طبيبين آخرين ما بين تركيا وسوريا في الوقت الذي يعاني عشرات المرضى من اضطرابات وأمراض نفسية تسببت بها سنوات الحرب وقسوة الحياة. تعتمد هذه الحالات في غالبها على مراكز صحة نفسية افتتحتها المنظمات الإنسانية، وعلى العيادات النفسية التي تتواجد ضمن المراكز الصحية، وتشرف على هذه المراكز كوادر مدربة غير مختصة، ما يثير العديد من التساؤلات حول إمكانية القيام بدورها بشكل نافع.

الصحة النفسية والطرق المتبعة في العلاج
يقول الطبيب النفسي فؤاد العلي: قد لا يحتاج جميع المرضى الذين يزورون العيادات النفسية أو المراكز للتدخل الدوائي أو النفسي.

وشرح هذه النقطة بمثال عن مئة حالة تعاني من مشاكل نفسية راجعت المراكز للعلاج، نصفها تقتصر مهاناتها على فقدان الحاجات الأساسية من مأكل ومشرب ومأوى، ولو قدمت لها تلك الحاجات لتخلصت من المعاناة دون أي علاج.

أما النصف الأخر فينقسم إلى قسمين بالتساوي: الحالات التي تأثرت نفسياً نتيجة حاجات اجتماعية وأسرية كالبعد عن الأهل أو الحاجة للعلاقات الاجتماعية التي اعتادتها سابقاً ولو تغيرت ظروفها لتخلصت من معاناتها النفسية.

والقسم الآخر للمرضى الذين يحتاجون لخدمات الصحة النفسية، وهذه الخدمات قسمين قسم يكون غير تخصصي، يمكن أن يقوم به غير المختصين المتدربين ويسمى الدعم النفسي الاجتماعي، ويحل ٨٠٪ من هذه الحالات لكونها مشاكل نفسية بسيطة، كالتوتر والأرق، في حين تبقى 20٪ بحاجة لخدمات الصحة النفسية التخصصية والتي تحتاج للعلاج النفسي غير الدوائي ويقوم به مرشدين نفسيين حاصلين على دبلوم سريري، أو العلاج النفسي الدوائي لدى الأطباء النفسيين.

وتفتقر مناطق المعارضة للمرشدين النفسيين الحاصلين على الدبلوم السريري، الذي يؤهل للعلاج النفسي، بحسب العلي، والذي نوه إلى أن العلاج النفسي غير الدوائي ليس من تخصص الطبيب النفسي، إلا إذا اجتهد على نفسه وتدرب عليه خارج تخصصه، مشيراً لأهمية الدبلوم السريري في الإرشاد لأنه يساهم في حل المشاكل النفسية للمرضى دون اللجوء للأدوية.

يعالج الطبيب النفسي الحالات التي تحول له من غير المختصين وبسبب قلة الأطباء المختصين في الطب النفسي، يتم تحويل المرضى لطبيب “رأب الفجوة” وهم أطباء داخلية قاموا بإجراء دورات صحة نفسية تزودوا من خلالها بمنهاج يخولهم وصف الأدوية النفسية، ويرى العلي أن هذه الخطوة إيجابية، إذ رممت بعض النقص من جهة وشجعت المرضى على زيارة الطبيب باعتبار أن البعض يتحرج من زيارة الطبيب النفسي بحكم القناعات الاجتماعية، في حين يكون الأمر أقل إحراجاً بزيارة الاختصاصات الأخرى.

عمل المتدربين ودورهم

تتلقى الكوادر الصحة النفسية تدريباً لمدة خمسة أيام يليه شهر “إشراف”، بحسب ما ذكر لنا بعض المتدربين، حيث يتقن بعضهم مهامه خلال هذه المدة ويعجز آخرون عن ذلك.

يستقبل المتدربون الحالات النفسية، وبعد جلسة حوارية مع المريض يطرحون عليه عدة أسئلة تمكنهم من اكتشاف حالته بحسب الأجوبة التي يقوم المتدرب بناء عيلها بتحويل الحالة للطبيب المختص، أو معالجتها في المركز عبر عدة جلسات نفسية يقدم فيها نصائح بخصوص المعاناة التي يشعر بها المريض.


 

الدعم النفسي بين الأهمية وعدم الجدوى


 

تقول فاطمة “عاملة صحة نفسية” إن أكثر الحالات التي تزور المركز هي حالات القلق وقلة النوم والخوف والحزن والاكتئاب، ويقدم العاملون في المركز نصائح للمرضى بحسب الحالة التي يعانون منها، إضافة لتدريبهم على تمارين التنفس العميق والتي تهدف لإيصال أكبر كمية من الأكسجين للدماغ ما يهدئ النفس ويزيل التوتر، وتمارين الاسترخاء العضلي لإراحة العضلات، وتمارين الاسترخاء الفكري لإراحة التفكير.

الفئات العمرية التي تزور المراكز النفسية

يقول من التقيناهم من العاملين بالصحة النفسية إن أكثر فئة عمرية ترتاد العيادات هي فئة الشباب واليافعين، حيث تبلغ نسبتهم نحو70%، في حين تبلغ نسبة كبار السن والأطفال نحو30%.

وشكلت النساء النسبة الأكبر لعدد المرضى وتقدر نسبتهم بنحو80%، إذ تتأثر المرأة بالصدمات النفسية أكثر من الرجال في حين يرى بعض من التقيناهم أن بعض الرجال من المرضى لكنهم لا يتقبلون فكرة العلاج النفسي.

ويرى العاملون في الصحة النفسية أن أعداد المصابين بأزمات نفسية تزداد عاماً بعد عام، يقول مهيب عامر “عامل صحة نفسية” إنه بدأ العمل بهذا المجال منذ عام 2015، ولاحظ أن الحالات التي ترتاد العيادات النفسية تضاعفت خلال السنوات الأخيرة.

فقدان الأساسيات

يشكل سوء الحالة الاقتصادية العامل الأبرز في صنع الأزمات النفسية، ولا يمكن لمختصي الصحة النفسية معالجة مثل هذه الحالات، فلا يمكن لجائع أو لباحث عن مأوى أن يرتاح دون تخليصه من المسبب الرئيس لمشكلته، لذا يعمد العاملون بالصحة النفسية لتحويل مثل هذه الحالات إلى ما يعرف بإدارة الحالة، والتي من شأنها السعي لتأمين احتياجات بعضهم عن طريق تواصلها مع منظمات إنسانية، في حين تبقى مشاكل البقية دون حل مع قابلية لازدياد أعدادهم نتيجة الفقر.

وذكر العاملون في الصحة النفسية أنهم رصدوا حالات كثيرة لاضطرابات نفسية عند بعض من سكنوا الخيام ولم يتمكنوا من التأقلم مع طبيعتها، واللافت في الأمر أن بعض هذه الحالات قد تلقت العلاج الدوائي بعد وصفه من قبل أشخاص ضعيفي الخبرة مثل الأدوية المهدئة والمنومة والتي لم تساهم بحل مشاكله بل فاقمتها.

في عام 2018 أفتتح اتحاد المنظمات الطبية الإغاثية السورية (UOSSM)، دار استشفاء للأمراض النفسية في مدينة سرمدا، إذ تعتبر الأولى من نوعها في محافظة إدلب، في حين يوجد في منطقة إعزاز مشفى خاصاً بالأمراض العقلية والنفسية ويغطي كامل مناطق ريف حلب.