فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مكتبة دار الفكر في مدينة حلب

المكتبات في حلب مهجورة أو تحولت إلى محلات تجارية

أغلقت، خلال السنوات الأخيرة، مكتبات كثيرة في مدينة حلب أبوابها، بيعت كتبها بالجملة للمهتمين وبائعي الصندويش بـ “الكيلو” وتحوّلت إلى محلات تجارية، أما من صمد في ظل الظروف الحالية فتحوّل […]

أغلقت، خلال السنوات الأخيرة، مكتبات كثيرة في مدينة حلب أبوابها، بيعت كتبها بالجملة للمهتمين وبائعي الصندويش بـ “الكيلو” وتحوّلت إلى محلات تجارية، أما من صمد في ظل الظروف الحالية فتحوّل إلى بيع الكتب التجارية والقرطاسية والهدايا، أو جلس أصحابها أمام مكتباتهم يشربون القهوة ويمارسون رفقة جيرانهم لعب طاولة النرد.

عناوين قليلة جديدة تصدّرت رفوف المكتبات، غاب القراء القلائل في الأصل، لارتفاع أسعار الكتب وقلة الدخل من جهة، وسهولة الحصول على الكتب عبر شبكة الانترنت، بـ “كبسة زر واحدة” دون كلفة مادية أو عناء البحث عن الكتاب، يقول من تحدثنا معهم من أصحاب المكتبات “تحولت المكتبات إلى متاحف مهملة، نادراً ما يطرق بابنا أحد من المهتمين أو القراء”.

منذ بداية الثورة تبخّرت المكتبة التي كانت تفترش الأرصفة في ساحة سعد الله الجابري وسط المدينة، والتي تحولت وقتها لمركز للأمن والشبيحة، كذلك أمام بناية الأزبكية ومديرية الصحة، يقول محمد أبو الفضل، أحد القراء المداومين سابقاً على شراء الكتب من هذه الأمكنة.

ويضيف أبو الفضل “كنت تفتش في هذه المكتبات الطرقية على روايات وكتب قيمة، كانت تباع بأسعار زهيدة مقارنة بسعرها في المكتبات، وفي كل وقت كنت أمرّ بها كنت أجد أشخاصاً يقلبون بين صفحات الكتب، مثقفين، طلبة يبحثون عن مراجع، شباناً صغاراً يشترون بمبالغ قليلة كتباً تشغل بالهم لشعراء وروائيين، أشخاصاً يضيفون في كل شهر على الأقل لمكتباتهم البيتية عنواناً أو عنوانين”.

بالقرب من المكتبة الطرقية في ساحة سعد الله الجابري ومن جهة شارع الجميلية، على يسار الطريق جانب عبارة الصحة، مكتبة الأصمعي التي عرضها ورثة صاحبها عمار حميدة للبيع بعد وفاته بأزمة قلبية، وقاموا بتصفية كتبها بالكامل.

يقول أبو الفضل إن مكتبة الأصمعي كانت أحب المكتبات إلى قلبه، كان زبوناً دائماً للمكتبة يتبادل مع صاحبها الأحاديث، ويستأنس برأيه بأهم الكتب الصادرة حديثاً أو القديمة التي لم يتح له قراءتها، هو حزين اليوم للدرجة التي لم يعد يرغب بها بالمرور من هذا الشارع الذي كان يوماً مركزاً للكتب، ما يجعله يغير طريقه كلما أجبرته الظروف على المرور بها.

ويقول محمد عجان الحديد، صاحب مكتبة عجان الحديد سابقاً والتي تحولت إلى محل لبيع الأقمشة، “ليست مكتبة الأصمعي وحدها من أغلقت أبوابها، سبقها منذ تسعينات القرن الماضي إغلاق مكتبات عديدة في حلب، أهمها مكتبة دار الفجر خلف الفندق السياحي والتي حولها ورثتها إلى محل لبيع الكنافة والنابلسية، ومكتبة استانبولي في عبارة الكهرباء والتي أصبحت محلاً لبيع القطع الكهربائية، وقد بيعت الدوريات والمجلات فيهما بالكيلو غرام لأصحاب محلات الصندويش”.

مكتبة دار القلم في مدينة حلب
مكتبة دار القلم في مدينة حلب

حظ مكتبة دار القلم لم يكن أفضل بكثير من سابقاتها، وهي من أقدم المكتبات في المدينة أسسها علاء الدين الرفاعي عام 1972. حين وصلنا إلى المكتبة صباحاً لم نجد أبو أيمن، العامل في المكتبة، داخل المكان، كان قد وجد لنفسه كرسياً على الرصيف المقابل رفقة مجموعة من جيرانه “يهشون الملل” على حد تعبيره، ويلعبون “دوري طاولة زهر” لا ينتهي منذ أشهر.

أخبرنا أبو أيمن أنه، و بعد سرقة آلات الطباعة التي يملكها من منطقة الليرمون، قرر صاحب الدار  الهجرة إلى مصر، حيث أنشأ فيها دار “العماد” للنشر والتوزيع، وأنشأ دار “الرفاعي” في حلب على نطاق ضيق وبأسلوب طباعة جديد، يسمى (الريزو)، يمكن هذا النظام دار النشر من طباعة كتاب واحد فقط إن أراد، وبتكلفة زهيدة مقارنة مع نظام الطباعة القديم الذي يحتاج إلى أفلام وبلاكات وآلاتٍ خاصّة.

يتجول أبو أيمن في المكتبة وهو يستعرض لنا محتوياتها، يشير إلى حائط صغير ساخراً وهو يقول “هذه أكثر الكتب مبيعاً، التنجيم وفن الطبخ والبرمجة العصبية والتنمية البشرية، والروايات الرائجة لبعض المؤلفين مثل باولو كويلو ونعوم ميسو و إليف شافاق وأدهم الشرقاوي والتبريزي والرومي، أما بقية الرفوف فلا أحد يلقي لها بالاً”.

المكتبات العامة التي اعتاد القراء على الذهاب إليها واستعارة أو قراءة الكتب منها، هي الأخرى أغلقت أبوابها أو توقفت خلال السنوات الأخيرة، إذ توقفت المكتبة الوطنية التابعة لمديرية الثقافة، دشنت عام 1945 وأسسها الشيخ كامل الغزي، وكان أول مدير لها الشاعر عمر أبو ريشة، وهي تحوي حالياً أكثر من 100 ألف عنوان، توقفت عن الإعارة، بحسب مديرها محمد حجازي.

كذلك توقفت المكتبة الروحية، تأسست سنة 1956 بمبادرة شخصية من الخوري يوسف جمل، وبعد وفاة المؤسس صارت تنتمي إدارياً إلى كنيسة الروم الكاثوليك في حلب، مع المحافظة على استقلاليتها الفكرية والمالية، ومنذ تأسيسها إلى اليوم وهي تشرع أبوابها لكل هواة المطالعة والباحثين عن المعرفة دون تمييز.

كما تحرص المكتبة على أن تنتقي وتقتني سنوياً أهم ما يصدر عن دور النشر المحليَّة والعربيَّة من مؤلفات قيِّمة في مختلف مجالات الثقافة العامَّة، بالإضافة إلى ما يُهدى إليها من الأصدقاء والمشجعين، فكانت تضيف كل سنة نحو 800 عنوان جديد إلى مقتنياتها التي تصل إلى نحو عشرين ألف عنوان باللغة العربية، وما يعادلها باللغتين الفرنسية والإنجليزية. والمكتبة الوقفية جانب قلعة حلب وتتبع لمديرية الأوقاف، كانت تحوي آلاف الكتب والمجلدات، بالإضافة لقاعات المحاضرات الكبيرة، والشاشات الرقمية، والتي رصد لها عام 2006 أكثر من 80مليون ليرة سورية، ولكنها دُمّرت بشكل كامل خلال المعارك في مدينة حلب.

مقابل المكتبات المغلقة، وخلال العام الفائت، افتتحت مكتبة جديدة باسم (مكتبة المشهد) ضمن مشهد الإمام الحسين، وهي تابعة للمفوضية الإيرانية في حلب، وتحتوي على قاعة مطالعة صغيرة وعشرات الكتب لا أكثر.

ارتفاع التكلفة وغياب الرقابة وحقوق الملكية يفرض نفسه على واقع الكتب في حلب، إذ تغزو روايات، بورق رديء ودون موافقة أصحابها على النشر، رفوف المكتبات.

دار استانبولي ممثلة بصاحبها عبد القادر استانبولي، هي الأقوى من ناحية الطباعة والنشر والتسويق، بحسب من تحدثنا معهم، إذ تقوم الدار بنسخ الكتب الصادر عن دور النشر غير السورية، وطباعتها على نفقتها والاستفادة من ريعها في غفلة من أصحاب الروايات والكتب، مثل بعض روايات واسيني الأعرج وأدهم الشرقاوي و إليف شافاك الأكثر رواجاً بين المراهقين، وتسويقها عبر مكتبتين تابعتين للدار باسم (منهل القراء)، إضافة لكتيبات خاصة بتعليم القرآن والحديث الشريف والقصص المصورة، هي أبعد ما تكون عن الرقابة الفكرية والدينية والثقافية، والتي تحوي الكثير من الأخطاء اللغوية والنحوية.

حلول كثيرة غير ناجعة اتخذها أصحاب المكتبات، على حد وصفهم، للتغلب على ضعف الإقبال والقوة الشرائية والغلاء، إذ عمد قسم منهم لتفعيل نظام  (الإعارة) الأسبوعي أو الاشتراك الشهري مقابل مبلغ مالي بسيط، مثل مكتبة الأمير خلف فندق شهبا روز، ومكتبة دار الفكر في شارع اسكندرون في الجميلية، كما تعمد دار الرواد خلف الفندق السياحي إلى الاشتراك في المعارض السنوية بالتعاون مع جامعة حلب أو مديرية الثقافة بأسعار مخفضة أو بسعر التكلفة، يقول صاحبها الدكتور محمد سليم زيد، والذي يعيش من المبلغ الذي يرسله له ولده المقيم في الإمارات، بعد أن استسلم الجميع لفكرة الكتاب الإلكتروني الذي حل محل الكتاب الورقي.

لا يمكن إلقاء اللوم على القراء، يقول صاحب أحد المكتبات في المدينة، إذ يبلغ متوسط سعر أي كتاب نحو 25 ألف ليرة، هذا إن كان رواية غير أصلية من التي تطبع في دور النشر المحلية، وتصل أسعار كتب إلى خمسة أضعاف هذا المبلغ، في مدينة يحار معظم سكانها بتأمين خبز عائلاتهم.

تقول بتول، وهي طالبة في كلية الآداب، إنها تهوى قراءة الكتب الورقية، لكن سعر الرواية التي انتهت منها يوم أمس، وكانت لكارلوس زافون، 25 ألف ليرة، الكلمات صغيرة متراكبة فوق بعضها البعض، الغلاف ونوع الورق سيء، وهو ما دفعها لتنزيل الرواية عبر تطبيق إلكتروني مجاناً.

تشبه المكتبات العامة التابعة لمديرية الثقافة في حلب ما قرأته بتول في رواية ظل الريح التي أنهتها، تقول إن أحداثها تدور في منتصف القرن العشرين أيام الحرب الأهلية في إسبانيا، إذ يذهب دانيال رفقة والده إلى دير سري ليدخل في سراديبه ويطّلع على أكبر مكتبة رأتها عينه والتي تحوي آلاف الكتب التي لم يحقق كتبتها نجاحاً.

“المكتبات التابعة للمراكز الثقافة، والغرف الرطبة التابعة لاتحاد الكتاب العرب، شبيهة جداً بهذه المقبرة، إذ تشاهد مئات الكتب مرمية بطريقة عشوائية على الأرضيات والطاولات الخشبية المتفسخة”، تقول بتول، وهو ما دفع اتحاد الكتاب في العام الفائت لتنظيم معرض لهذه الكتب المنسية، بيعت فيه بأسعار لم تتجاوز 200 ليرة سورية، يقول الدكتور زياد محبك، رئيس اتحاد الكتاب العرب في حلب، إن أغلب هذه الكتب ذهبت إلى بائعي الصندويش الجوالين.

في ظل هذا الكساد، تقوم مديرية الثقافة في حلب سنويا ً بالإعلان عن توقيع دواوين ومجموعات قصصية وروايات لكتاب شباب مغمورين، أغلبهم لا يميز بين المرفوع والمنصوب، يطبعون كتبهم على نفقتهم الشخصية بغية الاستعراض، أو على حساب (هيئة الكتاب) المسؤولة عن تقييم الكتب وتصويب أخطائها، و الحريصة على ألا يخرج الخطاب فيها عن اللغة الخشبية التي يتمتع بها النظام الحاكم. وهذا برأي الكثير من الأدباء والمثقفين الحلبيين يعتبر إساءة للغة العربية وللأدب في ظل الجهل الذي تطلى به جلود القائمين على هذه المديرية.

كانت فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، فترة ذهبية لازدهار المكتبات على مستوى العالم العربي، خاصة في مدينة حلب، إذ بلغ عدد مكتباتها أكثر من أربعين مكتبة، بدأت بالتناقص تدريجياً، نتيجة الظروف التي مرت على المدينة وأرخت بظلالها على المكتبات وتسويق الكتب، في حين ظهرت الكثير من المكتبات الاستهلاكية والتي تهتم بكتب الطبخ والتنجيم، إضافة لطباعة الملخصات والأوراق الذهبية لطلاب الجامعة، والتي يتقاسم أرباحها أصحاب المكتبات وأساتذة الكليات أو المعيدين، يقع معظمها في محيط جامعة حلب وقد تجاوز عددها ثلاثين مكتبة.