لا تكاد تفتر حملة إغاثة مدينة الباب بريف حلب، التي تحمل اسم “الباب عطشى” حتى تعود وتنطلق من جديد، إنها مستمرة منذ عام 2017، وهو العام الذي قطع فيه النظام السوري المياه عن منطقة الباب ومحيطها، وذلك  بعد سيطرته على مواقع ومحطات ضخ المياه بريف حلب الشرقي (الخفسة وغديني عشيني وعين البيضا) عقب انسحاب عناصر تنظيم “داعش” منها.

جفّت اليوم معظم آبار منطقة الباب، وارتفعت أكلاف توفير مياه الشرب، بينما تقف المنظمات عاجزة أمام أكثر من 320 ألف نسمة من العطشى، الذين أرهقتهم مصاريف مياه الشرب، وملّوا الوعود التي تطلقها بعد كل حملة جهات ومنظمات محلية.

عقاب للمدنيين

تعتمد المنطقة منذ عام 2006 على مياه نهر الفرات التي تصل إلى محطة ضخ “عين البيضا” قرب مطار كويرس العسكري، التي تبعد عن الباب نحو 10 كيلو مترات. كانت المحطة تضخ نحو 25 ألف متر مكعباً يومياً للمنازل و 100 ألف متر لري الأراضي الزراعية، التي تعتمد في تغذيتها على محطة الخفسة شرق حلب.

حاولت منظمة “الهلال الأحمر السوري” التدخل كوسيط لإعادة تشغيل محطة “عين البيضا” وإعادة الوضع لما كان عليه إبّان سيطرة تنظيم “داعش”، إلا أن المفاوضات فشلت نتيجة تعنت النظام ورفضه إعادة الضخ، بالرغم من جاهزية البنية التحتية وخطوط التمديد الواصلة بين المحطة ومنطقة الباب، ما زاد من اعتماد السكان على الآبار الجوفية الآخذة بالجفاف.

نضوب الآبار يهدد المدينة

بدا ملاحظاً خلال الأسابيع القليلة الماضية، تراجع كميات المياه الواردة لخزان جبل الشيخ عقيل المغذي لمنطقة الباب، الذي يعتمد على استجرار المياه من 12 بئراً تغذّي خزان المدينة الرئيسي، أربعة منها في بلدة الراعي، و سبعة في قرية سوسيان، وبئر أخير في قرية صندي قرب مدينة الباب، ضمن مشروع افتتحته منظمة “إحسان للإغاثة والتنمية” عام 2020.

يقول منسق برامج المنظمة في ريف حلب الشمالي، محمد الرفاعي: إن المشروع نفذ بالتنسيق والتعاون مع المجلس المحلي لمدينة الباب ومؤسسة المياه في الحكومة التركية ” DSI” لتخديم نحو 150 ألف نسمة، وهو قائم على استجرار المياه الجوفية -القليلة أصلاً في مدينة الباب -وهذا أدى إلى نضوبها بعد أكثر من سنتين من الاستجرار.

ويضيف “اضطررنا لحفر آبار تجميعية، تعتمد على مياه الأمطار، وبالتالي تتأثر بالعوامل المناخية، حيث تجف مع منتصف الصيف والخريف. ومع تفاقم الأزمة الحالية الناجمة عن فقدان المياه، بدأ العمل على حفر آبار جديدة وربطها بشبكة التخديم الرئيسية، إضافة إلى التجهيز للعمل على حفر بئرين في منطقة الراعي وربطهما بالخزان المزود للباب لتعويض مشكلة نضوب المياه.

حلول فاقمت المشكلة

المشروع لم يغط كامل مدينة الباب، إنما اقتصر على تغذية ما يقدر بثلث المدينة ولمدة ساعتين إلى أربع ساعات، وبشكل متقطع على مدار الأسبوع، بينما ظلت بقية الأحياء تعتمد على شراء الماء من الصهاريج، بحسب “الرفاعي”.

ومع جفاف تسعة آبار من أصل 15 بئراً مغذيةً للمنطقة تحت اسم “مشروع إحسان”، انخفضت ساعات التوصيل حتى للأحياء المخدمة. يرى المهندس “أسامة نعوس” أن مشروع إحسان تحول إلى جزء من المشكلة ولم يحلها، بعد أن تحول إلى سبب مباشر في انخفاض منسوب المياه الجوفية، وجفاف الآبار السطحية دون أن يغطي حاجة المنطقة.

يقول “نعوس” إن التوجه نحو تنفيذ مشروع يعتمد على مخزون المنطقة من المياه الجوفية يعتبر فاشلاً من البداية، وقد تمت إحاطة المعنيين بمخاطره التي بدأت تظهر تباعاً، خاصة وأن طبيعة الآبار تجميعية تتحكم فيها مياه الأمطار الموسمية الآخذة بالتناقص، على عكس المياه المتجددة التي تعتمد على مصدر دائم.

وبحسب المهندس، أدى المشروع إلى استنزاف احتياطي المياه في المنطقة وجفاف الآبار السطحية من عمق 50 متراً، وبات الحفر يصل إلى عمق 150 متراً، نتيجة الاستهلاك الجائر والحفر المستمر للآبار، الأمر الذي تسبب بتفاقم الأزمة واضطرار أصحاب الصهاريج إلى النقل من مسافات بعيدة لتأمين مياه الشرب للأهالي.

ويشير نعوس، إلى أن تراجع منسوب المياه انعكس على قدرة المشروع في تخديم المدينة بالمياه، إذ تراجعت نسبة التخديم من 20 بالمائة بداية إطلاق المشروع إلى نحو 5 بالمئة حالياً.

أزمة تتعمق

محمد الحسن أحد سكان مدينة الباب، يقول: إن المياه لا تصل منزله سوى ساعتين أسبوعياً، يذهب أكثر من نصف وقتها على تفريغ الهواء من الأنابيب دون ضخ، لافتاً إلى أن ساعات التخديم لا تكفي لملء جزء من خزان منزله، ما يضطره إلى شرائها من الصهاريج، لتعبئة خزانه الذي يتسع لـ 10 براميل تكفي عائلته لأسبوعين فقط.

أما عبد السلام وهو من سكان المدينة أيضاً، فأكد خلال حديثه لموقع “فوكس حلب” غياب المياه عن حيه في منطقة دوار الراهب منذ أسابيع، بالرغم من تقديمه وعدد من سكان الحي عشرات الشكاوى للمجلس المحلي إلا أنهم لم يتلقوا أي استجابة.

أكلاف زائدة

يرى القائمون على حملة “الباب عطشى” أن عمليات حفر الآبار الجائرة في محيط المدينة أدت إلى نضوب مياه كثير من الآبار، ما أجبر أصحاب الصهاريج على التعبئة من مناطق بعيدة، الأمر الذي انعكس على الأسعار.

تتم عملية نقل المياه إلى المدينة على مراحل، تبدأ بتعبئة خزانات المياه الكبيرة من الآبار الواقعة في محيط الباب، ثم تصبّ في صهاريج صغيرة، يقوم مالكوها ببيعها للسكان وأصحاب المحلات التجارية.

يقول “أبو خالد” وهو صاحب صهريج لبيع المياه في مدينة الباب، إن كثيرين بدؤوا بالتوجه إلى قرى مدينة جرابلس البعيدة لتعبئة صهاريجهم جراء الزحام الذي تشهده آبار منطقة الباب وطول فترة الانتظار.

ويضيف، ترتفع أسعار المياه يومياً حتى وصل سعر الخزان من سعة 10 براميل، الذي يكفي العائلة لأسبوع واحد فقط، إلى 100 ليرة تركية، بعد أن كان يباع بـ35 سابقاً، أي أن العائلة تدفع 400 ليرة شهرياً فقط للحصول على المياه. مشيراً إلى أن الأعباء المادية تكون مضاعفة في حال قررت العائلة الاعتماد على مياه العبوات المعقمة.

مياه غير صالحة للاستهلاك

دفع الواقع معظم الأهالي خلال الأسابيع القليلة الماضية، للاعتماد على المياه غير الصالحة للشرب، بعد نضوب مياه الآبار العذبة في المدينة.

“أبو صالح” أحد المقيمين في مدينة الباب أوضح أن كثيرين من السكان، ومنهم عائلته، باتوا يشربون مياهاً غير صالحة للاستهلاك. ويقول “لون الماء مائل للصفار ولا يمكن تحمل رائحتها، ناهيك عن طعمها الذي لا يمكن وصفه بالمر أو المالح أو الحامض حتى”.

ويضيف، يبلغ معدل استهلاكنا 40 برميلاً تقريباً كل شهر، سعرها 400 ليرة تركية، بينما بالكاد تصل أجرتي الشهرية للألف ليرة، ما يعني دفع نصف ما أحصل عليه للماء فقط، وهذا يعني أن “نفتح أيدينا للسماء لتأمين أموال فواتير الكهرباء ومصروف الطعام وخلافه”.

القطاع الزراعي على حافة الانهيار

لا تتوقف الآثار الخطيرة للأزمة الحالية على ارتفاع سعر مياه الشرب والاستخدام المنزلي فحسب، بل امتدت لتشمل القطاع الزراعي الذي يعاني جفافاً منذ عامين تقريباً، أدى إلى تراجع مردود المحاصيل الزراعية بنسب كبيرة، ما يهدد الأمن الغذائي للمنطقة، فضلاً عن ارتفاع معدلات البطالة مع هجرة المزارعين لأراضيهم.

يهدد الجفاف أكثر من 4500 هكتار من الأراضي الزراعية في منطقة الباب، بحسب إحصائيات حملة “الباب عطشى” بينما يعتمد عدد غير قليل من المزارعين على مياه الصرف الصحي الآسنة في عملية الري.

“أبو محمود” مزارع يقيم على أطراف بلدة تادف، أكّد جفاف الآبار التي يعتمد عليها الفلاحون في ري أراضيهم، جراء عمليات الحفر العميقة في المنطقة. وأضاف “بسبب جفاف الآبار لم يعد أمامنا حل سوى شق قنوات صغيرة من ساقية الصرف الصحي لسقاية أراضينا، لكن حتى هذا الحل يضرّ بالمحاصيل، حيث حولها إلى مستنقعات لتجمع الحشرات، ولم يعد باستطاعتنا تحمل رائحة الأرض”.

المجلس المحلي عاجز

أمام هذا الواقع، بدت تحركات المجلس المحلي لمدينة الباب خجولة وتكاد تكون شبه معدومة، إذ اقتصرت على تأمين بعض الصهاريج لنقل المياه إلى مركز المدينة بأسعار مخفضة نسبياً، بالإضافة إلى حفر المزيد من الآبار.

يعتبر كثير من الناشطين وأهالي مدينة الباب، أن المجلس المحلي قد تحول إلى جزء فاعل في استمرار الأزمة ومعرقل لأي مشاريع أو مبادرات مساعدة على إنهائها، بسبب رفضه تقديم مظلة شرعية لحملة “الباب عطشى” والمشاركة فيها عبر معرفاته الرسمية والاعتراف بأزمة شح المياه، فضلاً عن رفضه التعاون مع وفود المنظمات الإنسانية والأممية.

وفي تسجيل مصور تداوله ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر أحد أعضاء المجلس المحلي لمدينة الباب وهو يوجه اللوم لرئيس المجلس، ويتهمه بالتقاعس عن متابعة ملف المياه ورفضه تقديم الموافقات الرسمية لعمل المنظمات الأممية في المدينة.

الناشط الميداني، بدر طالب، من سكان مدينة الباب، أكد أن المجلس المحلي لم يعلن حتى اليوم عن وجود أزمة مياه على الأقل في تصريح صحفي لمسؤوليه أو من خلال معرفاته الرسمية، ويكتفي بالتأكيد الشفهي للأهالي أثناء الاجتماعات المغلقة.

يقول “طالب” هناك العديد من المنظمات الأممية والدولية التي حاولت التدخل لإنهاء معاناة السكان، إلا أنها اصطدمت برفض المجلس المحلي التعاون، كانت منها منظمة كندية منعت من العمل دون وجود ورقة رسمية موقعة من قبل الوالي التركي، ليتكرر الأمر مع وفد من الأمم المتحدة الذي رفض المجلس دخوله المنطقة، بسبب الرفض من قبل الوالي التركي، بحسب المجلس، وفقاً لقول الناشط الميداني.

وعلى غرار المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل الجيش الوطني والحكومة السورية المؤقتة في أرياف حلب الشمالية والشرقية، تشرف ولاية غازي عنتاب التركية على عمل المجالس المحلية لمدينتي الباب وجرابلس، والمجالس الفرعية لمناطق الغندورة وقباسين وبزاعة والراعي، بينما تشرف ولاية كيليس على مجالس مدينة أعزاز وبلدات مارع وصوران و أخترين، فيما تتبع عفرين ومجالسها لولاية هاتاي التركية.

هناك ناشطون شكّكوا بذرائع المجلس المحلي، وحمّلوه أسباب استمرار الأزمة، وأبدوا استغرابهم من هذه التبريرات وأسبابها، وبخاصة أن الحل يخلص الطرفين، المجلس وتركيا من أعباء وتكاليف حل أزمة المياه المكلفة.

حاول معدّ التقرير التواصل مع رئيس المجلس المحلي والمسؤولين عن ملف المياه، وتوجيه مجموعة من الأسئلة حول أسباب رفض المجلس الإعلان عن الكارثة الإنسانية التي تعاني منها المدينة، وعدم تجاوبه مع مطالب الناشطين والسماح بدخول منظمات أممية للوقوف على المشكلة ومعالجتها، أو الحلول التي يمتلكها المجلس ويعمل عليها، إلا أنه لم يتلق أي رد.

هل من حلول

يرى المهندس “أسامة نعوس” أن هناك العديد من الحلول القادرة على إنهاء معاناة السكان بشكل جذري، أبرزها وأقلها تكلفة يتمثل بالضغط على النظام عن طريق الأمم المتحدة أو الدول الراعية لمسار أستانة (تركيا وروسيا) بشكل رئيس، لإعادة ضخ المياه عبر محطة “عين البيضا” الخاضعة لسيطرته من جديد.

أما الحل الثاني، بحسب “نعوس” فيتمثل باستجرار المياه من بحيرة “علي بيلي” المجاورة لمنطقة الراعي داخل الأراضي التركية، ويعتبر من أنجح الحلول وأقلها تكلفة، بالنظر إلى إمكانية الاعتماد على شبكة أنابيب منظمة إحسان وقربها من المدينة، حيث يمكن أن تغذي منطقة بالباب بالمياه الصالحة للشرب بكمية “5 إنش” فقط.

ويشير إلى أن هناك حلاً ثالثاً يعدّ الأكثر تكلفة واستهلاكاً للوقت، ويتمثل بشق قناة ري من نهر الفرات قرب مدينة جرابلس نحو الباب، وهذا المشروع خارج قدرة المجلس المحلي وحتى الحكومة المؤقتة بسبب تكلفته المرتفعة جداً والمسافة بين المدينتين التي تقدر بنحو 100 كيلو متر، بحسب المهندس.

المادة السابقة“جهاد النساء.. لماذا اخترن داعش؟”.. الجهاديات وأفخاخ الانجذاب نحو الموت
المادة التاليةالصيد البري في إدلب.. هواية حية في قلوب الصيادين وذاكرتهم