تجاوزت أسعار دخول المسابح في المنشآت الخاصة بحلب ثلاثة آلاف ليرة سورية للشخص الواحد، ووصلت في البعض منها لنحو خمسة آلاف، ما دفع شباب وأطفال في المدينة للسباحة في السواقي العامة ومجرى نهر قويق وبحرات الحديقة العامة، غير آبهين بالمياه الملوثة وأضرارها، كذلك في مشهد لم يعتده سكان حلب في رؤية شبان ويافعين بملابس داخلية داخل المدينة.

السباحة لم تعد حقّاً للفقراء

لا تمتلك مدينة حلب مسطحات مائية طبيعية يمكن للسكان ارتيادها، وتقتصر أماكن السباحة فيها، وفق من تحدثنا معهم، على ثلاثة أماكن، المسابح العامة أو ما تبقى منها، المزارع التي تحوي على مسابح أو التوجه غرباً نحو شواطئ اللاذقية.

يخبرنا أحمد، أحد العاملين في المسبح البلدي بحلب، إن مسابح تعدّ على أصابع اليد الواحدة هي ما تبقى في المدينة بعد أن أغلقت مسابح كثيرة أبوابها خلال السنوات الماضية، يضاف إلى ذلك ما وصفه بحالة المسابح المزرية من حيث الخدمات والمياه والمشالح غير النظيفة.

لم يكن حال المسابح سابقاً أفضل بكثير، يقول أحمد، كانت مياه المسابح في الغالب غير معقمة وتنتشر في محيطها ودورات مياهها الفضلات والقمامة، هذا ينطبق على مسابح كثيرة مثل الكلاسة وقسطل الحرامي والصاخور والنيرب، والتي كانت أرضها زلقة لكثرة الأشنيات والكائنات الطفيلية التي ترى بالعين المجردة.

تحسّنت ظروف مسابح أخرى في ذلك الوقت مثل تلك التي تعود لنقابات أو مطاعم أو هيئات خاصة، ومنها “مسبح ميامي- التورينغ – نهر الدهب – الجندول- بالما- سيروبيان- الحرية- الاتحاد- الجلاء – أندلسيا- الباسل- لاغونا- شبانيا- هاواي-الأولمبي والمدينة المائية بلو لاغون على طريق دمشق حلب”.

معظم هذه المسابح أغلقت أبوابها اليوم، ومن بقي منها ارتفعت أجور الدخول إليه، ووفق فترات زمنية محددة لا تتجاوز ثلاث ساعات، إلى مبالغ تتراوح بين 2500 و5000 ليرة سورية، ما يحول دون قدرة معظم سكان المدينة على دخولها.

الصورة لأطفال يسبحون في مجرى نهر قويق بحلب.
الصورة لأطفال يسبحون في مجرى نهر قويق بحلب.

يقول أبو محمود، عامل في نجارة الألمنيوم، إنه دفع 60 ألف ليرة سورية لتمضية ثلاث ساعات في المسبح الأولمبي الملاصق لملعب الحمدانية رفقة عائلته، يفصل أبو محمود ما دفعه ” دفعت أنا وأولادي الشباب 20 ألف ليرة، الصغار وأمهم 15 ألف ليرة، 25 ألف ليرة ثمن مأكولات ومشروبات خفيفة.

ثلاث ساعات في الملعب الأولمبي تقضم نصف راتب موظف حكومي وأجرة عامل مياومة لأسبوع كامل، وتتجاوز ذلك في حال استئجار مزرعة لعدة أيام، إذ تزيد أجرة يوم واحد عن خمسين ألف ليرة سورية.

أما السفر إلى البحر فذلك “حلم”، تقول السيدة هدى من حلب، إذ تزيد كلفة تمضية ثلاثة أيام في أحد الشاليهات المتوسطة على البحر مع تكلفة التنقل والطعام عن مليون ونصف المليون ليرة سورية في الأماكن الجيدة، وهو راتب موظف لعام كامل.

مسابح في الهواء الطلق

ارتفاع الأسعار دفع سكان في المدينة للسباحة في قناة نهر قويق الممتدة من بلدة حندرات وتخترق المدينة وصولاً إلى ريف حلب الجنوبي، مصدر مياهها قناة الجر القادمة من نهر الفرات، أو في بحرات الحديقة العامة وساقية قويق التي تمرّ منها بجريان ضعيف للمياه، إذ لا يتجاوز عمقها ٧٠ سنتيمترا ضمن المجرى المخصص.

لدى دخول الحديقة العامة، يلفت النظر تجمعات حول مجرى نهر قويق والحوض الكبير الذي يتوسطها حيث عشراتالأطفال والمراهقين ب (الكيلوت الداخلي الأبيض) يواجهون حرارة الصيف، بالإضافة لعشرات المتفرجين والأهاليالذي يتابعون أولادهم وهم يتقافزون فرادى وجماعات في المياه الآسنة، في ظل غياب كامل للرقابة أو موظفي الحديقة.

أحد الرجال كان يجلس إلى جانب كومة من الثياب تحت شجرة صغيرة وهو يدخن سيجارته الحمراء، بادرناه بالسؤالعما إذا كان يخشى من إصابة أولاده بمرض طفيلي أو جرثومي أجاب:

عشر سنوات من الحرب والبارود والقذائف والبراميل وحرق الإطارات ورائحة مولدات الأمبير لم تؤثر فينا ولابأولادنا، لقد تشكلت لدينا مناعة ذاتية، حتى أنني وعائلتي بأسرها لم تؤثر فينا جائحة الكورونا، ختم كلامه ضاحكاً وهويرمي سيجارته في حوض الماء “الكوليرا بتنهزم من أولادي”.

الصورة لأطفال يسبحون في بحرة داخل الحديقة العامة بحلب.
الصورة لأطفال يسبحون في بحرة داخل الحديقة العامة بحلب.

الماء والصيف جنة الجراثيم

الدكتور عدنان وهو طبيب مختص بأمراض الأطفال قال: “إن حرارة الصيف تساعد على تحريك الأمراض الكامنة فيالجسم ، وبخاصة الهضمية منها، ذلك أن الجراثيم تبحث عن الحرارة والرطوبة والغذاء من أجل التكاثر مثل الحمىالتيفية والمالطية التي تدخل الجسم عن طريق الأطعمة والمياه الملوثة.”

وأضاف الدكتور عدنان: “تعتبر المسابح من أكثر الأماكن التي تحوي على الطفيليات والجراثيم برغم تعقيمها بمادة الكلور، إذ تتلوث بمفرزاتالجسم من عرق ومخاط وبول، لتعود وتدخل الجسم بطرق مختلفة عن طريق الأذنين والعينين والفم والخدوش علىسطح الجلد والتي تسبب ترفعاً حرورياً وأعراضاً هضمية مختلفة مثل المغص والإقياء والإسهالات”.

ومن أهم الجراثيم التي تسبب أعراضاً هضمية هي جرثومة الكريبتو critococcus، وطفيلي الجيارديا Giardia laumblia اللذان ينشطان في المياه الدافئة والملوثة بهما وهما يسببان الاسهالات المتكررة والمعندة أحيانا.

ودخولهما إلى الأذن بالإضافة لجراثيم أخرى مثل المتحول الكولوني E. coli والزحاري Entamoeba histolitica مما يسبب التهابات في الأذن الخارجية والوسطى يسمى أذن السباح وبخاصة إذا بقي الماء الملوث فيمجرى السمع لأكثر من 24 ساعة.

مع ارتفاع الحرارة والأسعار، يصبح البحث عن وسيلة لترطيب أجساد الأطفال وممارسة السباحة همّاً بالغ الصعوبة بالنسبة للعائلات في حلب، ويغدو الحل وحيداً في مجاري المياه الآسنة دون الالتفات لما يمكن أن يسبب ذلك من أمراض، كذلك التعرض للسرقة بعد أن أشعلت صورة مراهق يمشي في حي الجميلية باللباس الداخلي مواقع التواصل الاجتماعي إثر سرقة لباسه وهو يسبح في أحد قنوات نهر قويق منذ أيام.

المادة السابقةالترخيص والبنزين يقطعان طرق تطبيقات التنقل في حلب
المادة التاليةالعودة إلى الهلاك.. لبنان يعدّ خطة لإعادة السوريين إلى مناطق النظام 
كاتب صحفي سوري