وصفت صحيفة الغارديان في مايو / أيار الماضي، على نحو مثير للانتباه، بشار الأسد بأنه “Mob boss”، أي رئيس منظمة إجرامية، مثل المافيا، وعنونت بهذا الوصف مادتها المتضمنة سبل الابتزاز والتهديد، وكذلك الخلافات المالية داخل عائلة الأسد، لكن الأبرز  ما ابتدأت به بشأن الانتخابات، وهو ما يفتح الباب إلى فهم دواعي استخدام ذلك الوصف للنفاذ إلى أجوبة لأسئلة ملحة.

من هذه الأسئلة، لماذا يحرص النظام على سن التشريعات والقوانين وإجراء انتخابات رغم امتلاكه عُصبة ممثلة بأرضية مؤيدين صلبة يتقبلون نظامهم على عجره وبجره، ولا يستغرب في المقابل معارضوه سلوكه وليس لديهم أصلاً ترف محاججته قانونياً، فكل انتهاك يصغُر أمام المذبحة الكبرى بحق سوريا والسوريين.

الثابت أن النظام يُصر على تغليف ممارساتها بأغلفة ديمقراطية تقوم ضمن الحد الأدنى على القبول يشدّها بأحزمة تشريعية ذكية، وهذا كله ربما يعيدنا إلى وجاهة وصف هذا النظام بالمافيوي، إذ تحرص المافيات  أيضا على ضبط ممارساتها بمواثيق شرف وصمت، تحكم وتضبط المجتمعات المحلية التي تهيمن عليها وكذلك علاقات أعضاء المافيا فيما بينهم.

ما سبق، مقدمة طويلة نسبياً لقضية أطول، معقدة شائكة، يتداخل فيها السياسي والقانوني والاجتماعي في إطار ما يمكن وصفه على سبيل الاختصار، حرب الأملاك، وهي حرب تضع في دائرة الضوء انتهاكاً آخر لحقوق السوريين الأساسية، أملاكهم ومساكنهم، وحقهم في حمايتها والعودة إليها بالنسبة لملايين المهجّرين والنازحين.

يمكن القول إنها حرب تصفية موازية، تالية ومتزامنة مع حرب الاستئصال المادي والبدني، الجماعي، في حرب فوضوية فتحت كذلك مداخل أخرى لانتهاكات عدة في المضمار ذاته في مناطق خارج سيطرة النظام، إن كانت ضمن مناطق سيطرة قسد، أو فصائل مُعارضة موالية لتركيا، وعلى فداحتها لكنها تبقى في خانة غياب قوننتها على المستوى الوطني، أي أنها جرائم مؤقتة.

شمولٌ وعمق

يفتح فوكس حلب باباً واسعاً لتحقيقات تتناول الجرائم المتعلقة بنهب ومصادرة واستملاك أملاك السوريين، مواد تُنشر تباعاً على امتداد العام الجاري، في نحو ١٢ تحقيقاً وتقريراً مطولاً، وتقارير تفسيرية تحليلية معمقة، مدعمة بمواد منوعة ترصد، وتبسط، والتوعية لها نصيب.

وإذ يتصدى فوكس حلب لهذه المهمة، فهو جهد يُضاف إلى جهود كبيرة وبارزة، يتشابك معها ويتكئ عليها أو ينطلق منها، جهود دأبت عليها منظمات سورية، وحقوقيون، ومدافعون عن حقوق السوريين في كل الميادين، جهود تنوعت بين أبحاث ودراسات نقبّت في القوانين الصادرة،كاشفة دوافعها وتداعياتها، في أقل تجلياتها إلى ذروتها المتمثلة في ممارسات انتقامية، ومحاولات حثيثة لإحداث تغييرات ديمغرافية. 

وفيما يلي، مدخل يسعى لتأسيس قاعدة بيانات تتضمن القوانين والمراسيم ذات الصلة، ومحاولة لتأطيرها، وكشف مؤشرات أوليّة ستجد لها في تحقيقات لاحقة الوقت والعمق الكافيين بحثاً ورصداً وتحليلاً.

انفجار تشريعي ما بعد عام 2011 

إن النظام التشريعي في “سوريا الأسد” من حيث الشكل، وبنظرة عامة، قد لا يبدو هناك ما يشوبه على صعيد الآليات أو المتن، لكن السلبيات القاتلة، والتجاوزات غير الدستورية، تتكشف مع جهود المختصين، ومتابعة عمليات الإنفاذ والمستهدفين، والنظر إلى تلك التشريعات في ظرفها وتوقيتها، وكذلك تناولها بوصفها كتلة تشريعية وقانونية واحدة، يخدم بعضها بعضاً، ويتكئ قانون هنا في تفسيراته على بند في تشريع آخر، وهنا تتكشف الأهداف الخفية.

 

إلى هنا،  من المناسب بداية وضع تسلسل زمني للقوانين والتشريعات الصادرة، واختيار صفر الإحداثيات في عام ٢٠١١، ورصد ما صدر قبل هذا التاريخ رجوعاً إلى  عام ١٩٧٠، وما صدر بعد ذلك وصولاً إلى العام الجاري، وتجدر الإشارة إلى أن عملية الرصد تحرت الدقة ضمن أقصى حد ممكن، وفق أصول البحث والأرشفة، إلا أن الأخطاء واردة، لصعوبة هذه العملية في ظل غياب مرجعية رسمية واضحة معنية بالرصد والإحصاء.

مع ذلك، أحصى فريق الإعداد في فوكس حلب منذ عام 1970 إلى عام 2011 القوانين والمراسيم الصادرة، وقد بلغت 30 قانوناً ومرسوماً، ثلثيها صدر فقط ما بين عام 2000 و 2011.

وكان لافتاً أن عدد القوانين والمراسيم الصادرة في الفترة ما بين 2011 و 2021 بلغ 41 قانوناً ومرسوماً، شملت تمّلك الأجانب، والتطوير العقاري، ومخالفات البناء، والمناطق التنظيمية، والوثائق العقارية المفقودة والتالفة، ومصادرة أملاك المدنيين بموجب قانون مكافحة الإرهاب. 

إحصائياً، فإن عدد القوانين الصادرة بعد اندلاع الثورة (أي خلال عشر سنوات فقط) يزيد بنسبة  تتجاوز 135 في المائة عن القوانين الصادرة خلال أربعة أضعاف المدة، أي ما بين عام 1970 و 2011.

الحرب فرصة ذهبية 

ماسبق يجعل السؤال عن توقيت هذا الانفجار التشريعي مشروعاً، إلى جانب أن النظام يفترض أنه مستنزف سياسياً وعسكرياً، بل إن شرعية السؤال تعد مدخلاً هاماً لفهم ذهنية وآلية ماكينة التشريع المتبناة أو المعتمدة ضمن دوائر النظام.

وهنا استطراد وتكرار لا بد منه، إذ أن التركيز في هذا المقام على القوانين والتشريعات الصادرة عن النظام لا تغفل توجهنا لكشف الجرائم المماثلة في مناطق أخرى خارج سيطرته، لكننا نرى أن الانتهاكات في مناطق النظام خطورتها أعلى، لاتساعها وديمومتها، وتداعياتها المستمرة إلى ما بعد سقوطه، وآثارها الاجتماعية التي قد تكون مدمرة على المستوى البعيد.

وبالعودة إلى مشروعية السؤال عن التوقيت، فإن الإجابة عن سؤال بسؤال تغدو مفيدة، ونفترض في ذلك أن التشريعات والقوانين، بريئة، وُضعت لتنفيذ عناوينها العريضة في التنظيم والتطوير، والسؤال المعاكس هنا: لماذا لم يكن زخم سن التشريعات والقوانين في ما قبل عام 2011؟  حيث الظروف مواتية، والإمكانيات المادية أكبر، ولا قيود بعقوبات دولية، أو انهيار الدولة على أكثر من صعيد، إذ أن الاستقرار هو الضامن لتحقيق الجدوى من مثل هكذا تشريعات وقوانين.

مسوغات شهية التشريع 

إن انفجار التشريع ما بعد 2011 كان وراءه شهية اقتناص ظرف لم يتوفر للنظام السوري إلا مرة واحدة وبشكل محدود جداً، في ثمانينيات القرن الماضي، وملامح هذه الشهية يمكن تتبعها، على سبيل المثال، في دراسة هامة نُشرت بالتعاون بين رابطة السلام والعدالة والتوثيق، ومنظمة اليوم التالي لدعم الانتقال الديمقراطي في سوريا، وحملت عنوان “المشكلة العقارية، وتداعياتها على حقوق الملكية في سوريا”، ويمكن اختصار ما يحمل تفسيراً ضمنيا لزخم التشريعات وفق ما يلي:  

  • الضرر الجسيم في البنية التحتية ودمار نحو ثلث المساكن جزئياً أو كلياً 
  • فقدان وثائق إثبات الملكية إما من عند صاحبها أو بسبب دمار الكثير من الدوائر العقارية والمحاكم ذات الصلة. 
  • عمليات البيع التي تحدث إما قسراً، أو تزويراً، أو احتيالاً.  
  • عمليات المصادرة من جانب النظام تحت أغطية قانونية معقدة.
  • حالات الاختفاء القسري وعدم وجود شهادات وفاة.
  • لا صوت يعلو فوق صوت “مكافحة الإرهاب”.

مصادرات فجّة ومستترة 

يمكن في إطار محاولة وصف النظام التشريعي المتعلق بالأملاك، وضعه ضمن ثلاث فئات، تعتمد على معايير عدة، منها درجة الوضوح في نيّات السطو، وحجم أو اتساع عمليات السطو: 

الفئة الأولى: سطو (مصادرات واستملاك)على الأملاك، واضح وفاضح، ومخالف بطبيعة الحال للدستور، نصاً وروحاً، والأعراف الدولية الداعية للحفاظ على حق الملكية، وتتجلى هذه الفئة في القانون رقم 19 لعام 2012، والذي يطلق يد مصادرة الأملاك بذريعة إدانة أصحابها بموجب قانون مكافحة الإرهاب، والذي بات طاحونة  يُدان بموجبه المعارضون، وحتى ممن لا ناقة لهم أو جمل، نظراً إلى فوقيّة وطول يد أجهزة المخابرات على القضاء.

وتبقى مشكلة مثل هذه القوانين بالنسبة للنظام، على ما فيها من سهولة واستسهال، أن تعميمها على نطاق واسع مستحيل، أي أن المصادرات بموجبها إطارها ضيق، موزّع أو متناثر، محدود، فمثلاً لا يستطيع النظام وسْم الملايين أو منطقة بكاملها بتهمة الإرهاب، ومن هنا تتكفل الفئة الثانية بذلك.

الفئة الثانية: القوانين والمراسيم الموجهة بشكل واضح تجاه مناطق بعينها، جلها من المناطق المناوئة للنظام، وقد انتزعها حرباً أو تسوية، والتي شهدت تدميراً نسبياً أو كلياً خلال المعارك.

و وفق ما أحصاه فريق الإعداد في فوكس حلب، فإن عُشر القوانين الصادرة ما بعد 2011 (أربعة قوانين حتى الآن)اختصت بإحداث مناطق تنظيمية في داريا والقدم والقابون واليرموك (في دمشق وريفها)، وكذلك في جورة الشياح والقصور (حمص)، أو مثلاً قانون إقامة حرم في منطقة الفيجة (ريف دمشق)وسط توقعات زيادة زخم صدور مثل هذه القوانين وخصوصاً أن كثيراً من المناطق العائدة إلى سيطرة النظام لا تزال خالية كلياً أو نسبياً من سكانها، خوفاً من العودة إليها أو ممنوعين من ذلك، ومدينة القصير نموذجًا.

ولأن مثل هذه القوانين تحتاج إلى مقومات كبيرة، في الإعداد والتنظيم والتخطيط والتنفيذ، وتبقى نسبياً محدودة، ومركزة في مناطق بعينها، فقد برزت الفئة الثالثة. والتي يمكن القول إنها أعلى مستوى من حرب الأملاك.

الفئة الثالثة: وهي الفئة الأكثر مرونة، وتطبيقها أكثر اتساعاً، سوى أنها فوق كل ذلك، الأكثر تعقيداً، لأن تطبيقها تتكفل به حزمة تشريعية متكاملة، وهو ما يستدعي شيئاً من التفصيل لأنه خوضٌ في فضاء قانوني – فني بحت.

والتفصيل المأمول ينتمي إلى مسارين :

المسار الأول:  يستلزم تنقيب عميق في آليات الإنفاذ والأدوات في القانون/ المرسوم الواحد.

والمسار الثاني:  وهو أوسع وأكثر تعقيداً يعتمد على ربط القوانين/ المراسيم فيما بينها، وتبيان الطابع التكافلي فيما بينها لتحقيق الأهداف المرسومة ذلك لأن التشريعات وفق خبراء القانون لا قيمة لها بحد ذاتها إلا إذا نُظِر إليها في سياق الظروف التي أدت إلى صدورها والأهداف التي ترمي إليها، والآليات المتاحة لمسار إنفاذها.

المسار الاول: السلبيات القاتلة 

كما أوضحنا سابقاً، فإن أكثر عمليات الاستيلاء على الأملاك يقف وراءها إما سلبيات في القانون نفسه، يمكن اعتبارها سلبيات قاتلة، أو أن تكون السلبيات في تناوب مواد أكثر من قانون، ومبدئياً نبقى ضمن المسار الأول، أي السلبيات القاتلة في القانون الواحد نفسه.

وأيضا زيادة في الإيضاح، ننطلق من أكثر القوانين إثارة للجدل، وهو القانون رقم 10 لعام 2018، والذي لقي انتقادات جاءت حتى من دوائر صنع القرار الدولية، لاعتبارهم أن القانون يضع حداً لإمكانية عودة اللاجئين والنازحين مستقبلاً إلى بلادهم.

القانون رقم 10 حظي باهتمام كبير، تشريحاً و تفنيداً، ومنها ما قدمته مبادرة الإصلاح العربي، في بحث لافت حمل عنوان ” قانون رقم 10 حول إعادة الإعمار: قراءة قانونية لاستملاك جماعي منظم في سوريا” ويمكن استنباط “السلبيات القاتلة”  وأبرزها : 

أولا: ورد في المادة الخامسة / فقرة ج أن “الوحدة الإدارية” من مهامها إجراء “مسح إجتماعي إلزامي” للسكان في المنطقة، في إقحام مستغرب ضمن قانون معني بالتنظيم العمراني، مثيراً تساؤلات مشروعة عن معنى “المسح الإجتماعي”، أسسه ومعاييره ونجاعته،  وأرجع البحث غرابة هذا الإقحام إلى ما يسمى في معايير الإجراءات التشريعية بأنه استغلال عملية التشريع لتمرير أحكام لمآرب خاصة خلسة أو ما  يعرف بالفرنسية  Cavalier législatif وبالإنجليزية Rider، أي إدخال نص قانوني في قانون لا يرتبط به بشكل مباشر أو غير مباشر بهدف تمريره بطريقة ملتبسة لأغراض معينة، وهو ما اعتُبر تبرير قانوني لما أثير سياسياً وإعلامياً بوصف القانون رقم 10 هو نمط من أنماط الهندسة الديمغرافية.

ثانيا: القانون ينفي التشاركية مع أصحاب المصالح لإنشاء المناطق التنظيمية (العمرانية) وحصره بيد السلطة المركزية. بل زاد على ذلك أن القانون نزع بشكل من الأشكال حقوق المالكين الفعليين، وجعل الوحدات الإدارية شخصية اعتبارية يمكن لها إبرام عقود مبادلة أو مشاركة مع أشخاص “اعتباريين”، مع بقاء عبارة “اعتباريين” عبارة مفتوحة على كل الاحتمالات، وهنا تكمن خطورة فتح باب إلى إهدار الحقوق، من خلال إحلال ملكية جهة إدارية محل ملكية خاصة، وتبلغ هذه الخطورة ذروتها مع تقييد إثبات الملكية ضمن مدد قصيرة (لا تتجاوز 60 يوماً) وعبر طرق بدائية، تقيدها موافقات أمنية، وظروف تجعل من المستحيل تحقيق عملية إثبات الملكية، ومنها ظروف النزوح والتهجير والوفيات و الإخفاء القسري والملاحقات بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، إضافة إلى تحديات إثبات الملكية في مناطق العشوائيات التي فتحت باباً واسعاً لأذرع الفساد وخصوصاً تلك المتواطئة مع السلطة للسطو على الأملاك.

ثالثا: تعميق مبدأ المصادرة والاستملاك المجاني لإنجاز الطرق والساحات والحدائق والمشيدات العامة..إلخ  بما ينطوي ذلك على نفي الحد الأدنى لمعايير الحماية الملكية، ومخالفة دستورية بما في ذلك الدستور الحالي (دستور عام 2012).

المسار الثاني: التغصّن 

كما ذكرنا سابقاً، فإن استغلال عملية التشريع لتمرير أحكام لمآرب خاصة Rider نرى أنه يتجاوز التشريع الواحد، ليكون هدف المنظومة التشريعية، أي أن الأهداف الخفية يجري التحايل عليها عبر حزمة قوانين ومراسيم تخدم بعضها بعضاً، واخترنا لها وصف “التغصن” بمعنى أن جميع هذه القوانين وإن تفرعت واختصت في مجال معين من المجالات، إلا أنها من الفرع أو الجذر ذاته، وضعت لتحقيق أهداف محددة.

ونؤكد في المقابل أن هذا التصور العام هو مجرد مؤشرات، ستجد لها متسعاً من التعميق في تحقيقات لاحقة، ويحتاج تأكيدها إلى دراسات قانونية -فنية معمقة لفهم مسألة سياق وظروف صدور القوانين، والتماس الجانب التكميلي والتكافلي بشكل تقني فيما بينها  لتحقيق أغراض الاستملاك والمصادرة على نطاق جماعي واسع.

وعلى سبيل المثال، يتحقق هذا التغصن في جملة قوانين منها القانون رقم 33 لعام 2017، الناظم لإعادة تكوين الوثيقة العقارية التالفة أو المفقودة، وكذلك المرسوم التشريعي 40 لعام 2012 قانون إزالة مخالفات البناء، وكذلك  القانون 3 لعام 2018 القاضي بإزالة الأبنية المتضررة لأسباب طبيعية أو غير طبيعية أو لخضوعها لقوانين تقضي بهدمها.

تلك عينة بسيطة لجملة قوانين، توقع أصحابها في فخاخ كثيرة منها على سبيل المثال، صعوبة إثبات قدم المخالفات، أو أن تتكفل منظومة الفساد، بما فيها القضاء، في ممارسات احتيالية في مسار إعادة تكوين الوثيقة العقارية التالفة أو المفقود، وهو أحد الأخطار المحدقة بالأملاك في حلب، على سبيل المثال.

صورة بناء مدمر في مدينة حلب العام 2015
صورة بناء مدمر في مدينة حلب العام 2015

تهاوي معيار “قوة الملكية”

آثرنا في مادتنا الممهدة هذه، استعراض سلبيات القانون الواحد، أو سلبيات تكافل أكثر من قانون، وكلتيهما بشكل أو بآخر وضعتا تنّوع أشكال الملكية في عين الاعتبار، تنهار معها أقوى أنواع الملكية، وهنا بات من الضروري ذكر أنواع الملكية في سوريا ودرجاتها.

وفق نادي المحامي السوري، فإن أقوى أنواع الملكية  “الطابو الأخضر” أو “السجل العقاري” كونه مسجلاً في مديرية المصالح العقارية. والنوع الثاني هو  “حكم المحكمة” وهذا النوع يعني أن مالك العقار لديه حكماً قطعياً مبرماً من محكمة مختصة يفيد بشراء صاحب العقار عقاره، والنوع الثالث أقل قوة وهو “التملك بموجب وكالة كاتب العدل غير قابلة للعزل”، ويعني أن مالك الحصة السهمية أو العقار ينظم عند الكاتب بالعدل وكالة تفويض بنقل وفراغ ملكية العقار وكالة غير قابلة للعزل، ويشترك بهذه الوكالة أن تكون مصدقة حديثاً، وهو ما يتعذر لدى كثير من السوريين في الوضع الراهن، إضافة إلى أن سبل احتيالية ممكنة في هذا الصدد مثل أن يقوم البائع بتنظيم عدة وكالات غير قابلة للعزل لعدد من الأشخاص، وهنا يكون الحق فقط لأول شخص وضع إشارة الدعوى.

وأخيرا أضعف أنواع الملكية، هو “عقد بيع قطعي مع ساعة كهرباء أو ماء”، وهذا النوع يكثر في مناطق المخالفات أو أملاك الدولة، حيث أن الملكية تعتمد على ورقة عقد موقعة بين الطرفين ويميل الطرفان إلى هذا النوع من الملكية لتدني أسعارها، ويعتمد مثل هذا البيع على حسن نية الطرفين إذ لا يعد مثلاً نقل ملكية عداد الكهرباء أو المياه سنداً للملكية ولا حجية لها.

وفي المحصلة، فإن أنواع الملكية، والتي يكون من بينها أيضا أراض زراعية، فإن كل نوع من هذه الأنواع، قوياً كان أو ضعيفاً، فقد ساهمت القوانين، وغياب قوة ردع قوية، وانتشارات مافيات مدعومة من النظام، إضافة إلى الدمار الكبير في الأملاك والنزوح، والملاحقات الأمنية، كل هذا ساهم في جعل إمكانية تقويض حق الملكية قوياً، وخصوصا إن توفرت إحدى الأهداف الداعية لذلك، في إطار ما يطلق عليه علماء الاجتماع بحرب القانون أي استغلال الأنظمة القضائية لتحقيق غايات سياسية أو عسكرية استراتيجية، وفق ما أشار إليه “سون هوغبول” في مقال ترجمه ونشره موقع “حكاية ما انحكت” 

حرب الأملاك 

بعد استعراضنا السريع، لفئات المصادرة، الفجة المحدودة، أو المواربة الواسعة بمساريها، إما بتفخيخ القانون بسلبيات قاتلة، أو التغصن بمعنى تكافل مجموعة قوانين لتحقيق غرض نزع الملكية والمصادرة، فإن من المناسب في ضوء ما ذكرناه عن حرب القانون، الإشارة إلى الدوافع الرئيسية.

و تتوزع الدوافع وتتنوع، في تأثيرها وتداعياتها، بدء من توفير مصادر دخل للنظام، أو إرضاء حلفائه ومؤيديه، وصولاً إلى تلغيم العقد الاجتماعي، بمعنى أن العبث بأملاك السوريين قد يهدد بصدامات لاحقة وعميقة.

و أكثر الدوافع خطورة، تتمثل في التغيير الديمغرافي، وخصوصا تلك الجارية في ضواحي مدن كبرى، أو في مناطق ذات أهمية استراتيجية لحلفاء النظام، والدافع الثاني هو معاقبة مناوئي النظام، والثالث توفير مصادر تمويل للنظام والجماعات المرتبطة به، ويحدث ذلك تحت عناوين، إعادة الإعمار، وإعادة التنظيم، والاستثمار السياحي والتطوير العقاري وغيرها من أوجه نزع الملكية والاستملاك.

وسنسعى في التحقيقات اللاحقة، إلى المضي في مساريْن، الأول عام يتناول طبيعة هذه القوانين وآثارها وتداعياتها واستشراف الحلول لتطويق أضرارها، والمسار الثاني القائم على نمذجة المشكلة، أي تسليط الضوء على تجربة محددة، في منطقة محددة، ودراستها في ظل دوامة قوانين تسعى إلى فرض واقع اجتماعي جديد فيها.

المادة السابقةأسعار متفاوتة للدواء في صيدليات جنديرس والرقابة “على المزاج”
المادة التاليةالعيش في غابة من دخان.. شتاء الأهالي في مخيمات الشمال السوري