تمتلك إدلب جهازي “بي سي آر” أحدهما مجاني للعموم خُصص لفايروس كورونا، والثاني خاص لأنواع مختلفة من الفيروسات لكن بتكلفة مرتفعة لا يمكن لمعظم المرضى في إدلب تأمينها.

مرضى التهاب الكبد ضحية ارتفاع تكلفة الـ “بي سي آر”

تزامن توفر أجهزة “بي سي آر” في إدلب مع انتشار فايروس كورونا في المنطقة، وحصرت صحة إدلب استخدام جهازها المجاني الوحيد لخدمة المرضى المصابين بالفايروس، بينما تغيب الخدمة عن مرضى آخرين ما يضطرهم لإجراء التحاليل المخبرية في مخبر خاص وُجد في الفترة ذاتها.

قبل هذا التاريخ كان مرضى التهاب الكبد يحصلون على التحاليل الخاصة بالفايروس عبر إرسال العينات إلى مخابر في مناطق النظام أو إلى تركيا، وبتكلفة أعلى من التي يدفعونها اليوم، لكن ذلك بقي حكراً على من يستطيع تأمين هذه التكلفة، إذ يتقاضى المخبر نحو خمسين دولاراً في كل مرة يحتاج مريض التهاب الكبد فيها إلى مراجعة طبيبه ليطمئن على سير العلاج.

غياب النسب والتحاليل المخبرية زاد من انتشار فيروسات التهاب الكبد، خاصة C و B، وهي أمراض وبائية تنتقل بالعدوى، وعند التأخر في كشفها وعلاجها قد تؤدي إلى الوفاة.

يقول وليد رعدون، مصاب بالتهاب الكبد منذ عامين، إنه كان يرسل العينات إلى دمشق للحصول على نتيجة التحاليل، وكان يدفع لقاء ذلك نحو خمسين دولاراً، إذ كانت تحاليل مخابر إدلب تقتصر على مراقبة خمائر الكبد بشكل دوري، دون القدرة على إجراء تحليل “بي سي آر” لعدم توفر الأجهزة.

رحلة العلاج كانت طويلة ومكلفة، يقول رعدون، لكن الكشف المبكر عن المرض والمتابعة الدورية ساهمت في شفائه، وهو ما لم يتمكن من تأمينه حسن سويدان، مصاب آخر بالتهاب الكبد.

تفاقمت حالة حسن ليصاب بـ “تشمع الكبد”، نتيجة تأخر الكشف عن المرض وتأمين تكلفة التحاليل والأدوية اللازمة.

يقول حسن إنه توقف عن تناول الأدوية وزيارة الطبيب منذ عام ونصف العام، رغم تحذيرات الطبيب، لكن الأمر تعدّى قدرته المادية.

يعيش حسن بعد نزوحه في أحد المخيمات، وبسبب انتشار المرض فقد شهيته على الطعام وخسر القسم الأكبر من وزنه. حال ذلك من قدرته على العمل في الوقت الذي كان عليه دفع نحو خمسين دولاراً كل ثلاثة أشهر ثمناً لتحليل “بي سي آر” ومثلها للتحاليل الأخرى المرافقة، ونحو مئة ليرة تركية شهرياً ثمناً للأدوية، كذلك معاينة الطبيب وأجرة التنقل.

 بدأت قصة حسن مع المرض منذ 2014، حين أصيب بالتهاب الكبد B، ترافق مرضه وقتها مع خلو المنطقة من أي جهاز “بي سي آر”، ما كان يجبر الأطباء على إرسال التحاليل إلى مناطق النظام والانتظار نحو شهر حتى تعود نتيجة التحليل. يقول “يمكن لو كان التحليل متوفر بإدلب ما كانت تفاقمت حالتي ووصلت لدرجة التشمع”.

التهاب الكبد يعيش بيننا دون تشخيص

لا نملك أعداداً دقيقة للمصابين بالتهاب الكبد في إدلب، وهم الأكثر حاجة لإجراء تحاليل طبية على جهاز “بي سي آر”، لكن بمتابعتنا مع أحد مراكز التبرع بالدم في إدلب تبين أن 2% من المتبرعين تظهر لديهم أعراض التهاب الكبد B، بينما تتراوح نسبة المصابين بالتهاب الكبد C من المتبرعين، بين 0.5 إلى 1% شهرياً، بحسب الدكتور يحيى بكار مدير مركز وطن3 للتبرع بالدم. يستقبل المركز نحو 900 متبرع شهرياً ويوجد في إدلب سبعة مراكز، وهو ما يعكس حجم المشكلة الحقيقي وحاجة المنطقة لتفعيل أجهزة التحليل المجانية.

وكان موقع فوكس حلب قد نشر تقريراً في سنة 2018 تحدث عن وجود أكثر من ألفي إصابة بالتهابي الكبد C و B في إدلب في سنة 2014.”

“بي سي آر” الآلية والتكلفة

 يستعمل الجهاز في تحليل إصابات الكورونا وتنميط الكورونا، وبعض الأمراض التنفسية مثل السارس” متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد”، إضافة لأمراض الكبد مثل التهاب الكبد B وC وحمى البحر الأبيض المتوسط والإيدز، ويوجد في المشافي العامة أربعة أجهزة واحد منها في إدلب وثلاثة في ريفي حلب الشمالي والشرقي، إعزاز وعفرين وجرابلس، بحسب مدير مخبر الترصد الوبائي في إدلب، والذي أرجع اقتصار عملها على الكورونا فقط، بسبب غياب الدعم اللازم لتشغيلها ضمن بقية الاختصاصات.

تقنية الـ “بي سي آر” إحدى التقنيات المخبرية الحديثة المستعملة في الأبحاث ودراسة بعض الأمراض الوراثية سواء الإنتانية أو الجرثومية، ولها الكثير من الاستعمالات بهدف التشخيص أو العلاج و متابعة العلاج، بحسب الدكتور خالد السويد، أخصائي الأمراض الداخلية، والذي قال إنهم كانوا يعتمدوا على عدة بدائل لتشخيص ومعالجة المرض قبل وصول الجهاز إلى إدلب، لكنها كانت أقل فائدة وقدرة على المساعدة في التشخيص مقارنة بالنتائج التي يمنحها الـ “بي سي آر” مثل تحليل العامل الاسترالي أو أضداد التهاب الكبد.

ويضيف السويد “يحتاج المصاب بأحد أمراض الكبد الفيروسية لإجراء التحليل بعد شهر من بدء العلاج، ثم بعد ثلاثة أشهر، ثم بشكل دوري كل ستة أشهر لمعرفة تعداد الفيروس وتحديد نشاط الفايروس من خموله”.

ويتابع “إن تأخر إجراء التحليل كان ينعكس بشكل سلبي على علاج المريض لأنه يؤدي لتأخر تشخيص الحالة وتأخر علاج المريض”.

ارتفاع ثمن الجهاز و نفقاته التشغيلية المرتفعة كانا سببا في امتناع أصحاب المخابر الخاصة عن اقتنائه، إذ ينبغي أن يستعمل المخبر الكيتات اللازمة للجهاز بعد فتح العلبة مباشرة، ما يعني أنه يجب أن ينتظر حتى يتجمع لديه عدد كاف من التحاليل يتناسب مع عدد الكيتات الموجودة ضمن العلبة أو سيضطر إلى تحميل المريض ثمن علبة الكيتات في حال كانت الحالة مستعجلة.

يتوفّر جهاز واحد في مخابر إدلب الخاصة، يقول الطبيب المخبري شهم مكي، إنهم يقومون بأجراء أربعة تحاليل لأنواع مختلفة من الأمراض، أهمها التهابي الكبد C وB”،  وتتراوح كلفة التحاليل الموجودة بين خمسة وعشرين إلى خمسة وخمسين دولاراً، وقد  منح وجود هذه التحاليل في إدلب القدرة للطبيب على مراجعة المخبر ومناقشته في نتائج التحليل، في حين لم يكن الأمر متاحاً خلال الفترات السابقة.

وجود “بي سي آر” في إدلب خفف من متاعب الحصول على التحاليل، لكن كلفته المرتفعة مقارنة بدخل الفرد قللت من الفائدة، إذ يأمل المرضى في الحصول على دعم من منظمات طبية لتجهيز مخبر بإمكانيات جيدة يحوي “بي سي آر” لمساعدتهم في الكشف المبكر عن الأمراض ومتابعة العلاج بشكل مستمر.

 

المادة السابقةمصابو الحروق .. نريد أن ننظر في المرآة
المادة التاليةالقمامة تغزو حلب