في جامع الصحابي أبي بكر الصديق بحي الصاخور في مدينة حلب، جلس المسؤولون وفئات الشعب المسحوق على بساط واحد، من أجل الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، مؤكدين لله ولقائد الوطن وللمصورين مدى إيمانهم وسعادتهم وهم يمارسون بروتوكولاتهم على الشريعة الإسلامية، بين جموع المؤمنين والمنافقين والفاسدين والمتطفلين على حد سواء.

وقد بدأ الحفل بتلاوة آيات مباركات من الذكر الحكيم بعد (الوقوف دقيقة صمت) بمحاولة منهم للصعود إلى الله في السماء السابعة، بأزيائهم ووجوههم الملائكية، والطلب من أن ينظر بعين الرضا والقبول إلى المواطنين في الأرض السابعة وأن تحل مشاكلهم الدنيوية الزائلة بجاه الحبيب المصطفى، ثم اعتلى المنبر الشيخ (جمال حماش) ليبدأ بسكب الإيمان على الحاضرين ورشهم بالغازات المسيلة للدموع، ودعاهم إلى التسليم بأمر الله وقضائه من أجل الخروج من الغمة والغلاء والبلاء الذي يبتلع البلاد، ثم طلب من المواطنين أن يتمثلوا خلق الرسول الكريم  من خلال الصبر والمصابرة واحتمال جشع التجار والحسبلة والترجيع مائة ألف مرة يومياً، لعل الدول الكبرى تسمع زقزقة العصافير في البطون الخاوية، وتفك الحصار عن الشعب المسكين، أما بالنسبة للحكومة فقد رجا الله أن يسدد رميهم في حقول التجارب التي تهدف إلى إنماء الحالة الوطنية التي بدأت تتهاوى إلى الحضيض.

وبعد الاستماع لبعض الأناشيد الدينية، وزعت حلويات (سوار الست) على الحاضرين، من أموال جمعها شيخ المسجد من المصلين في صلاة الجمعة السابقة للحفل.

(ومحمداه) بطعم الهولوجرام

لم تكن هذه الاحتفالات حكراً على هذا المسجد، بل امتدت إلى أغلب مساجد حلب وريفها من خلال تعليمات صارمة من مديرية أوقاف حلب لكي تتحول هذه الاحتفالات إلى حالة مهرجانية أشبه بأعراس الوطن.

جاءتني رسالة نصية بعنوان wamuhammda تدعوني إلى الدخول إلى موقع فيسبوكي، وبعد عدة إخفاقات مني للولوج إلى تلك الصفحة، بسبب ضعف معالج هاتفي ورداءة الشبكة، قررت الذهاب إلى العنوان المكتوب في الرسالة بشحمي ولحمي وأوجاع مفاصلي، والذي يقع في شارع الأعظمية الرئيسي بجاتب ملعب الحمدانية الدولي.

سحبتي الأناشيد الصادحة من أذني، إلى المكان المقصود، والذي يغص بالرجال والنساء والأطفال والأضواء والحلويات والمنظمين الذين يرتدون بدلات سوداء، وقمصاناً بيضاء، ولحى خفيفة المنابت، وقد شاءت المصادفة أني كنت أرتدي ذات الزي تماماً، حتى أن لحيتي كانت تشبه لحاهم، فطلب أحد المنظمين وهو يحمل جهاز نداء لاسلكي أن ألتزم بموقعي.

فقلت مستغربا: عن أي موقع تتحدث؟

فقال: في الصالة. ألست الأستاذ الذي أرسله الشيخ عبد الغني قصاب إلى هنا؟

فقلت باسما: لقد أرسلتني زوجتي لجلب بعض الخضروات، فشدني فضول لاستكشاف ما يحدث.

فقال بعد أن شعر بالارتباك: أهلا بك.. تفضل بالدخول.

دخلت وأنا أمضغ قطعة السكاكر -التي أعطاني إياها أحدهم -بين فكي، متفائلاً بفرجة تتناسب مع الترف الإعلاني في المكان، وتساؤلات تحدو خطواتي حول من يدعى (عبد الغني قصاب).

ممر أحد الأبنية تمت تزيين جدرانه بآيات قرآنية وأشعار مديح نبوية تبتلع جداريه، وزينة وأضواء غزيرة معلقة على السقف، وبضع كراس مصفوفة للانتظار قبل الولوج إلى بهو ضخم.

سألت شاباً بشوشاً عن الجهة المنظمة لهذه الفعالية؟ لتأتيني الإجابة، الشيخ عبد الغني قصاب، وإن كل م أراه من غرف موصوفة، وألوان مصفوفة، وأضواء ملفوفة، وأنغام معزوفة، وأموال مصروفة هي من جيب الشيخ الخاص، وما نحن إلا متطوعون لوجه الله وبمحبة رسوله.

الاسم عبد الغني قصاب، التحصيل العلمي: مجهول، مسقط الرأس: معر تمصرين، المريدون: شباب وطلاب من حلب وحماه وإدلب، المرجعية: تابع للعميد نوفل رئيس فرع الامن العسكري في إدلب بعد أن تمت معالجة وضعه.

يقطع أفكاري صوت شاب يدعو مجموعة المنتظرين للولوج إلى غرفة يتوسطها هرم بلوري، أخبرنا المسؤول فيها عن تقنية الهولوجرام وهي الفريدة من نوعها في حلب، والتي تقوم على إسقاطات ضوئية فوتونية موازية لتعزيز الواقع ثلاثي الأبعاد. وقد تم عرض مشهد يتحدث عن ولادة الرسول الكريم في عام الفيل. في غرفة أخرى استعراض هولوجرامي آخر عن بعثة الرسول.

وهكذا تنقلنا من مكان إلى مكان آخر بدعوة أحد المشرفين، حيث يتم استعراض جزء من السيرة النبوية أمام مجسمات ومصغرات ترتبط بالموضوع.

وأخيرا أمام باب كبير جلسنا ننتظر فتحه دخلنا إلى قاعة سينمائية كبيرة، عرض فيها مختصر كامل عن ولادة وبعثة وحياة النبي الكريم حتى انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

علقت صورة البوابة -والتي ترمز لحصن خيبر -في رأسي والتي كتب عليها كلمات تركز على الإمام علي فقط دون غيره من الصحابة (لأعطين الراية غدا لرجل…) في إشارة لفتح حصن خيبر تحت راية علي بن أبي طالب، بإسقاط واضح على واقع الحال.

عرفت ساعتئذ من هي الجهة الداعمة والممولة لهذا والمهرجان، والتي لا يستطيع أن يقوم بها فرد بذاته، إن لم تكن دولة ما وراء ذلك، تبحث عن أية وسيلة لترسيخ وجودها الثقافي والفكري والطائفي بعد الوجود العسكري الذي أصبح أمراً محسوماً على أرض يتقاسمها العالم بأسره.

المادة السابقةطلاب الجامعات في ريف حلب.. تحديات بالجملة
المادة التاليةالزيتون في عفرين .. قطاف قبل أوانه وبيع دون منافسة