قرية اليادودة غربي درعا - تجمع أحرار حوران
قرية اليادودة غربي درعا - تجمع أحرار حوران

بين أمّ في “اليادودة” زحفت بإصابتها تضم أكفان أطفالها الثلاثة، ودعتهم قبل دفنهم، ضمت صغيرها تريد قضاء الحياة معه، الحياة لا الموت، بعد صور إخراجهم القاسية من تحت أنقاض منزلهم في بلدة اليادودة بريف درعا التي تعرضت لقصف براجمات قوات النظام، بين فيديو الأم وتسجيل صوتي لأحد عناصر قوات النظام تم أسره من قبل مقاتلين في درعا يخاطب والدته بصوت خائف، تقابله تطمينات من آسريه وأمه في آن معاً، تلخيص للحكاية السورية.

“أنا بطفس أنا بخير” يقول علي الأسير، يخبر والدته عن رضّ في كتفه أيضاً، لتأتي كلمات والدته “لا تخاف أنت عندهم بخير”، إذن لن ينتقم أهالي درعا لقتلاهم من أسرى، هي درعا “الحرية”، لا درعا “الإرهاب وقاطعي الرؤوس”، هي درعا المنتفضة لكرامتها ومحاولات اقتحامها من ثلاثة محاور بعد حصارها لإرضاخها وفق شروط واتفاقيات مجحفة.

فيديوهات كثيرة نشرت خلال اليومين الماضيين لسيطرة مقاتلي درعا على حاجز للنظام وأسر عشرات الجنود، يقابلها تعزيزات لقوات النظام والفرقة الرابعة لما أطلقوا عليه معركة “تحرير درعا”، بعد ثلاث سنوات من اتفاقيات المصالحة، والتي حملت خلال أيامها اعتقال المئات من أبناء المدينة واغتيال مئات آخرين، إضافة لتهجير الآلاف.

وصور وفيديوهات نشرت لعودة القصف على درعا، أطفال ونساء، مدنيون ومقاتلون قتلوا في القصف، دمار جديد وأنقاض منازل، وكأن الحكاية تعود إلى بدايتها من جديد.

لم يتغير سلوك النظام في سوريا، هناك هوة من فقد الثقة لا يمكن التئامها، القبضة الأمنية واستعراض الأسلحة الثقيلة من دبابات وراجمات صواريخ، يضاف إليها التلويح دائماً باستخدام الطائرات الحربية حين تعجز الحلول الأرضية، ديدن النظام وقواته وحلفائه وميليشياته، يقابلها دعوات على وسائل التواصل الاجتماعي بمعاقبة أي مدينة أياً كان السبب والنتائج، ودعوات أقل وحشية بالنفي والتهجير القسري. هذه الدعوات يتصدرها عناصر يحاولون إثبات ولائهم ومدنيون موالون يحاولون في كل مناسبة نفي صفة الإنسانية والتعايش عن أنفسهم، خلفهم قادات يشعرون بالنصر مع كل هزيمة، ويتغنون به.

يعرف كل منهم الآخر، ويدرك النظام بعد سنوات من المصالحة صعوبة إخضاع من كسر حاجز الخوف، وإن كانت القبضة الأمنية والحصار تزيد من قساوة الحياة على السكان، لكنها لم تفلح بإخماد جذوة الثورة في درعا، متمثلة بمظاهرات واسعة تشهدها القرى والبلدات عند كل استحقاق، والمطالبة بالمعتقلين، والكتابة على الجدران بشعارات تمثل الحرية وإسقاط النظام، ما دفع قوات النظام وروسيا لإجراء تفاوض فردي في الأرياف، ومحاولة سحب جزء من السلاح الفردي وتهجير قسم من السكان، كان آخرهم مهجري أم باطنة في القنيطرة، وصولاً إلى معارك درعا البلد التي تصاعدت وتيرتها يوم الخميس الماضي.

ماذا يريد النظام من درعا

يسعى النظام بشكل أساسي إلى إحكام السيطرة على المحافظة بعيداً عن الشروط التي وافق عليها في العام ٢٠١٨، والعودة بدرعا إلى ما قبل العام ٢٠١١، ليمحي رمزيتها التي مثلت بداية ثورة ضد وجوده، والانتقام من صورتها العالقة في الأذهان، في كل مرة يحاول إظهار نفسه كمخلص لا جلاد، واكتساب شرعية رفض أبناء المدينة الثائرة منحها له.

لم يفلح النظام بذلك، في المناطق كافة التي دخلها على جثث أبنائها وأنقاض منازلهم، ما تزال معظم المدن فارغة من أهلها، وما يزال الخوف يسكن تصرفاته وسلوكه، يضاف إلى ذلك شعور دفين بأن هذه المدن لا يمكن أن تكون تحت حكمه من جديد، رغم المسرحيات الهزلية لاستقطاب أشخاص إليها، ومحاولة رأس النظام إثبات نصره في كل مناسبة، بزيارتها أو التصويت الانتخابي في داخل واحدة منها أو استضافة كركوزات يدعون له بالبقاء والأبدية.

انطلق النظام لإخضاع المحافظة من درعا البلد، وذلك بسبب رمزيتها، إضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يربط بين الحدود السورية الأردنية جنوباً ووصلها بأحياء درعا المحطة من بقية الجهات، و تقوم خطة النظام على إغلاق الطرق الرئيسية بين درعا البلد و مركز المدينة ضمن مجموعة من التشديدات  الأمنية على الأهالي، بعد مطالب من روسيا والنظام بتسليم كامل السلاح الفردي الذي كان يعتبر ضماناً لحماية المقاتلين أنفسهم، وفق ما نادى به الروس في اتفاق التسوية قبل ثلاث سنوات في العام ٢٠١٨، إضافة إلى مطلب وضع حواجز أمنية وعسكرية داخل درعا البلد، والقيام بحملة تفتيش على المنازل، وتسوية أوضاع المطلوبين في درعا البلد، وتهجير رافضي التسوية للشمال السوري.

قوبلت هذه البنود بالرفض نهاية حزيران الماضي، ما دفع النظام لبدء حصار خانق على درعا البلد يستهدف أكثر من خمسين ألف مدني للضغط عليهم وإجبارهم على الاستجابة لمطالب النظام.

تخلل الحصار خمس عمليات تفاوض، في كل منها حاول النظام رفع سقف مطالبه وسط تدخل هزيل من روسيا في اللحظات الأخيرة منعاً لانفجار الوضع عسكرياً، ليصل أخيراً إلى محاولة الفرقة الرابعة اقتحام أحياء درعا البلد، وما نتج عنه من فزعة أرياف درعا الشرقي والغربي والسيطرة على أكثر من عشرين نقطة عسكرية للنظام وأسر أكثر من مئة عنصر.

مساء طلب النظام العودة إلى طاولة التفاوض مع الشروط القديمة في آخر اتفاق لم ينفذ.. ومنذ يومين تتم الاجتماعات واللقاء دون الإعلان عن أي نتائج بين اللجنة الممثلة لأهالي درعا البلد من جهة وممثلي النظام والروس في الجانب الأمني من جهة أخرى، وفق سقف مطالب أعلى من قبل لجان درعا.

أصل الحكاية

في العام 2016 بدأت غرفة العمليات المشتركة لأصدقاء سوريا “الموك” دراسة اتفاق لفتح معبر نصيب مع المعارضة بضمانات دولية، لكن، وبعد عام ونصف العام من المفاوضات فشلت هذه الدراسة بسبب تعنت قادة الفصائل والخلاف على أحقية السيادة والعلم المرفوع فوق المعبر.

وفي العام ٢٠١٨، قررت الدول الفاعلة في الملف السوري في مجموعة أصدقاء سوريا قبول العرض الروسي بضمان أمن الجنوب في إطار اتفاق تسوية لمقاتلي المعارضة، وعدم ملاحقتهم والحفاظ على أمن الجنوب تحت مظلة الدولة السورية، عبر إنشاء قوات من بقايا فصائل المعارضة تابعة لروسيا وتعمل في الجنوب السوري فقط، إضافة لبنود أخرى تتعلق بتسليم السلاح المتوسط والثقيل، وإعادة الموظفين المفصولين والعسكريين المنشقين دون ملاحقة، والإفراج عن المعتقلين..

بموجب هذا الاتفاق الذي اطلع عليه قادة الصف الأول من فصائل المعارضة فقط، تم تسليم مناطق درعا بعد هجوم شنه النظام السوري في منتصف عام ٢٠١٨ وبدعم من الطيران الروسي، تبعه معارك هزيلة دون سلاح ثقيل، لإخضاع الأفراد وقادة الصف الثاني للقبول بالتسوية وتحسين شروط التفاوض التي قام بها النظام وروسيا في كل منطقة على حدة، وفق شروط مختلفة حسب مقدار التنازل من اللجان التي تشكلت لتمثل قراها ومناطقها.

حلم الحرية

رغم الاتفاقيات، استمرت عمليات الاغتيال، كذلك المظاهرات والكتابة على الجدران على مدار ثلاث سنوات لاحقة مطالبين بتنفيذ الاتفاق بخصوص المعتقلين، قوبلت الطلبات بالرفض وحوصرت البلدات والمدن، سحب جزء من السلاح وهجر أهال في المحافظة، كما حصل في حصار بلدة طفس (نيسان ٢٠٢٠)، والذي أفضى إلى اتفاق تسوية جديدة بنشر حواجز جديدة في البلدة.

تلك التسويات والتضييق لم تمنع أبناء درعا من الاستمرار في طلب الحرية بالتظاهر، وإنشاء مناطق شبه مغلقة تحت السلطة المحلية في الريف الغربي ومركزه طفس تحت قيادة اللجنة المركزية في ريف درعا الغربي، وفي درعا البلد تحت قيادة اللجنة المركزية في درعا، وفي الريف الشرقي تحت قيادة اللواء الثامن التابع من الفيلق الخامس بقيادة احمد العودة.

توحّدت اللجان الثلاث في درعا تحت لجنة واحدة للتفاوض مع التصعيد الأخير، تبدو الخيارات أضيق هذه المرة مع اتساع هوّة فقدان الثقة، وتعزيز الوجود الهش للضامن الروسي، شريك النظام في الانتهاكات وحاميه، كذلك ضعف المجتمع الدولي في اتخاذ قرار لصالح أبناء هذه المناطق المستباحة، يتركونهم لقدرهم وحيدين، إلا من مظاهرات خجولة في مناطق الشال السوري وبعض الترندات المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتثبت الفزعة كعبها العالي في مقابل الأجندات والقرارات الدولية.

الصوت المرتجف للأسير علي وتطمينات أمه وآسريه يوضح مرة أخرى كفة المفاضلة لصالح الثورة، خاصة مع وجود آلاف الصور لمعتقلين في مناطق النظام جرت تصفيتهم وتعذيبهم وتجويعهم، دون الأخذ بالاعتبار أصوات أمهاتهم التي اكتفت بالتوجه إلى السماء.

المادة السابقةمحافظة درعا.. محاولات الإخضاع وفزعة الثورة
المادة التاليةمربو الطيور في إدلب ينتجون طيوراً هجينة بمواصفات عالمية
باحث سياسي وصحفي من درعا، خريج علوم سياسية وحائز على عدة دبلومات في التنمية والإدارة. غادر سوريا في قوافل التهجير القسري بالعام 2018.