حي الزهراء بحلب -وسائل تواصل
حي الزهراء بحلب -وسائل تواصل

عامٌ كامل مضى على سيطرة قوات النظام السوري على حي الزهراء في مدينة حلب، بعد حصارٍ ومعاركٍ عنيفةٍ استمرت لأكثر من ثمان سنوات، تسبّبت بدمار الكثير من الأبنية وتضرّر البنية التحتية، ورغم تعهد حكومة النظام بإعادة تأهيل الحي وتفعيل الخدمات فيه، إلا أن الأهالي في جمعيات الزهراء ما زلوا يعيشون واقعاً يصفونه بـ “السيء والمأساوي”.

يقع حي الزهراء غرب مدينة حلب ويضم عدداً من الجمعيات، أبرزها جمعية الزهراء والتي تعتبر أكبر جمعياته، إضافةً إلى جمعية الأطباء، جمعية الصيادلة، جمعية المحامين، جمعية المهندسين مشروع 13، جمعية قرطبة، الجمعية الشعبية، وجمعية الاتحاد النسائي.

الأهالي محرومون من الكهرباء

تعتبر الكهرباء المشكلة الأكبر التي يعاني منها أهالي حي الزهراء، أبو غسان أحد سكان جمعية المحامين التابعة لحي الزهراء، عاد قبل سبعة أشهر إلى منزله، ليتفاجأ بالدمار الكبير الذي ينتشر في أرجاء المنطقة، فقام بإجراء الإصلاحات لبعض الأجزاء المتضررة من بيته على نفقته الخاصة، وقرر السكن فيه مجدداً، بعد أن أرهقته أجرة المنزل الذي كان يقيم فيه ضمن حي الجميلية وسط حلب.

يقول أبو غسان لفوكس حلب: “يفتقر حي الزهراء لأدنى الخدمات ويتعرّض للتهميش بشكلٍ كبير، فالكهرباء لا تصل إلى البيوت سوى ساعة واحدة طوال الأربع وعشرين ساعة، وخلال هذه الساعة تنقطع الكهرباء أكثر من مرة نتيجة الحمولة الزائدة، لذلك لجأ أغلب الأهالي إلى الاشتراك بنظام الأمبيرات، ما يُحملهم أعباءً إضافية، حيث تبلغ تكلفة الأمبير الواحد خمسة آلاف ليرة سورية أسبوعياً، ما يعني أن من يريد تشغيل الأجهزة الكهربائية في المنزل، فإنه يحتاج الى الاشتراك بثلاثة أمبيرات، أي 15 ألف ليرة سورية، وهو ما يعادل كامل راتب موظف حكومي في المدينة”.

ولم تقتصر معاناة سكان جمعيات الزهراء على انقطاع الكهرباء طوال اليوم، بل يعانون كذلك من جشع أصحاب المولدات وقلة أمانتهم، ففي كل مرة يقومون برفع سعر الأمبير، بحجة ارتفاع الدولار وغلاء المحروقات وتعرّض المولدات للأعطال، وسط غياب أي رقابة عليهم من قبل “محافظة حلب” التابعة للنظام، إضافةً إلى عدم التزام أصحاب المولدات بعدد ساعات التشغيل المحددة، وانقطاع الكهرباء أكثر من مرة خلال الفترة المخصصة، دون أن يقوموا بتعويض المشتركين عن فترة الانقطاع.

يضيف أبو غسان “أغلب أصحاب المولدات في الحي من الشبيحة والمرتبطين بالنظام ولواء القدس التابع لإيران، ويكسبون أموالاً طائلة من هذه المهنة، لدرجة أن بعضهم يستغل نفوذه ويقوم باستجرار التيار الكهربائي من أحد أعمدة الكهرباء التي تغذي بعض المؤسسات الحكومية، ويقوم بتوصيلها الى الأهالي وتقاضي الأموال منهم، على أساس أنها كهرباء من المولدة”، مشيراً إلى “اندلاع أكثر من مشاجرة بين الأهالي وأصحاب المولدات في الحي، بسبب عدم التزامهم بساعات التشغيل ورفع سعر الأمبير”.

ويشتكي أهالي حي الزهراء كذلك من عدم إنارة الشوارع بالكهرباء، ولاسيما ضمن الشوارع الفرعية، ما يُسبّب حالةً من الخوف والقلق لديهم، ويمنع معظمهم من الخروج ليلاً خوفاً من السرقة والخطف.

وفي ظل نداءات الأهالي المتكررة وتذمرهم من سوء واقع الكهرباء، زعم “مجلس مدينة حلب” التابع للنظام، أنه يقوم بتنفيذ مشروعين للإنارة في منطقة جمعية الزهراء: الأول مشروع إعادة تأهيل الإنارة في شوارع غربي الزهراء، حيث يتم تأهيل الإنارة في بعض شوارع الحي، ومنها الشارع الممتد من دوار قرطبة إلى القصر العدلي، وأطراف الحديقة الدولية، ومن دوار قرطبة إلى المالية وبعض الشوارع الفرعية، أما المشروع الثاني يشمل إعادة تأهيل الإنارة في المتحلّق الثالث، حيث يتم حالياً تأهيل البنية التحتية التي تعرّضت للدمار.

وحين سألنا أبو غسان عن ذلك، أفاد أن لديه أقارب في تلك المناطق التي أدّعى “مجلس مدينة حلب” أنه يعيد الإنارة إليها، وأنهم أكدوا له أن الشوارع فيها ما تزال غارقةً في الظلام، ولم تصل أي ورشات صيانة لإنارة الشوارع بالكهرباء.

يعتبر واقع المياه أفضل نسبياً مقارنةً بالكهرباء، حيث يتم ضخ المياه لـ 20-24 ساعة كل أربعة أو خمسة أيام، وزعمت “مؤسسة مياه حلب” التابعة للنظام على صفحتها الرسمية على الفيس بوك قبل أيام، أنها ستقوم بزيادة ساعات ضخ المياه الى 36-40 ساعة في أحياء غربي حلب بما فيها حي الزهراء، لكن بعض الأهالي الذين تواصلنا معهم أفادوا أنهم لم يلمسوا أي تحسّن في وضع المياه حتى الآن.

التنقّل مشكلة تزعج سكان الحي

المواصلات هم آخر يُضاف إلى هموم أهالي حي الزهراء، فوسائل النقل قليلة للغاية ولا تكفي لتخديم كل سكان الحي، فلا يوجد سوى شركة “القمة” الخاصة للنقل، إضافةً إلى مجموعة من السرافيس، والتي تشهد ضغطاً كبيراً وتسبّب مشاكل بين الركاب.

تقول أم ياسين من أهالي جمعية قرطبة: “نعاني كثيراً من مشكلة المواصلات، فحافلات شركة القمة الخاصة لا تخدّم كل الجمعيات، ويضطر الركاب للانتظار وقتاً طويلاً حتى تأتي الحافلة، التي تكون مكتظةً بالركاب، وهو أمر غير مقبول خاصةً في ظل انتشار فيروس كورونا، أما السرافيس التي تخدّم الحي فهناك (خط شارع النيل)، لكن لا يُسمح له بالدخول إلى الحي، ويتوقف فقط عن دوار العمارة على طريق المحلق شرقي جامع الرسول الأعظم”.

تضيف أم ياسين لفوكس حلب “السرفيس الوحيد الذي يدخل حي الزهراء هو (خط جمعية المهندسين)، حيث يدخل إلى هذه الجمعية فقط المتواجدة جنوب حي الزهراء، وبالتالي يضطر الأهالي الى ركوب تكسي للوصول إلى باقي الجمعيات، وهو ما يُحملهم تكاليف باهظة، حيث أن أقل أجرة تكسي تبلغ ألفي ليرة سورية، فكيف لموظفة مثلي راتبها ستون ألف ليرة سورية شهرياً تحمّل مصاريف التكسي؟!!!. أهالي الحي مستاؤون من هذا الوضع، ويطالبون المحافظة بحل مشكلة المواصلات بأسرع وقت”.

شوارع وَعرة ومتسخة وحدائق جرداء

بقي حي الزهراء طوال ثمان سنوات خط اشتباك وساحة للمعارك، إضافةً لتعرضه للقصف العنيف من قبل النظام، ما تسبّب في حدوث دمارٍ كبيرٍ ضمن الحي، حيث تعاني الشوارع من انتشار الكثير من الحفر التي تعيق حركة السيارات، وتتحول إلى برك مائية وطينية في الشتاء تؤثر على المارة والسيارات، فضلاً عن تضرّر معظم الأرصفة.

وتعتبر “حفرة المول” الموجودة على الأوتوستراد العام، مصدر قلقٍ لأهالي حي الزهراء، كونها تمتد على مساحة كبيرة وعميقة، الأمر الذي يُشكّل خطراً على المارة وخاصةً طلاب المدارس والأطفال، إضافةً الى أنها تحوّلت لمكبٍ للنفايات، وتؤدي إلى انتشار الحشرات والروائح الكريهة في الصيف.

وتعود حفرة المول إلى ما قبل سنوات الثورة، حيث قام “مجلس مدينة حلب” حينها بإنشاء حفرة كبيرة لوضع الأساسات وبناء مول للتسوق، لكن تم إيقاف المشروع مع اندلاع الثورة، وبقيت الحفرة منذ ذلك الوقت، ومع زيادة شكاوى الأهالي، تم وضع سياج حديدي حولها لكن تمت سرقته، والى الآن تسبّب الحفرة مشكلة كبيرة لسكان الحي.

وكانت جمعيات الزهراء تشتهر بانتشار الحدائق فيها، لكنها تعرّضت للقطع الجائر والإهمال، وتحوّلت إلى مساحاتٍ جرداء ومكبٍ للنفايات، تقول أم ياسين: “نطالب بإعادة تشجير الحدائق وصيانتها، فهي المتنفس الوحيد لنا ولأطفالنا، كما نطالب بنشر حاويات القمامة في الحي وترحيل القمامة بشكلٍ يومي، فانتشار النفايات في الجمعيات أمر مزرٍ للغاية”.

غياب المؤسسات الخدمية

يفتقر حي الزهراء إلى المؤسسات الحكومية المسؤولة عن توفير الخدمات للأهالي، فعلى الصعيد الطبي لا يوجد أي مشافٍ أو مراكزٍ صحية، سوى مركز وحيد تابع “لمنظمة الهلال الأحمر”، قرب جامع كعب بن مالك في جمعية قرطبة، وبالتالي يضطر الأهالي للتوجه الى المراكز الصحية والمشافي الموجودة في الأحياء المتاخمة (الشهداء-حلب الجديدة-الفرقان).

ويشتكي السكان كذلك من عدم وجود أفران ضمن الحي، ويحصلون على الخبز عبر المعتمدين، الذين يتحكمون بسعر الخبز، إضافةً الى أن الكميات لا تكفي كل الأهالي، وجودته سيئة أحياناً، ويقوم أغلب المعتمدين بتوزيع الخبز في ساعات الصباح الأولى، وهي مشكلة تزعج سكان الحي.

ويتواجد في جمعيات الزهراء ثلاث مدارس فقط، اثنتان منها مؤهلتان (امرؤ القيس، وعليا بنت المهدي)، أما مدرسة البيروني فهي خارج الخدمة حالياً، ولا يوجد للأطفال سوى روضة واحدة خاصة، وهناك معتمد غاز واحد لكل الحي متواجد عند دوار قرطبة.

تقول أم ياسين من أهالي جمعية قرطبة: “نعاني من الارتفاع الكبير في الأسعار، وما يزيد الأمر سوء، عدم وجود صالات استهلاكية نستطيع من خلالها شراء السلع بأسعارٍ مقبولة، حيث يوجد في كامل الحي صالة استهلاكية واحدة على المحلّق الثاني غربي الحي، لكن لم يتم افتتاحها حتى الآن رغم إعادة تأهيلها قبل أشهر”.

ويعاني سكان حي الزهراء أيضاً من انقطاع الهاتف الأرضي والانترنت بشكلٍ متكرر نتيجة سرقة خطوط الهاتف، حيث يأخذ السارق الحزمة بشكلٍ كامل، فهناك حزم فيها ١٨٠٠ خط، وبعد شكاوى متكررة من السكان، حتى تقوم مؤسسة الهاتف بإعادة تركيب خطوط جديدة لإعادة تشغيل الهاتف والانترنت.

وتعرّض حي جمعية الزهراء لحصارٍ منذ عام 2012، وتحوّل لخط اشتباك بين قوات النظام وفصائل المعارضة، ورغم سيطرة الأسد على كامل حلب نهاية 2016، بقي حي الزهراء يشهد معارك متقطّعة، الى أن تمكن النظام من السيطرة عليه بالكامل منتصف شباط من العام المنصرم، بدعمٍ من روسيا وميليشيات إيران.