تغيب اللافتة والواجهة الزجاجية ومعها “الستاندات” المعدنية عن دكاكين المخيمات ، كذلك عن دكان أبو مصطفى في مخيم جنة القرى بريف إدلب الشمالي.

وحدها أكياس الشيبس المعلقة على حائط الدكان ما يميزه عن الخيم الاسمنتية . في الداخل تضيق الرفوف، ويقصر ارتفاعها لتحمل ما خف وزنه ورخص ثمنه.

يجلس أبو مصطفى على مقعد من الخشب والقش مستذكراً محله الكبير في جبل الزاوية، يقول إنه بنى دكانه الجديد بجوار خيمته الاسمنتية في مساحة لا تتجاوز 16 متراً مربعاً ليحافظ على مهنة لا يتقن غيرها، ولتسد أرباح هذا المكان بعض حاجيات أسرته.
تنتشر العشرات من دكاكين المخيمات المنشأة حديثاً نتيجة النزوح، ويأمل أصحابها أن تعود عليهم ببعض الأرباح التي تعينهم على أكلاف الحياة، المحظوظ منهم من امتلك بعض المال وافتتح محلاً بجوار سكنه، في حين قام آخرون بقسم خيمة السكن لقسمين وتخصيص أحدهما للبيع.

بينما أفرغ بعضهم خزانة ملابسه وملأ رفوفها بالسلع الغذائية، أما النساء فاكتفين بوضع بضائعهن على لوح من الخشب تحمله صناديق الفلين.

“مول” المخيم

تتنوع السلع المتوافرة في دكان أبو مصطفى “مواد تموينية، قرطاسية، أدوات منزلية، حلويات” في خطوة لتوسيع تجارته وزيادة هامش ربحه وسد احتياجات الأهالي.

دكاكين المخيمات
دكاكين المخيمات

يطلق سكان المخيم لقب ” المول” أو” المقهى” على دكان أبو مصطفى نتيجة تنوع البضائع الموجودة داخله يقول أبو محمود “مقيم في المخيم” إنهم يستطيعون شراء “الحلويات النمورة والشعيبيات إضافة إلى قرطاسية المدرسة، وأنواع قليلة من الأدوية -البانادول. البروفين -فضلاً عن العدة الصغيرة لبعض المهن كالخياطة والنجارة والبناء”.

يتحول المكان ليلاً إلى مقهى يجمع أصدقاء أبو مصطفى للعب الورق وتبادل الأحاديث عن مغامراتهم في قراهم. يقول أبو محمود “سهرات الدكان تجمعنا بعيداً عن النساء وضجيج الأولاد في الخيم الضيقة”.

ما يشبه الدكان

فقد حسن الخليل “نازح مقيم في مخيم مريمين” عمله في مغسل للسيارات وعجز عن العثور على عمل آخر، ما دفعه للعمل ضمن الخيمة عبر إفرغ خزانته من الثياب واستبدالها بالسلع والمنتجات الغذائية.

يشتري سكان مخيم مريمين الاحتياجات الأساسية والخضار من القرية المجاورة، إذ يعجز الدكانين المتواجدين ضمن المخيم عن تأمينها، في حين اقتصرت البضائع الموجودة في خزانة حسن على بعض المواد التموينية ومستلزمات الأطفال، ويدر عليه ما يكفيه لشراء خبز لعائلته.

يرى حسن أن ما يمنعه من توسعة دكانه أو استقلاليته هو انعدام رأس المال الذي يمكنه من إضافة بناء جديد أو استجرار أصناف جديدة.

دكاكين المخيمات
دكاكين المخيمات

قسم محمود العثمان خيمته بواسطة ستارة قماشية إلى قسمين، رتّب في الأول بضاعة الدكان ووضع في الثاني أثاث خيمته، يقول إن دكانه يحتوي سلعاً بسيطة أغلبها مواد تموينية أساسية مثل الشاي والسكر والمعلبات، ورغم  كونه صاحب الدكان الوحيد في المخيم  إلا أنه غير قادر على الاستمرار بعمله، فغلاء الأسعار ومحاولة غالبية سكان المخيم الاكتفاء بالمساعدات المقدمة من المنظمة، قلصا قائمة المشتريات ما انعكس على مرابحه.

ويضيف أن أقصى ما يتمناه في الوقت الحالي هو الاستمرار بعمله في الدكان لسد رمق عائلته وتأمين متطلبات الحياة الصعبة لدى النازحين، إذ أصبح دخله لا يكفي لشراء البضاعة الجديدة وتعويض النقص الموجود.

صناديق سيارات وبسطات من فلين

تنتشر في المخيمات عشرات البسطات، تبيع “العلكة والشيبس والبسكويت”، في محاولة من أصحابها لإيجاد دخل بسيط يسد بعض احتياجات العائلة.

تقول أم صبري وهي ( تمتلك بسطة في مخيم العثمان) : ”  لم أجد بعد وفاة زوجي سوي هذه البسطة كعمل لي كوني مصابة بمرض الروماتيزم ، “إنها مصدر رزقي الوحيد كي لا نموت جوعاً أنا وأولادي”.

دكاكين المخيمات
دكاكين المخيمات

بينما قرر عبد الباسط “نازح من جبل الزاوية” أن يستفيد من صندوق سيارته المركونة بجانب خيمته في مخيم “آل العثمان” وعرض بضائعه من البهارات والتوابل، في محاولة للحصول على أي مصدر للدخل وللاستفادة من السيارة التي كان يستعملها سابقاً في توزيع المواد الغذائية على محلات جبل الزاوية.

يعيش عبد الباسط كباقي أصحاب الدكاكين على ما تدره عليهم من مال، يقول “لا تكفي للإنفاق على أسرة أو شراء ما يحتاج من مستلزمات بسيطة لكن الرمد أسهل من العمى”.

عالحساب معلّم

تعتمد غالبية تلك المحلات على البيع بالدين بسبب الأحوال الاقتصادية السيئة لسكان المخيمات، يدخل ربيع “١٤ سنة” إلى دكان أبو مصطفى لشراء كيلو سكر وعلبة شاي، يتناول الفتى من صاحب المحل حاجياته دون أن ينقده ثمنها وينصرف مكتفياً بكلمتين ” عالحساب معلم”.

يقلب أبو مصطفى صفحات دفتر الدين ويكتب السلعة وثمنها على الصفحة التي تحمل اسم والد ربيع.

يقول أبو مصطفى إن ديونه أصبحت كثيرة إذ يعتبر البيع بهذا النمط وسيلة الأهالي الوحيدة للشراء، بعد فقدان كثير منهم لفرص عملهم وانخفاض أجور من ملك عملاً منهم لاسيما عمال المياومة.

لا يلزم أبو مصطفى زبائنه بالدفع ضمن مدة زمنية محددة، فهو يعلم أحوالهم ويعلم أنهم لا يستطيعون السداد إلا على دفعات ما يعني أنهم قد يستدينون مبلغاً جديداً قبل سداد ثمن البضائع القديمة، ما أثر على تجارته وامتلأت صفحات دفتره بالديون.

دكاكين المخيمات
دكاكين المخيمات

بينما يقول أبو عمران “أحد سكان مخيم جنة القرى” لا يوجد أمام الفقراء سوى اللجوء إلى دفتر الدين لتوفير الحاجيات الضرورية لأسرهم وتخطي الضائقة المالية، على أمل الحصول على مساعدة من إحدى المنظمات وسداد الدين، وتساعد هذه الطريقة أصحاب المحلات في بيع بضاعتهم قبل كسادها”.

يرى من تحدثنا معهم أن مهنة ” الدكنجي ” لم تعد مجدية  كسابق عهدها، خاصة بوجود دكاكين المخيمات في بيئات تصنف تحت خط الفقر، في حين بدأت تغيب العلاقة الخاصة بين الدكان والطفل الذي كان يجده مكاناً محبباً بما يحتويه من سكاكر وبسكويت، نتيجة ارتفاع أسعارها وضعف الموارد المادية للسكان.