الصفحة الرئيسية تغطية ميدانية مرضى حساسية القمح في الشمال السوري مصاعب الحمية النادرة

مرضى حساسية القمح في الشمال السوري مصاعب الحمية النادرة

يمارس حسين (والد لطفلة مصابة بمرض حساسية القمح أو السيلياك) دور الشرطي على الأغذية التي تتناولها طفلته بعد تحذيرات الطبيب من تفاقم المرض دون حمية. يفتش في مكونات كل ما يحمله من مأكولات للتأكد من خلوها من مادة “الغلوتين” المسببة لهذه الحساسية.

وحساسية القمح أحد أمراض المناعة الذاتية المزمنة، ويصنف بـ “حساسية تجاه الغلوتين الذي يوجد في القمح والشعير يصيب الأمعاء الدقيقة بسبب عدم قدرتها على هضمه ويسبب التهاباً وتلفاً في البطانة المعوية وتكدس في الخلايا اللمفاوية الميتة”.
ويعالج مرضى حساسية القمح ببعض الأدوية والفيتامينات، إلا أن العمود الفقري لعلاجهم يقوم على الحمية غير المتوفرة في مناطق شمال غرب سوريا ما يضطرهم للبحث عن بدائل في الدول المجاورة أو اجتراج حلول لإيجادها.

لا طاقة لنا على الحمية

يدخل في حمية حساسية القمح كل ما يحتوي على الغلوتين من قمح وشعير وما يشتق منهما من برغل ومعكرونة  وكذلك الكثير من النشويات. ويعتمد المصابون على الذرة والأرز واللحوم والخضار في طعامهم وهو ما يزيد من أعباء المرضى. خاصة مع انعدام وجود حلول بديلة في المنطقة أسوة بباقي الدول التي يتواجد فيها أغذية خاصة بمرضى “السيلياك”، ناهيك عن الكلفة العالية في حال تم استيرادها.

ويمثل الخبز الركيزة الأساسية في طعام السوريين إلا أنه يغيب عن موائد المصابين بحساسية القمح، تقول منى الصالح وهي مهجرة من ريف دمشق إنها تحتاج شهرياً لمئة وخمسين ليرة تركية (ثلث راتب عامل في مناطق المعارضة) لتأمين دقيق خالٍ من الغلوتين لصناعة خبز “حميتها”. وتقوم بشرائه من تركيا.

يبلغ سعر الكيلو غرام من هذا الدقيق أربع عشرة ليرة تركية، يدفعها زوج منى كل ثلاثة أيام، وتقوم منى بخبزها. تقول “إن هذه الكلفة لا تتناسب مع مدخول زوجها. إلا أن صحتها تحسنت بعد اعتمادها عليه والتزمت الحمية بشكل كامل”

تخبرنا منى أنها فشلت بالعثور على الخبز وأطعمة خالية من الغلوتين في الشمال السوري ما دفعها للبحث عن بدائل عبر استخدام دقيق الذرة والأرز لصناعة “خبز وحلويات خاصة” تناسب حالتها الصحية”.

ويفاقم غياب وجود مثل هذه الأطعمة الخاصة معاناة عشرات المصابين بالمرض، ويرفع من أسعار المواد التي تأتيهم عبر “التوصية” عليها من تركيا أو مناطق النظام.

حمية بصناعة بيتية

زوجة حسين (من مدينة إعزاز بريف حلب الشمالي) وابنتيه يعانين من مرض حساسية القمح، وتأمين الأطعمة المناسبة لهن يفوق قدرته المادية. يقول “إن أكثر ما يمنع الالتزام بالحمية اللازمة لهذا المرض هو ضعف المدخول المادي مقابل ارتفاع ثمن المواد الغذائية الخاصة”، لذلك كان لابد من إيجاد طرق بديلة لاسيما أن خبز القمح يعتبر مادة رئيسة مع كل وجبات الطعام.
وجد حسين عشرات الوصفات لأطعمة خاصة بحساسية القمح عبر شبكات الانترنت، لكن فقدان طحين الذرة أو الأرز من الأسواق وقف عائقاً أمام تطبيقها، ما دفعه للاعتماد على المطاحن المحلية للحصول على طحين الأرز، “لكن تلك الطريقة لا تمكنك من الوصول للجودة المطلوبة بالطحين لتحويله لخبز ما أجبرني على الاعتماد على مكونات أخرى مثل الحليب أو اللبن ليصبح تحضيره بكلفة أكبر”.

تعتمد عائلة حسين على الخضروات كوجبة رئيسية وقد تأقلمت مع تناولها دون خبز رغم صعوبة الأمر، كما اعتادت زوجته على تصنيع الحلوى من طحين الأرز والذرة كحالة من حالات التعايش مع المرض.

يقول حسين إنه يلتزم بالحمية مع عائلته ولا يطالب زوجته بإعداد أي نوع من الأطعمة التي تحتوي القمح، يدفعه لذلك “إحساسه بالعائلة والتخفيف عن طفلتيه ورغبتهما بتناول المأكولات التي يمنع استخدامها كالحلوى والبسكويت”.

حساسية القمح “خطورة وسرية”

لا توجد إحصائية بأعداد المصابين بمرض “السيلياك” في المنطقة، ولا تولي المنظمات الإنسانية الداعمة أي عناية لمرضاه، إذ تفتقد السلال الإغاثية لمثل هذه الأنواع من الأطعمة.

ويتأخر غالباً اكتشاف المرض، وقد يدوم لسنوات، وذلك لتعايش المرضى معه باعتباره لا يتعدى “الألم البطني” من جهة، وصعوبة الكشف عنه، إذ يحتاج تشخيصه لعدد من التحاليل وتنظير للأمعاء إضافة لخزعة تؤخذ من المنطقة المصابة.

تقول منى إنها لم تكتشف إصابتها بحساسية القمح إلا بعد زواجها بستة أشهر. تروي “لم أشتك من أعراض سوء الامتصاص قبل الزواج، ونتيجة ظروف الحصار في جنوب دمشق لم يتسنى لي مراجعة طبيب مختص إلا بعد ستة أشهر من الزواج، وبعد التحاليل وأخذ خزعة من الأمعاء تبين أن لدي سوء امتصاص من الدرجة الثانية، وأجمع الأطباء الذين راجعتهم على أن الحمية الدائمة عن الأطعمة التي يدخل ضمن مكوناتها القمح والشعير هي العلاج الوحيد لحالتي”.

ويقول طبيب الهضمية إن حالات عديدة تراجع عيادته لمرضى مصابين بالسيلياك، ويصفه بـ “المرض الخطير”، إذ يصعب التعامل معه. حيث ينتج المرض عن جينات وراثية ويصيب الرجال والنساء والأطفال على حد سواء، وله مضاعفات كثيرة في حال إهمال الحمية مثل فقر الدم وترقق العظام، وقد تصل إلى “لمفوما الأمعاء الدقيقة” الذي يعتبر من الأمراض الخطيرة خاصة على الأطفال.

ويضيف السويد إن العلاج الوحيد هو التزام الحمية الغذائية الخالية من الغلوتين مدى الحياة، مع تناول الأدوية المقوية والفيتامينات وأدوية نقص الحديد وفقر الدم، وهو يعتبر من الأمراض المزمنة ما يسبب صدمة نفسية للمرضى تترافق مع شعور بحالة من اليأس قد تصل بهم حد الإصابة بالاكتئاب.

ويرى ذوي المرضى الذين التقيناهم أن هذه الفئة من المرضى تعيش دون رعاية من المنظمات أو المؤسسات الصحية، في حين يعاني ذويهم من العثور على الوجبات المناسبة لحالتهم.