فوكس حلب

مجلة الكترونية تغطي أخبار محافظة حلب وعموم الشمال السوري.

مشهد تمثيلي لإحدى المشاركات في "حملة 16 يوم".

العنف الجسدي والفقر يزيد من محاولة الانتحار بين النساء في الشمال السوري

منيرة بالوش

تحرك إيمان (١٩ عاماً) جسدها بصعوبة بالغة. تحاول أن تعدل من طريقة جلوسها متكئة على وسادات وضعت خلف ظهرها لمساعدتها بعد أن تعرضت لكسر في الفقرات والحوض والذراعين نتيجة قفزها […]

تحرك إيمان (١٩ عاماً) جسدها بصعوبة بالغة. تحاول أن تعدل من طريقة جلوسها متكئة على وسادات وضعت خلف ظهرها لمساعدتها بعد أن تعرضت لكسر في الفقرات والحوض والذراعين نتيجة قفزها من شرفة منزل عائلتها في الطابق الثاني محاولة الانتحار.

ليس جسدها المكسر وحده ما يؤلمها. إذ ترتسم تحت عينيها هالة سوداء نتيجة الأرق، تقول إنها لا تستطيع النوم لما تعانيه من “ألم نفسي وتأنيب ولوم لما فعلته”.

الطلاق وصمة عار

يشكل الطلاق عبئاً على النساء اللواتي لا يعشن حياة سليمة مع أزواجهن. ورغم وجود الأسباب الموجبة له من ضرب وإهانة أو خيانة وغيرها من الأسباب إلا أن عائلات كثيرة ترفض طلاق بناتهن. ويطلبن منهن الصبر على ما يعانينه خشية نظرة سلبية تطال المطلقة. إضافة لقلة الفرص لزواجها من جديد. كذلك الخوف من تأثير هذا الطلاق على “سمعة أخوات المطلق ما يؤدي إلى عدم الرغبة بالزواج منهن”.

تروي إيمان (من ريف حلب الغربي) إن زواجها استمر أربع سنوات قبل طلاقها، وأنها حاولت قتلت نفسها نتيجة المعاملة التي وصفتها بـ “السيئة” من قبل عائلتها الرافضة لطلاقها.

تقول “كنت أتعرض للعنف والضرب المبرح من قبل زوجي. الكدمات تملأ جسدي وما زلت أعاني من صداع شديد نتيجة ضربه لي على رأسي. تسبب الضرب الذي كنت أتلقاه بإجهاضي أيضاً ولم أعد قادرة على الاحتمال”.
لم يختلف الحال في منزل عائلتي تخبرنا إيمان “كانوا يضربونني أيضاً. أعيش بما يشبه الإقامة الجبرية ويمنع على رؤية أصدقائي أو جيراني. ولا يسمح لي بالخروج إلى أي مكان”، ما دفعها للتفكير بإنهاء حياتها، تقول.
ليست إيمان الوحيدة التي قامت بـ محاولة الانتحار للتخلص مما أسمينه “ضغوط المجتمع المحيط بهن”. إذ فشلت دعاء، وهي “فتاة في السابعة عشر من العمر من شمال إدلب”، بالانتحار رغم محاولتها لمرات عديدة.

تقول دعاء إنها أيضاً تتعرض للضرب المستمر من زوجها وتخبرنا “جرحت يدي بشظايا الزجاج. حاولت طعن نفسي بسكين. وفي المرة الأخيرة منعني زوجي من تناول حبة غاز الفوسفين (حبة قاتلة تستخدم لتعقيم الحبوب في المخازن) في اللحظة الأخيرة”.

كان الضرب مجدداً عقوبتها على محاولة الانتحار. تقول دعاء إن زوجها لم يتكلف عناء السؤال عن الأسباب التي دفعتني لذلك.

تزوجت دعاء وهي لم تتجاوز الرابعة عشر من عمرها تقول إنها كانت تلعب في الحي مع أولاد الجيران في النهار، وفي الليل يقفل عليها باب الغرفة لتتحول إلى امرأة “بعقل وقلب وجسد طفلة” ، لا تعرف أدنى المعلومات عن الحياة الزوجية ومتطلباتها وهذا ما جعل زوجها يضربها كل ليلة ويسبب لها الأذى النفسي والجسدي.

حاولت دعاء الخلاص من زوجها بالطلاق غير أن أهلها رفضوا الفكرة تماماً خوفاً من كلام الناس وتعليقات المجتمع الرافض لفكرة الطلاق، لتبقى دعاء حبيسة الضرب والعنف من قبل زوجها.

لماذا يحاولن الانتحار

ترجع سوسن الطويل “عاملة الدعم النفسي والاجتماعي” تزايد حالات الانتحار للفتيات الشابات في مناطق الشمال السوري إلى الضغوط النفسية المستمرة عليهن، سواء من المحيط المقرب كالأهل والزوج أو من المجتمع، كما يلعب الفقر وضيق الحالة المادية جراء النزوح والتهجير دوراً في ذلك.

تقول” الطويل ” إنها واجهت أثناء عملها كداعمة نفسية، عدة حالات من الفتيات اللواتي لم يتخطين العشرين من العمر وقد حاولن الانتحار بعدة طرق، ومنهن من تفكر دوماً فيه كوسيلة أخيرة لوضع حد لمعاناتهن وظروفهن الحياتية التي لم يعد باستطاعتهن تحملها” حسب زعمهن”.

وتضيف مثل هذه الحالات لا يمكن معالجتها في مراكز الدعم النفسي فقط، بل هي بحاجة إلى مراكز متخصصة بالصحة النفسية، حيث يتم إحالة هذه الحالات لتلقي الدواء ومتابعة العلاج مع الطبيب النفسي.

ترفض عائلات فكرة إرسال بناتهن أو زوجاتهن للطبيب النفسي، باعتباره دليل “على الجنون” قد يلاحق المريض طيلة حياته، إلا أن المراكز تتعهد بمتابعة الحالة بسرية تامة والحفاظ على خصوصيتها إلى أن تتحسن “بحسب الطويل”.

حاولت صفاء “18عام من سكان إحدى المخيمات قرب سرمدا”، الانتحار بسبب إجبارها من قبل والديها على الزواج دون موافقتها، إذ مارس الأهل عدة ضغوط عليها عبر ضربها وحبسها ومنعها من التواصل مع أحد وكسر هاتفها الشخصي، وكذلك منعها من مغادرة الخيمة، وذلك لإجبارها على الزواج.

خسرت صفاء عملها في فريق تطوعي كانت تراه متنفساً لها مع صديقاتها نتيجة ضغوط الأهل ومنعها من الخروج للعمل، فاشترت ثلاث حبات غاز وحاولت شربها لإنهاء معاناتها مع أهلها ومنع زواجها القسري، إلا أن أحد أخوتها منعها من ذلك وأخبر أمها.
لم تخفِ صفاء رغبتها بالانتحار ليس فقط للخلاص من عنف أهلها وتحكمهم بحياتها بل لتحميلهم “ذنبها طيلة العمر” حسب قولها.

لا تقتصر محاولة الانتحار على الفتيات المعنفات فقط بل سجلت في مناطق الشمال السوري عدة حالات انتحار أخرى، حيث تداولت مواقع التواصل الاجتماعي في الثامن عشر من أيلول الماضي حادثة انتحار لطفل مراهق بمخيم الكرامة في مدينة سرمدا، وكذلك انتشر خبر انتحار مهجر من الغوطة في مدينة عفرين شنقاً في مكان سكنه، وذكر مقربون أنه انتحر بسبب الفقر وضغوط الحياة.

كما انتحرت المدرسة ميساء الدرباس 33 عاماً،  بعد تعرضها للضرب المتكرر من قبل زوجها وحرمانها من أطفالها بحسب ما ذكر أهلها.
يفرق الطبيب النفسي  فؤاد الموسى بين “شخص لديه أفكار سلبية عن الموت” وهو الذي يفكر بالموت كثيراً ويخاف منه، وبين ” من يحمل أفكاراً انتحارية”، ويعتقد أن الموت أفضل من الحياة، ويسعى لأن يؤذي نفسه وينهي حياته بأي طريقة.

ويفرق الموسى بين “خطة الانتحار” وهي التخطيط المسبق للوقت والوسيلة التي يقرر فيها الشخص إنهاء حياته وبين “محاولة الانتحار” وهي التنفيذ لما خطط له سابقاً وفشله بتحقيقه. ويؤكد أن على الطبيب دراسة هذه المراحل وتحديدها بدقة ليتسنى له تقديم العلاج المناسب.
ويضيف غالباً الشخص الذي يقرر الانتحار لديه أعراض” اكتئاب” ويتوجب على الطبيب علاجه بدقة ودراسة التغيرات التي تطرأ على حالته.

تتنوع أسباب محاولات الانتحار إلا أن العنف الجسدي يبقى على رأسها ما يضع جميع المؤسسات القانونية والصحية أمام مسؤولياتها لإيجاد قوانين رادعة، كذلك افتتاح مراكز نفسية وتسليط الضوء على أهميتها لمساعدة المعنفات وتقديم الدعم اللازم لهن.