اتلاف شحنة من الأدوية البيطرية في معبر باب السلامة -المصدر: انترنيت
اتلاف شحنة من الأدوية البيطرية في معبر باب السلامة -المصدر: انترنيت

لا تبدِ بقرة أبي محمد مقاومة تذكر وهي مرمية على الأرض تلفظ أنفاسها الأخيرة. يشحذ القصاب سكينه بينما يدير أولاد أبي محمد وجوههم بعيداً عن مشهد الذبح.

يقول أبو محمد إنه “فقد مصدر رزقه الوحيد” بعد أن وقع ضحية شراء دواء وصفه بـ “المزور” لبقرته، ما أدى لإصابتها “بتسمم دوائي” بحسب الطبيب البيطري الذي عاينها قبل ذبحها.

يروي أبو محمد “اشتريت علبتي دواء “تايلوزين”، وهو دواء يستخدم لعلاج الأمراض التنفسية والتهابات الجهاز البولي والتناسلي والضرع الحاد لدى الحيوانات، من بائع جوال في سوق الأعلاف بقرية البردقلي في الطريق بين مدينتي سرمدا والدانا، كان سعرهما يعادل سعر علبة واحدة ولم أكن أعرف أنها مزورة وأنها ستتسبب في خسارتي لمورد رزق عائلتي”.

مئات المواشي تنفق أو تذبح قبل موتها نتيجة انتشار أدوية بيطرية مزورة أو منتهية الصلاحية، ويقع مربوها ضحية شيوع استخدامها في الأسواق، وارتفاع أسعار الأصلية منها أو ندرتها، ما يضعهم أمام خيارين: المغامرة باستخدام المتوفر من الأدوية أو ترك مواشيهم دون علاج.


غياب الأدوية النظامية عن الأسواق وأثر الأدوية المزورة

أتلفت جمارك معبر باب السلامة 2800 أمبولة دواء بيطري نهاية آب الماضي بعد ما تبيّن أنها فاسدة وغير صالحة للاستخدام الحيواني.
تحمل عبوات تلك الأدوية علامات تجارية لشركات معروفة في مجال الأدوية البيطرية، لكن المواد الموجودة بداخلها ضعيفة الفعالية أو منتهية الصلاحية، لتتسبب في موت الحيوانات أو تأخر علاجها وتكلف أصحابها مبالغ إضافية للعلاج.

يقول الطبيب البيطري أسامة العيسى: إن أحد أهم أسباب نفوق الماشية هي الأدوية المغشوشة، إذ يتعرض الحيوان للإصابة بالتسمم الدوائي نتيجة طبيعة التركيبة الدوائية لهذه الأصناف. وتساهم عمليات التهريب وضعف الإجراءات الحكومية المتبعة، بانتشار المزيد من الأدوية المزورة التي ستزيد من نسبة نفوق المواشي.

ويحمّل العيسى مربي الماشية وبيطريين قليلي الخبرة مسؤولية كبيرة في هذا الجانب لاجتهادهم بمعالجة الحيوان دون التأكد من سلامة الدواء ونسبة المادة الفعالة، في حين يقتصر عمل الطبيب البيطري على ترميم الأخطاء ومحاولة إنقاذ الحيوان بعد تردي حالته الصحية.

طرق غش الأدوية

يذكر الدكتور محمّد صلاح  ثلاثة أنواع من غش الأدوية تبدأ بالتزوير الكامل، حيث تقوم الشركة المقلدة بصناعة دواء مشابه للدواء الأصلي حتى في عبوته بهدف الاستفادة من اسم الشركة لتحصيل مبيعات أكبر، في حين يقوم آخرون بصناعة أدوية مخالفة للمواصفات العالمية، أو تغيير تاريخ الأدوية منتهية الصلاحية ومنحها تاريخاً جديداً.

يقول “أحد مندوبي شركات الأدوية البيطرية في إدلب” بعد تفعيل قانون قيصر وارتفاع سعر الدولار لجأت شركات أدوية لاتباع أساليب ملتوية بهدف للحصول على أرباح مضاعفة عبر تزويرها لتاريخ الصلاحية أو تقليد أدوية لشركات معروفة، حيث زادت نسبة هذا الغش في الفترات الأخيرة ضمن مناطق المعارضة.
يشرح الآلية التي تتم بها عملية التزوير بقوله: “يدخل دواء صيني غير مطابق للمواصفات لمناطق المعارضة ويتم استبدال عبوته بأخرى لإحدى الشركات الهولندية المعروفة، على سبيل المثال، ثم يتم طرحه في الأسواق ليباع كمنتج للشركة الأصلية”.
كما يتم “خلط السكر المطحون مع مادة الجير الأبيض لصناعة مضادات حيوية، و خلط “الحلبة” المطحونة مع مكونات أخرى لصناعة الفيتامينات، ناهيك عن انتشار أدوية تحوي تركيبات خطيرة مثل” كليندامايسين” و”سبكتينومايسين”، بالإضافة لمضادات حيوية يحظر استعمالها بدون وصفة طبية معتمدة مثل تايلوزين”.
تباع تلك الأدوية دون ضوابط صحية، مثل حفظها في أماكن جافة وباردة وإبعادها عن أشعة الشمس، لتجدها في أسواق الماشية ومحلات الأعلاف، بحسب المندوب.

وذكرت دراسة أعدها مركز أسيوط للدراسيات البيئية بعنوان “اللحوم وهمومها وأثر ذلك على الإنسان والبيئة: أن متبقيـات المضـادات الحيويـة ومركبـات السـلفا في اللحـوم، لهـا تـأثير سمي مزمن على المستهلك يظهر في صورة فشل كبدي أو كلوي على المدى البعيد، وأن وجود مثل هذه المتبقيات في غذاء الإنسان تمثل خطراً على الصحة البشرية.

إجراءات حكومية لمراقبة الأدوية

تدخل الأدوية البيطرية إلى مناطق المعارضة بعد التأكد من أوراق وثبوتيات الشحنة “شهادة المنشأ، شهادة صحية وشهادة الجودة” ويقوم أشخاص مدربون بسحب العينات في مخبر الحجر الصحي على المعبر، وإرسالها إلى مخابر الرقابة الدوائية لفحصها ثم يعطى المستورد إذناً بدخول الأدوية وتوضع في مستودعه شريطة عدم التصرف بها لحين صدور نتائج التحليل، بحسب الدكتور مصطفى دغيم مدير الرقابة الدوائية.

ويضيف “الدغيم” في حال تصرف التاجر بالأدوية قبل صدور التحليل تتخذ الرقابة مجموعة خطوات تبدأ بمطالبته بسحب الأدوية من الأسواق وإعادتها للمستودع بغرض إتلافها، وفي حال عدم استجابته يُفرض عليه غرامات مالية تبدأ من خمسين ألف ليرة وترتفع لتصل لمرحلة سحب رخصة الاستيراد منه.

تغيب الرقابة الدوائية عن مراقبة أسواق الأدوية البيطرية وتقول الدائرة إن هذا الأمر خارج صلاحياتها ويعتبر من مهام مديرية الزراعة ومديريّة التموين، بحسب الدغيم.

ويرى مربو ماشية  أنه ينبغي فرض رقابة على العاملين باستيراد الأدوية البيطرية، كما ينبغي تفعيل دور الجهات التنفيذية في التفتيش على الصيدليات البيطرية من خلال لجان مختصة، ومنع التهريب لتحقيق رقابة داخلية تساهم في الحد من العشوائية التي يشهدها السوق، خاصة مع تراجع أعداد المواشي في المنطقة، إذ تراجع عدد الأبقار في سوريا، بحسب تقرير نشره العربي الجديد، إلى أقل من العشر في السنوات الأخيرة.