صورة قديمة لـ كراج عفرين -فيس بوك
صورة قديمة لـ كراج عفرين -فيس بوك

تتعلق أنظار غادة “مهجرة من دمشق” ببوابة كراج عفرين ، متأملة قدوم مسافرين جدد ينهون ساعات الانتظار التي قضتها ضمن الحافلة التي ستنقلها إلى ناحية “معبطلي”، لكن قوانين أصحاب السيارات تمنع من تحرك السيارة قبل امتلائها بالركاب، أو تطالب بقية الركاب بدفع أجور المقاعد الفارغة حتى تنطلق الرحلة.

قضت غادة نحو خمس ساعات تستمع لأصوات الباعة ترتفع عند قدوم أي راكب جديد في محاولة للترويج لبضائعهم، تتنقل بين المحال القليلة المتواجدة في الكراج لتبحث عن قارورة مياه باردة تطفئ العطش الذي خلفه الجلوس في الكراج تحت شمس أيلول، يخلو الكراج من الضجيج الذي ارتبط بأذهاننا ضمن صورة نمطية لكل الكراجات التي عرفناها، فحركة المسافرين القليلة غيرت من طبيعته، باستثناء السؤال المتكرر من الركاب عن موعد تحرك الحافلة.

الكراجات التي تخدم ريف حلب وقوانينها

يوجد في منطقة عفرين خمسة مراكز انطلاق، كراجان رئيسيان في عفرين وجنديرس وثلاث نقاط انطلاق في “معبطلي وراجو والشيخ حديد”، تربط مناطق عفرين فيما بينها وتربطها بمناطق ريف حلب الشمالي عبر كراج إعزاز الذي يعتبر نقطة الوصل مع مناطق ريف حلب الأخرى كالباب وجرابلس، كما تربطها بإدلب عبر كراجي باب الهوى وسرمدا، في حين لا تتوجه أي سيارات نحو إدلب المدينة ويحتاج المسافر إليها لركوب حافلة للوصول.

يفرض كراج عفرين مجموعة من القوانين على السائقين بهدف تنظيم العمل واستمراريته، يقول أحد موظفي الكراجات  “تبدأ القوانين التي يجب على السائق اتباعها للعمل ضمن الكراج، بتسجيل السيارة في دائرة المرور في عفرين والتي تكلف مئتي ليرة تركية في المرة الأولى وتجدد كل سنة  بمئة ليرة، ثم يتوجب على السائق التسجيل في مكتب الدور المتواجد داخل كل كراج حيث يتم اقتطاع أجرة راكب عن كل رحلة سفر”.
تبلغ الأجور بين مناطق عفرين 1500 ليرة سورية تزيد وتنقص تبعاً لأسعار المحروقات، وتبلغ أجرة الراكب من عفرين إلى إعزاز 2000 ليرة سورية ومن جنديرس إلى سرمدا 5000 ليرة سورية” ويتم تحديد الأجور ضمن عفرين من قبل دائرة المواصلات.

تمنع قوانين الكراج سائقي “السرافيس” من حمل أي راكب متواجد خارج الكراج أو بين مناطق عفرين كإجراء أمني يفرض عليهم الالتزام بلوائح الأسماء التي يتم تسجيلها من قبل موظفي الكراج قبل انطلاق الرحلة، ويمنع تواجد ركاب إضافيين في الحافلة وغير مسجلين ضمن القائمة بحسب الموظف”.
يرى من تحدثنا معهم أن هذا الإجراء تسبب بمعاناة للناس القاطنين في القرى المتواجدة على أطراف المدن الرئيسية، إذ يتوجب عليهم التوجه للكراج ثم السفر للمنطقة التي يريدونها، ما يحملهم أعباء مادية إضافية ناهيك عن إضاعة الوقت.

كما تمنع قوانين الكراجات أصحاب السيارات من نقل الركاب من أي كراج آخر في طريق العودة لأن كل كراج يلتزم بدور مخصص ولا ينبغي أن يتم تجاوزه، وفي حال أراد أحد السائقين حمل ركاب جدد والعودة بهم إلى الكراج الذي انطلق منه عليه أن يسجل ضمن الدور وينتظر لفترة طويلة قد تمتد ليوم كامل.

رحلات قليلة ضمن الكراجات ومبادرات فردية لنقل الركاب

يقول أبو علي “سائق يعمل على خط جنديرس عفرين” إن الرحلات التي تنطلق من الكراج قليلة جداً وننتظر نحو ثلاث ساعات ليكتمل عدد الركاب وتنطلق الحافلة إلى عفرين.
يتواجد على الخط الذي يعمل به أبو علي عشر سيارات ولا تنطلق سوى رحلتان من كراج عفرين يومياً، ما يعني أنه يتوجب على السائق الانتظار لأربعة أو خمسة أيام ليحصل على رحلة واحدة بذهاب دون إياب، بحسب أبو علي الذي يرى أن هذا العمل لم يعد مورداً مادياً جيداً للعاملين به، ويسعى سائقو السيارات للاعتماد على الطلبات الخاصة أو التعاقد مع طلاب المدارس لتأمين دخل إضافي.

في حين يعتمد كثير من الناس على التنقل عبر سيارات خاصة أو دراجات نارية “تقطيع” بهدف توفير أجرة النقل بحسب أبو علي.

يصر حسن “مهجر من دمشق” على حمل أي راكب يصادفه بطريقه أثناء تنقله على دراجته النارية، ويحرص على اختيار مرافقيه ضمن المناطق المأهولة خشية تعرضه للسرقة  أو السلب الذي بات منشراً هذه الفترة ما يمنع معظم سائقي السيارات والدراجات النارية من حمل ركاب معهم على الطريق.

يرى حسن أن الدراجة النارية أصبحت الوسيلة الأفضل للتنقل بين مناطق المعارضة بسبب انخفاض مصروفها مقارنة بالسيارات وسرعة تنقلها في الأماكن المزدحمة، لكن مؤخراً فرض عليها في مناطق عفرين و إعزاز والباب استخراج لوحة تكلف خمسة وعشرين ليرة تركية، وفي حال عدم استخراجها تمنع من المرور على الحواجز أو يتم قطع وصل عبور بمبلغ ألف ليرة سورية مدته يوم واحد، وتم رفع الغرامة منذ مدة لتبلغ خمسة وعشرين ليرة تركية تدفع مباشرة على الحاجز الذي نظم المخالفة أو يتم حجز الدراجة النارية.

ومن ضمن المبادرات المجتمعية التي تحاول تخفيف عبء التنقلات على الركاب مجموعة “التطوع الخدمي كراجات” في الفيس بوك وهي مجموعة تضم عدداً كبيراً من الأفراد الذين يملكون وسائل مواصلات، وعند توفر أي رحلة لديهم يقومون بالنشر ضمن المجموعة عن وجهتهم القادمة وتوقيتها وعدد الركاب الذين يستطيعون حمله، ليتواصل معهم الأشخاص الراغبين بالسفر إلى الوجهة المذكورة وبشكل مجاني.

يخبرنا حسن أنه غالباً ما ينشر ضمن المجموعة عن أماكن ذهابه ليقل معه الراغبين بالذهاب أو إرسال أمانات، ويرى بأن هذا العمل يلبي احتياجات كثير من الناس ولا يحمل صاحبه أعباء إضافية، في حين يعمد بعض سائقي السيارات للنشر عبر المجموعة عن رحلاتهم لكن بأجور مخفضة.

طلبات خاصة وتكاليف إضافية للوصول في الوقت المحدد

يضطر طلاب الجامعات والموظفين للتعاقد مع سيارة خاصة لتنقلهم إلى مقصدهم ذهاباً وإياباً وهو ما يترتب عليه دفع تكاليف ومصاريف إضافية في سبيل ضمان الوصول في الوقت المحدد.

يقول إبراهيم المصري “طالب في كلية الشريعة في جامعة حلب” أتفق مع مجموعة من الأصدقاء مع سيارة خاصة لنقلنا خلال فترة الامتحانات من سرمدا إلى إعزاز بأجر ثابت يبلغ خمسة وثلاثين ليرة عن كل راكب، وهو ما يوفر علينا مهمة الانتظار لعدة ساعات في الكراج في رحلة الذهاب والإياب، ويؤكد إبراهيم أن الجميع ملزم بدفع الأجرة حتى لو لم يتواجد ضمن الرحلة لأن المقعد محجوز على اسمه إلا إذا أرسل راكباً بديلاً عنه.

يعمل حاتم “سائق سرفيس في سرمدا” على نقل الركاب إلى إعزاز و تحمل سيارته لوحتين واحدة خاصة بإدلب و أخرى خاصة بإعزاز يقول: نعتمد في عملنا على المواعيد المسبقة مع الركاب من خلال الحجز عبر الواتس آب، وأتقاضى ثلاثين ليرة تركية عن كل راكب أجرة ذهاب وإياب وغالباً ما نتفق مع عدد زائد كاحتياط في حال تخلف أحدهم عن الموعد، لأن الركاب في هذه الحالة غير ملزمين بالدفع، في حين يدفع السائق 9 ليرات للكراج مقابل نقله لطلاب الجامعة واثنتا عشرة ليرة عن بقية الركاب، إذ ينبغي على السائق المرور على الكراج واستخراج لائحة بأسماء الركاب الذين يحملهم ليسمح له بعبور الحواجز، ما يحمله تكاليف إضافية تدفع للرسوم والمحروقات وبالتالي ستنعكس بشكل سلبي على الخدمة المقدمة للركاب.

حافلة وضع عليه نمرة مزدوجة للسماح لصاحبها بالعمل في عفرين وريف حلب الشمالي
حافلة وضع عليه نمرة مزدوجة للسماح لصاحبها بالعمل في عفرين وريف حلب الشمالي

وعن اللوحات المزدوجة يقول: منطقة إعزاز تلزم السائقين باستخراج لوحة خاصة بها دون معرفة الأسباب في حين أن لوحة السيارة المستخرجة من إدلب مقبولة في عفرين والباب وجرابلس، وفي حال عدم استخراج لوحة إعزاز نمنع من الدخول إليها، ومعظم السيارات العاملة بين مناطق إدلب وإعزاز تحمل لوحتين، كذلك تدفع الرسوم السنوية مرتين “في إدلب واعزاز” وكل منهما 60 ليرة تركية.

تتوقف الحركة ضمن الكراجات عصر كل يوم ما يعني أن الراكب الذي يتأخر عن الموعد ينبغي عليه أن يبحث عن وسيلة أخرى تنقله إلى بلدته، بحسب غادة التي قالت إن سيارة واحدة فقط تخرج يومياً من “معبطلي” في الساعة السابعة صباحاً وتعود من عفرين عند أذان العصر، ما يجبر الركاب على تنظيم أعمالهم ضمن هذين الوقتين. وإلا فسيضطرون لدفع مبلغ ليس بطاقتهم لاستئجار سيارة خاصة أو الانتظار في الطرقات علّ أحدهم يقلهم خلال مروره.