انتقلت المغطوطة الحمصية مع أهلها إلى مناطق المعارضة شمال غرب سوريا بعد تهجيرهم إليها، لكن ارتفاع أسعار الحليب وصعوبة العثور على حليب طازج، دفعا بعض العاملين بإنتاجها للانتقال لتصنيع أنواع أخرى من الحلويات للحفاظ على استمرار عملهم.
بالقرب من ساحة الساعة في مركز مدينة إدلب توجد لافتة كتب عليها مغطوطة الحمصي، الاسم الغريب يدفع بعض الزبائن لدخول المحل والتعرف على هذه الوجبة والتي تصنف ضمن أنواع الحلوى ويعتبر الحليب أحد مكوناتها الرئيسية.

مغطوطة حمصية في إدلب

يقول صاحب المحل أبو أحمد إنه يختص بصناعة المغطوطة منذ سنوات طويلة إلا أن ضعف الطلب على هذا الصنف في الآونة الأخيرة دفعه لبيع أصناف أخرى من الحلوى ليحافظ على مدخول محلّه.
ولتحضير المغطوطة يقوم أبو أحمد بشراء الحليب الطازج غير المغلي، ويتركه لمدة ثمان ساعات بدرجة حرارة الغرفة لتتشكل طبقة من وجه الحليب على السطح والتي تسمى “الأيما أو القيمر” وهي طبقة دسمة تكون أكثر كثافة من القشطة وتختلف عنها، بعد ذلك يتم إحضار خبز تنور أو صاج ساخن لوضعه على هذه الطبقة ويترك حتى يمتص طبقة “الأيما” بشكل كامل، ثم تنقل أرغفة الخبز المشربة بهذه الطبقة إلى صينية أخرى ويضاف إليها العسل ويرش عليها حبة البركة وتقطع ويقدم كل رغيف في صحن، إذ يبلغ سعر الوجبة اليوم ثمان مئة ليرة سورية، ما دفع كثير من محبيها للامتناع عن تناولها في حين كانت تشكل بالماضي إحدى الأكلات اليومية لأهالي حمص.
يقول أبو أحمد إن عمله تراجع بشكل كبير في الآونة الأخيرة، وتقتصر صناعته على التوصية بسبب ارتفاع سعر الحليب وصعوبة تأمينه مساء كل يوم وهو الوقت المناسب لتحضير الوجبة التي يجب أن تكون جاهزة في الصباح الباكر.
كما أن أنواع الحليب المنتشرة لا تتناسب بشكل جيد مع المغطوطة التي تحتاج حليباً دسماً حتى ينجح في تحضيرها.

الجلبجي شيخ الكار في هذه المهنة
يحن معن بكور “مهجر من مدينة حمص” لزيارة محل “الجلبجي” الكائن في شارع الحميدية وسط مدينته، إذ كان هذا المحل مقصداً لأهالي حمص ولزوارها من المحافظات نتيجة شهرته بصناعة المغطوطة.

و”الجلبجي” كلمة تركية الأصل وتعني “جالب الحليب”، وقد أطلق هذا اللقب على عائلة “الحجار” في “حمص” بسبب مزاولتها لمهنة بيع الحليب والمشتقات المصنعة منه.

وكان تأسيس المحل على يد “توفيق الحجار” الملقب “بأبي عادل الجلبجي” عام /1859/، وكان المحل بجانب جامع “الدالاتي” الكائن في شارع” الحميدية” قبل أن ينتقل إلى شارع “أسعد حداد” عام /1991/ في الحي نفسه، وذلك بعد هدم المحل القديم.

وصف “معن” المغطوطة بالأكلة الحمصية بامتياز، وهي من التراث الحمصي، كما أنها موسمية وغالباً ما تؤكل في الصباح الباكر خلال فصل الشتاء لأن نسبة الدسم والسكريات الموجودة فيها تمنح الجسم طاقة جيدة لوقت طويل.

بدوره يقول رامي العلي “مهجر”  إن الجلبجي  أشهر من صنع هذا الصنف من الطعام و لا تعجبه نكهة المغطوطة إلا إذا كانت من محله، (النفس اله دور كبير بشغلها)، اعتاد رامي أثناء إقامته في حمص على السهر مع أصحابه حتى وقت الفجر، ثم يتوجهوا لمحل الجلبجي لتناول وجبتهم المفضلة ” والمحظوظ مين بصير له دور”.

“معتز الحمصي” شاب من زبائن الجلبجي في حمص سابقا وجاره في مدينة الباب شرقي حلب بعد نقل المحل إليها، يلاحظ “معتز” أن الإقبال الذي كان عليه المحل في حمص يختلف عما هو عليه الآن، ويرى أن ضعف الطلب على المغطوطة يعود لتوزع أهالي حمص في عموم مناطق المعارضة، ويعتبر أن أكل المغطوطة بات رفاهية لا تتناسب مع الظروف الاقتصادية التي تعيشها الناس، إلا أنه يؤكد على أن افتتاح محل الجلبجي في مدينة الباب هو بمثابة كنز ثمين تمت استعادته بعد فقدانه.

تحضير المغطوطة في المنزل

تنتشر المغطوطة الحمصية اليوم في مدن وبلدات ريفي حلب وإدلب وتباع ضمن المحال التي تقدم حلاوة الجبن وغيرها من الأصناف التي تعتمد على الحليب ومشتقاته، في حين يعمد بعض أهالي حمص على تحضيرها في المنزل.

تعمل سميرة الحمصي على تحضر المغطوطة في منزلها، لكنها تستعيض عن خبز التنور بخبز الأفران، كما تستعيض عن العسل بالسكر وهذا ما يفعله معظم من تعرفهم من الذين يحضّرون هذه الوجبة في المنزل، تقول إن زوجها وأهله من مدينة إدلب لم يكونوا يعرفون المغطوطة وصارت من الوجبات المفضلة لديهم خاصة في فصل الشتاء، تعتبر سميرة أن تناول هذه الوجبة في المنزل أوفر من المحال كما أنها تستفيد من الحليب المتبقي بعد الانتهاء من تحضير المغطوطة في صنع الجبن أو اللبن.

يضم المطبخ السوري قائمة طويلة من الأطعمة المميزة وتشتهر كل محافظة بما يميزها من الوجبات والنكهات، ويتنافس أبناء تلك المحافظة في صناعة وجباتهم وإظهار النكهة المميزة التي اشتهروا بها، فترى بوظة الحموي وكنافة الدمشقي ومشاوي الحلبي وغيرها من الأكلات التي اشتهرت بها المحافظات السورية.