تضم جامعة إدلب ثمان عشرة كلية ومعهداً في مختلف التخصصات العلمية، ويغيب فيها الاهتمام بأي معهد أو كلية للفنون الجميلة، وهو ما دفع عدداً من الطلاب والمهتمين للمطالبة بافتتاح فرع خاص بهذه الفنون ليمنحهم دراسة أكاديمية موازية للموهبة التي يتمتعون بها ويرغبون بتنميتها.

ويندرج تحت اسم الفنون الجميلة، بحسب “إيتان سوريو” سبعة فنون تحمل كل منها درجتين (تصويرية وتجريدية) وهي: (العمارة -الموسيقى -الرسم -النحت -الشعر -الرقص -السينما).
خريجو المعاهد يرغبون بإكمال دراستهم

تخرج الشاب جمعة الفشتوك من معهد الفنون التطبيقية بجامعة حلب سنة 2014، ويحلم بإكمال دراسته في كلية للفنون الجميلة، لكن غياب هذا الفرع عن أروقة الجامعة في إدلب يمنعه من تحقيق ذلك.

من أعمال الفنان جمعة الفشتوك -وسائل التواصل
من أعمال الفنان جمعة الفشتوك -وسائل التواصل

يمارس “الفشتوك” عمله في المجال الفني، ويقول إنها مرحلة مؤقتة ريثما يتم افتتاح فرع للكلية لصقل موهبته التي ورثها عن عائلته في حبهم للرسم والنحت والتصميم، ساعده في ذلك دراسته في المعهد التي منحت جزء من “الدراسة الأكاديمية”، فالرسم على حد قوله، لغة يفهمها جميع الناس مهما اختلفت لغاتهم وثقافاتهم، وهو الحاسة السادسة التي تجمع الحواس الخمس في واحدة، وهذا ما يظهر للمشاهد عند رؤية إحدى اللوحات المميزة التي تصور الحروب، إذ يشعر الناظر بقسوة هذه الحروب وقد يصل لمرحلة تمكنه تخيل صوت القذائف واستنشاق رائحة الدماء والبارود.
يأمل “فشتوك” من المنظمات التي تعنى بالفن والفنانين أن تدعمهم ليستطيعوا إيصال رسالة الشعب السوري إلى العالم، ولكنه وبحكم عمله على تعليم مادة الفنون للأطفال في المدرسة، ومن خلال من يعرفهم من أصحاب المواهب، يجد أن الدعم الأمثل يكمن في توجيه الاهتمام نحو هذه الدراسة وإعطائها حقها، وكذلك تخصيص حصص درسية ومعاهد وكليات تتبنى الموهوبين وتصقل مواهبهم وتضعهم في الطريق الصحيح.

الحلم الأكاديمي غائب عند عشاق الفنون
لم تتمكن أميرة الداني من تحقيق حلمها ودراسة كلية الفنون الجميلة والتي كانت تحلم بها منذ طفولتها، لعدم توفر هذا الفرع ضمن كليات جامعة إدلب، ما اضطرها للالتحاق بكلية التربية.
تقول أميرة إنها ترى نفسها كرسامة أكثر منها مرشدة نفسية، إذ رافقها الرسم كهواية منذ طفولتها، وترى بأنها تفرغ طاقاتها السلبية على الورق من خلال رسوماتها، التي باتت تحتفظ بصورها على هاتفها خوفاً من تلف الرسومات الأساسية.

تحظى أميرة بتشجيع وإعجاب صديقاتها لما تقوم به من أعمال، لكنها تؤكد بأن تلك الأعمال كانت ستكون أفضل وبأفكار أعمق لو تمكنت من صقل موهبتها بدراسة أكاديمية.

من أعمال الفنانة أسماء الحاج -فوكس حلب
من أعمال الفنانة أسماء الحاج -فوكس حلب

لا تختلف حالة أسماء الحاج عن غيرها فقد حاولت توظيف موهبتها ضمن الفرع الذي تحب “الفنون الجميلة” لكنها أجبرت على دخول كلية التربية، وتستمر “الحاج” بممارسة هوايتها محاولة توظيف قدراتها في تيسير جلسات للأطفال في  مركز بمدينة حارم، وبأدوات بسيطة تستعملها في صنع الزهور لتشكيل مزهريات أو أطواق من الورد وكذلك الرسم على الزجاج أو الخشب، كما تعمل من خلال زهور السيراميك على تزيين الشلالات المصنوعة من الحجارة الصغيرة وتبتكر الكثير من الطرق لأعمالها.
أما شكرية محمد علي بليلو فقد درست في ثانوية للفنون النسوية لمدة سنة ونصف أثناء تواجد قوات النظام في إدلب، لكنها تركت الفنون النسوية رغم حبها لها لأنها أيقنت أن المستقبل لن يكون بهذا المجال متاحاً أمامها، وستكون مجبرة للسفر على مناطق النظام للحصول على الشهادة الثانوية ومتابعة دراستها هناك، لأن الحصول على شهادة الفنون النسوية لن يمكنها من دخول أي فرع في إدلب، وهذا ما حدث مع صديقاتها، لذا تقدمت لشهادة الثانوية العامة وبدأت الدراسة في كلية التربية.

وتخبرنا آية ديب وهي رسامة في العشرين من عمدها لم تتح لها ظروف النزوح والتنقل إكمال دراستها التي هَجَرتها منذ هُجّرت من مدينة حلب، أنها تطمح منذ صغرها لدخول كلية الفنون الجميلة، تقول إن هذا الحلم لم يهجرها رغم نجاحها الذي أرجعت سببه الأول لدعم والدها، الذي أمن لها معدات الرسم دائماً، وأقام لها المعارض على نفقته الشخصية وشجها على الاستمرار.

من معرض الرسامة أية ديب في إدلب -فوكس حلب
من معرض الرسامة أية ديب في إدلب -فوكس حلب

جدران منزلها الأخير الذي تسكنه دليل على تعلقها بالرسم، رذ حولت كل فراغ فيه إلى لوحة، تقول آية، إن الجدار الذي رسمت عليه قلعة حلب (مدينتها) هو الأقرب إلى قلبها، لقد أهدت ما رسم عليه لوالدتها التي عانت كثيراً عند تهجيرهم من المدينة لإسعادها، وهو ما حصل.

الأسباب التي تمنع افتتاح الكلية

يقول عصام خليف أمين سر جامعة إدلب: يجب أن تتوفر عدة معايير واعتبارات عند دراسة أي مشروع يتعلق بافتتاح كلية جديدة، مثل الحاجة المجتمعية وتوفر الكادر التدريسي وإقبال الطلاب، إضافة لحجم الإنفاق الذي يجب أن يتناسب مع المعايير المذكورة.

وأضاف الخليف إن قدرة الجامعة المادية على افتتاح كليات جديدة متواضعة، إذ تعتبر أقساط الدراسة التي تتقاضاها الجامعة من الطلاب هي المورد الأساسي للجامعة، كما أن كلية الفنون الجميلة لا تعتبر من الكليات الأساسية للمجتمع فهي “كلية تكميلية”، حسب وصفه، واعتبر “الخليف” أنه إذا كان ولا بد من افتتاح كلية فالأولى هو افتتاح كلية للهندسة المعمارية لأنها تمثل حاجة أكبر للمجتمع.

يقول من التقيناهم إنهم لا يعرفون من يحدد الأولوية، وإن كانت هذه الأولوية تتم عبر دراسة حقيقية للطلبة والمهتمين، فهناك عشرات إن لم نقل مئات من الموهوبين في الفنون المختلفة، جميعهم يمارسون ما يرغبون بتعلمه على شكل هواية تتطور ببطء، لغياب التوجيه والإمكانيات، أما بخصول الكلفة المادية فليست الجامعات “مشروعاً ربحياً”، والفنون الجميلة كغيرها من الكليات التي ستجد في حال طرحت الكثير من المهتمين والداعمين، خاصة لما تتركه هذه الفنون من أثر وما تحظى به من أهمية لدى شعوب العالم كافة.

يخبرنا سامر الأحمد وهو (مدرس للرسم) في واحدة من مدارس ريف حلب إنه ومنذ عقود من الزمن يتم إهمال كل ما يتعلق بالفنون، فالحصص الدرسية والوسائل التعليمية كانت قليلة، وغالباً ما يتم النظر لمادة الرسم أو الموسيقا من قبل إدارة المدرسة وحتى مديريات التربية على أنها وسيلة للهو والرفاهية، لا علماً قائماً بحد ذاته، يترك أهم الأثر في حياة الطلبة.

ويقول الأحمد إنه “حارب لسنوات طويلة تلك الظاهرة دون جدوى”، إذ غالباً ما كانت تعطى حصصه لمدرسين آخرين لم يستطيعوا إكمال مناهجهم، كالرياضيات والفيزياء، يقابله في ذلك رضا الأهالي والإدارة، وهو ما كان يرفضه باستمرار.

ويتحدث الأحمد عن عدم وجود كتب تعنى بالموسيقا والرسم في المدارس، فكيف سيتم افتتاح كلية في مكان لا يهتم بالفنانين، ويعتبرونه مثاراً للتسلية، التسلية وفقط.

من معرض الرسامة أية ديب في إدلب -فوكس حلب
من معرض الرسامة أية ديب في إدلب -فوكس حلب

دور الفن في تحريك الشعوب
للفن علاقة وثيقة بمختلف مناحي الحياة، هو وسيلة تعبير عن الحرب والحب والحزن والألم والثورة، والفنان غالباً ما يستقي أعماله من الواقع الذي يعيشه ويترجمها إلى رسائل واضحة تنتشر بسرعة أكبر منها في المقالات والروايات والأبحاث والشعر، وتختصر مرحلة أو مشهداً كاملاً.
ويرى من التقيناهم أن إنشاء كلية للفنون الجميلة سيسهم بتنمية عشرات المواهب التي ضيعتها الحرب، والتي ستعمل بدورها على تصدير مأساة الإنسان السوري بأدوات جديدة قد تكون أكثر جدوى ونفعاً. كذلك في تفريغ الشحنات العاطفية والمشاعر، أياً كان نوعها، وتسهم إلى حد كبير في تخفيف الضغوطات النفسية بشكل إبداعي، فالفن هو الهوية التي تقاس الشعوب ورقيها من خلاله.