وثق فريق منسقو استجابة سوريا وجود نحو مئة وسبعة وتسعين ألف يتيم، من أصل مليون وثلاثمئة وواحد وثمانين ألف طفل يعيشون في إدلب، بحسب إحصائية صدرت في أواخر شهر نيسان الماضي، ما يعني أن 14% من أطفال إدلب أصبحوا أيتاماً نتيجة سنوات الحرب الطويلة التي عاشتها البلاد.
يعيش كثير من هؤلاء الأطفال دون أدنى رعاية، وانتقل بعضهم للعيش في دور للأيتام، بسبب زواج أحد الأبويين أو عجزهم عن تأمين متطلباته اليومية، إذ تعتبر دور الأيتام نموذجاً عن المشاريع الضرورية في مناطق المعارضة، حيث يعمل القائمون على تلك المشاريع على تطوير خدماتها لتستوعب أعداداً أكبر وتمنحهم رعاية أفضل.

في ميتم “بيت العيلة” بمدينة إدلب يعيش ستة عشر طفلاً مع أمهاتهم، حيث تم إنشاء هذا المكان وتأهيله بما يتناسب مع الأطفال من قبل فريق المجد للأعمال الإنسانية بهدف تأمين الرعاية والتعليم ومستلزمات الحياة لهؤلاء الأطفال.
تعيش رنا الحلبي مع أطفالها الثلاثة في هذا الميتم منذ أشهر، وتتحدث عن تجربتها فتقول “استشهد زوجي بقصف استهدف منزلنا في ريف إدلب الجنوبي، فنزحت مع أطفالي باتجاه إدلب المدينة، لكن غلاء إيجار المنازل والمسؤولية التي وقعت على كاهلي دفعتني للإقامة في هذه الدار التي أمنت لي سكناً جيداً وساعدتني بالبقاء قرب أطفالي”.

تعمل فاطمة الحمود كمشرفة في دار “فاقدي الأبوين” في إدلب والتي تأسست في آب 2015 وتقسم إلى قسمين دار الأميرات للفتيات ودار السفراء للذكور، وتضم اثنين وأربعين طفلاً بينهم ثلاثة عشر طفلاً مقيمين ضمن الدار وتسعة وعشرين طفلاً خارجها تتم كفالتهم بدعم من جمعية شام لرعاية وكفالة الأيتام، وتقول “الحمود” إن أكثر ما يحتاجه الطفل اليتيم هو الاحتواء النفسي والاجتماعي نتيجة للاضطرابات المعنوية التي كابدها بعد خسارته لأحد الوالدين أو كليهما، إضافة لتوفير التعليم والتدريب الذي يتناسب مع عمره ليستطيع الاعتماد على نفسه.

يحتاج الانضمام لدور الأيتام لشروط يتم الاتفاق عليها مع إدارة الدار كفقدان الأب بصرف النظر عن طبيعة الوفاة، وألا يكون لدى الطفل إعاقة جسدية أو عقلية، وغياب أي معيل للأم، وأن يكون بلا مأوى، وألا يتجاوز عمر الذكر عشر سنوات والأنثى خمسة عشر سنة عند دخولهم للدار.

تنوعت الدور السكنية لرعاية الأيتام في مدينة إدلب والتي خصص بعضها لفاقدي أحد الأبوين أو كليهما، في حين كانت الأخرى على شكل مدارس خاصة للأيتام يتلقوا بها التعليمات والإرشادات والعناية الصحية فقط لتخفيف العبء عن الأم ومشاركتها مسؤولية تربية الأطفال، حيث أنشأت في مدينة سرمدا دار Child Houses الخاصة بفاقدي الأبوين في الأول من نيسان الماضي، ويقول يامن أبو الوليد المدير الإداري في الدار إن عدد الكوادر التطوعية المشرفة على العملية التعليمية بلغ ثلاثة عشر شخصاً متطوعاً، ويتم الاعتماد بشكل عام على دعم من مغتربين سوريين  ودعم جزئي من شركة وايت روم والتي تكفلت برعاية اثني عشر طفلاً يتيماً .

وأضاف أبو الوليد: “اقتصر دعم بعض المنظمات الإنسانية والجهات الداعمة على أنشطة الدعم النفسي وبعض المساعدات الغذائية العادية إلا أن الأطفال بحاجة شديدة لمواد غذائية صحية وفاكهة بالإضافة للفيتامينات.
وتخوف من المخاطر المحتملة والتي قد تهدد الأيتام المتواجدين في مناطق المعارضة مثل ترك الدراسة والتوجه إلى سوق العمل في سن مبكرة، واستغلالهم من قبل ضعاف النفوس مقابل إعطائهم لقمة عيش، موضحاً أن فقدان الأبوين في عمر صغير يجعل الأطفال عرضة للخطر والضياع.

خيمة معهد الرعاية التعليمية للأيتام في بلدة كفريحمول -إنترنيت
خيمة معهد الرعاية التعليمية للأيتام في بلدة كفريحمول -إنترنيت

في كفريحمول وتحت شعار for an orphan ” لأجل اليتيم” تم تأسس معهد الرعاية التعليمية للأيتام في آذار الماضي بمساعدة كادر من المعلمين والمعلمات من ذوي الاختصاص، بهدف رفع مستوى الأطفال علمياً، وبناء كوادر وقيادات وأشخاص مسؤولين لتطوير المجتمع.

يقول محمد عمر مدير المعهد إنه وبعد جهود حثيثة من المتطوعين قمنا بتأمين خيمتين من فريق الاستجابة الطارئة وتم بناء الخيام على أرض زراعية تم دفع ثمن استئجارها من تبرعات شخصية من القائمين على المعهد ليتلقى التعليم داخل المعهد مئة وستين طفلاً من عمر سنتين وحتى خمسة عشر عاماً.

وللحفاظ على سلامة الأطفال ضمن الخيام “قمنا بتأمين حقيبة طبية تحوي مستلزمات طبية كاملة يشرف عليها ممرضون متطوعون في حال تعرض أحد الاطفال لخدوش أو جروح أثناء فقرة أو نشاط ترفيهي، كما يتم الكشف الطبي الدوري للأطفال في حال حدوث عوارض مرضية”.
الأم عاجزة عن تحمل نفقات الأطفال ورعايتهم

الأوضاع الاقتصادية السيئة التي يعيشها الناس في إدلب، صعّبت مهمة تربية الأولاد وألقت مسؤولية كبرى على كاهل الأم التي تبحث عن أي عمل لتعيل به أطفالها، ما أدى لانشغالها التام عن الرعاية والتعليم وتربية الأطفال.
تقول أم سعيد وهي أم لخمسة أيتام من ريف حلب إنه يتوجب على مؤسسات المجتمع المدني والعاملين فيها تقديم المساعدة الإنسانية للأرامل والأيتام عبر إجراء دراسة ميدانية للحاجات وترتيب أولوياتها، الأمر الذي يخفف معاناة تلك الفئة ويتيح لها الوقت اللازم للاهتمام بأطفالها، إضافة لتوعية السيدات حول الأزمات النفسية التي يمر بها الأطفال في هذه المرحلة لتعرف كيفية التعامل مع أطفالها.

خيمة معهد الرعاية التعليمية للأيتام في بلدة كفريحمول -إنترنيت
خيمة معهد الرعاية التعليمية للأيتام في بلدة كفريحمول -إنترنيت

عملت بعض الجمعيات الخيرية على تأسيس دور لرعاية الأيتام المتواجدين في تركيا مثل جمعية شام لرعاية الأيتام والتي تأسست عام 2012 في مدينة غازي عينتاب التركية، وتقدم خدماتها لمجموعة من الأيتام المتواجدين هناك، كما أنشأت الجمعية نفسها ستة عشر قرية ودار للأيتام في مناطق المعارضة مثل قرية شام ودار الأميرات وتقدم الجمعية الرعاية الصحية لنحو ألف وسبعمئة طفل، والرعاية النفسية لنحو ألف ومئتي طفل، إضافة لتوفير فرص التعليم للأيتام من الروضة وحتى الجامعة وإقامة المشاريع تنموية إنتاجية لعوائل الأيتام لتحويلهم من مستهلكين إلى منتجين بحسب ما أوردت الجمعية على موقعها.
يرى من التقيناهم من الناشطين المشرفين على عمل دور الأيتام، أن الدعم الحالي المقدم من قبل المنظمات، لا يكفي لسد احتياجات أعداد قليلة من الأطفال المتواجدين في إدلب، والوضع اليوم بحاجة لتحرك أكبر لاحتواء تلك الفئة من الأطفال في مراكز إقامة جيدة وتقديم الخدمات الطبية والتعليمية اللازمة لها.