الصورة من الإنترنيت
الصورة من الإنترنيت

“دجاجة تبيض ذهباً”، “تتغير حياتك وتصبح صاحب مؤسسة ومال دون تعب”، “جد نفسك وعزز ثقتك بها فأنت تمتلك المهارة”، ليست هذه الجمل الرنانة من وحي الخيال أو مكتوبة على صفحات الانترنيت، ولكنها تدور على ألسنة كثير من أبناء إدلب، خاصة من فئة الشباب، وهم يحاولون إقناعك بالانضمام إلى مؤسساتهم بما يعرف بالتسويق الهرمي أو الشبكي، والتي زاد نشاطها في السنة الأخيرة، مستغلة أحوال السكان الاقتصادية السيئة، وانعدام فرص العمل، لتلعب دور المخلص من خلال بيع “الوهم”، ومستفيدة من خبرة “رؤوس الهرم” الطويلة في الإقناع واللعب على وتر أحلام اليقظة.

منذ سماعنا بهذه الشركات، ومحاولة بعض الأشخاص المنتسبين لها من إقناعنا أو مقربين لنا بالدخول فيها، تعمدنا المضي نحو النهاية ومسايرة المشرفين للبحث عن الحقيقة، وإيضاحها للأهالي، من خلال (التعريف -وجهتي النظر القانونية والدينية -الأساليب المتبعة).

تعريف التسويق الشبكي

يعرف التسويق الشبكي ببرنامج تسويقي يمنح المشاركين فيه حق التوظيف لمزيد من المشاركين، وبيع المنتجات أو الخدمات مع تقاضي عمولات مالية مقابل كل من يشتري، كذلك الترويج للمنتج عن طريق المشترين، ويصنف كأحد أنظمة التسويق المباشر.

ويلخصه سالم زاهر بلفقيه في كتابه التسويق الشبكي تحت المجهر بعبارة “اشتر لتسوق.. فقد تكسب”، شارحاً العبارة بأن الأساس في هذه الشركات يكمن في شراء حق “التسويق أو التوظيف”، فجميع الشركات القائمة على هذا النظام تشترط شراء منتج لها حتى تتمكن من الاشتراك في شبكة التسويق، وبالتالي الحصول على عمولات التسويق وحوافزه.

ويتفق الكتابان في محاكاتهما لهذا النوع من الشركات بالضبابية حول عملهما، ووقوعه بعيداً عن الأساليب الاقتصادية المعروفة والقائمة على “المنتج -المسوق -المستهلك”، إذ يصبح في هذا النوع من الشركات المسوق هو المستفيد من المنتج الذي لا يصل إلى المستهلك، كذلك تغدو عملية التسويق هي الأساس وليست الوسيلة، إذ يحدد الربح للمسوق من خلال إقناع الآخرين بالانضمام إلى الشبكات وليس من خلال بيع منتج محدد، يخالف بسعره الحقيقي ما هو موجود في الحقيقة، ويخالف سياسة العرض والطلب.

وتعرف ويكيبيديا التسويق الهرمي بمشروع احتيال ونموذج عمل غير مستقر هدفه جمع المال من أكبر عدد من المشتركين، يكون المستفيد الأكبر فيه الشخص المتواجد في رأس الهرم. ولا فارق بين التسويق الهرمي والشبكي، إن كان في الأخير سلعة يتم شراؤها للدخول ضمن الشبكة.

تجارة الوهم

(أبو عمر) لقب للشخص الذي تتبعنا معه عملية الدخول في الشركات المنتشرة في إدلب، وهو شاب في العشرين من عمره أخبرنا بمحاولة أحد أقربائه ضمه لواحدة من الشركات الشبكية، وبدافع الفضول وكثرة الإغراءات التي طرحها قريبه أمامه توجه للاجتماع مع مسؤول الترويج فيها.

سجل أبو عمر عبر هاتفه ما جرى خلال الاجتماع مع مسؤول الترويج وهو كما عرف عن نفسه أحد السوريين الذين يعيشون في تركيا، تغيرت أوضاعه المالية بعد انضمامه للشركة منذ سنتين، وهو اليوم يدير شبكة كبيرة من المشتركين.

ويشرح المسؤول الذي يقول إنه رأس الشركة في أعلى الهرم طبيعة الشركة التي تتلخص بضم مشتركين جدد وإضافتهم لقائمة الأعضاء، ويصبح لكل منهم مؤسسته الخاصة التي يسعى من خلالها لضم مشتركين جدد، بشرط عدم التعارف فيما بينهم، وفي حال فشله بذلك تبقى الأموال محجوزة لدى الشركة الأم دون أي أرباح، ويتم الانضمام عبر شراء منتج يصفه بـ “الفريد” وبمبالغ كبيرة (في حالة أبو عمر كان المنتج بسعر ٢٢٠٠ دولار)

عبر سكايب يجيب المسؤول عن استفسارات العميل، ويخبره أنه المخول بالإجابة، في حالة أبو عمر كانت الشركة الأم باسم (كيو آي)، ولا يمكن لأي شخص غير مدعو من أحد الانضمام لها والتعرف على أنشطتها، وهي بحسب ما ورد في التسجيل “شركة ماليزية” تأسست في العام ١٩٩٨ وتملك نحو خمسة وخمسين مكتباً ومقراً حول العالم، أهمها في هونغ كونغ والصين وتركيا وألمانيا وماليزيا ودبي وسنغافورة..

بأسلوب مقنع ومليء بالأرقام والإحصائيات يبدد مسؤول الترويج مخاوف من يرغبون بالانضمام، ويستغل نقاط الضعف في الباحثين عن عمل أو تحسين ظروفهم المعاشية، بإيراد متواليات حسابية لجذب الانتباه للأرباح التي من الممكن تحصيلها، طالباً منه فصل العلاقة الشخصية مع العملاء عن العمل.

لكل سؤال جواب في هذه العملية، وميزات يستطيع المسؤول تقديمها كحسم جزء من المبلغ المدفوع ليغدو في حالة أبو عمر (٢٠٥٠ -بدلاً من ٢٢٠٠ دولار)، والتركيز على بعض العبارات التي سيستخدمها العميل لاحقاً في ضم المشتركين الجدد، والعمولات التي سيتقاضاها.

ويخضع العميل بالتسويق التواصلي إلى تدريب، بحسب التسجيلات الصوتية لمسؤول الترويج، يؤهله للمرور بمراحل الشبكة (مستهلك -وكيل -معلن)، دون إغفال وضع أعداد كبيرة من الوكلاء العاملين في هذه الشبكات، ولم نستطع التأكد من صحتها، إذ يقول مسؤول الترويج إن هناك ٢٤ مليون وكيل لترويج منتجات شركتهم فقط في العالم، وإن هناك نحو ٩٦٠٠ شركة للبيع المباشر في مختلف الدول، وبخصوص شركته فيصفها بالقانونية والمرخصة، وإن لديها تعهدات مع أهم الشركات والمنظمات العالمية كالأمم المتحدة والاتحاد الدولي للفيفا وبعض الأندية العالمية، كذلك هناك تعاقد مع الانتربول الدولي وميكروسوفت لحماية العملاء من الاحتيال والهكر.

المنتج الخارق

يرد في كتاب التسويق الشبكي تحت المجهر وهو ما تجده أيضاً على أرض الواقع من خلال من تحدثنا معهم من مشتركين في هذه الشبكات أن السمة الغالبة خلال تسويق المنتج تكون بإظهار “تعظيم للمنتج وصفات عالية” لتبرير الزيادة السعرية المفروضة من قبل هذه الشركات، يتحدثون عن الفرادة والابتكار والتميز، وصناعته من قبل أمهر الشركات أو أفضل الأطباء، وغالباً ما يكون على شكل “ساعة أو ميدالية تذكارية، وفي الآونة الأخيرة تم طرح بعض الأدوات الكهربائية كفلاتر المياه، إضافة لرحلات سياحية إلى بلدان أوروبية (لا يوجد هذا العرض بالنسبة للسوريين في الداخل)، والتعلم الذي يمكن للعميل أن يحصل عليه بالفرع الذي يريد في جامعة كوالا لامبور بماليزيا بفرع خاص للشركة، و منتجات خاصة بالنساء أدوات وأجهزة للتجميل وإكسسوار بماركات عالمية ليست من  المعدن النفيس لكنها للاستعمال الشخصي باهظة الثمن، ويوجد طاقة حيوية وتغذية تمنع الذبذبات السرطانية وعليها عروض دائمة تصل العميل على عنوانه بعد شحنها إلى تركيا ثم إرسالها إلى منزل العميل إذا كان بسوريا لعدم وجود شحن للداخل السوري، وكل تلك المميزات فقط للعميل والأسعار تضعها الشركة وما على العميل سوى أن ويشتري”.

يتساءل مؤلف الكتاب، إن كانت هذه المنتجات تمتاز بهذه القيمة العالية والجودة فلماذا لا تطرح بأسلوب التواصل المباشر؟ وهو ما حاولنا البحث فيه.

بسؤالنا بعض الذين حصلوا على هذه المنتجات، أجابوا بأنهم قاموا بعرض المنتج في السوق على أصحاب الاختصاص، وإنهم تفاجؤوا بالثمن الزهيد الذي قدم لهم، وهو ما يعادل (٥-١٠٪) من القيمة الإجمالية.

وتوضح الدراسات والتقارير السابقة، أن المنتج خلق ليكون أداة فقط لتعزيز ثقة المشتركين بالدخول إلى هذه الشركات، بينما الغاية الرئيسية هي الحصول على عملاء جدد، وبذلك تكون فائدة رؤوس الهرم مضاعفة، بينما يخسر العملاء في أسفل الهرم بالمنتج الذي لا يساوي عشر قيمته في السوق، إضافة للعمولة لفشلهم بضم عملاء جدد، ما يدفعهم لمحاولة إقناع أشخاص آخرين بالانضمام لتعويض خسارتهم.

ويقوم هذا المشروع بالتركيز على عملية الانخراط وربطها بالبيع المباشر، بغض النظر عن نوعية المنتج نفسه، وهذه الشركات الهرمية أو ما تسمى بخدعة الأرباح في التسويق الشبكي الهرمي هي خدعة كلما تغيب تعود للظهور مرة أخرى بهدف الاحتيال عبر تجميع رؤوس الأموال من عامة الناس.

نصب واحتيال

تخبرنا أم صالح وهي (سيدة ثلاثينية تعمل بالخياطة) إنها استدانت مبلغاً من المال بعد اقتناعها بالانضمام إلى التسويق الشبكي من قبل واحدة من زبائنها، تقول إن الزبونة أتت إليها باكية بعد أيام لتخبرها أنها تعرضت للنصب والاحتيال، هي ومن وظفتهم في مؤسستها بعد أن اختفى الشخص الذي جند زوجها حاملاً معه المبالغ المالية التي جمعها له.

تحاول أم صالح اليوم رد الدين لأصحابه، تقول إنها لم تلجأ للشكوى على السيدة لعلمها بصدقها وإنها كانت ضحية مثلها تماماً ومثل مئات العائلات الأخرى.

الأمر ذاته كاد أن يطبق على عائشة (من ريف حلب الغربي وتعمل كمصففة شعر)، إلا أن إخوتها الذين يعيشون في تركيا أخبروها بحالات نصب مشابهة ما دفعها للرفض، تقول إنها “نجت رغم اقتناعها في البداية”.

وتنشط هذه الشبكات في الشمال السوري، خلال الآونة الأخيرة، مستغلة فقر الناس واحتياجاتهم بعد انتشار البطالة ورغبة الناس بالحصول على المال من أجل تحسين واقعهم المعيشي بعد سنوات الحرب، لذلك يحاول بعض الأشخاص استدانة المبلغ المطلوب أو رهن منازلهم وبيع ذهب زوجاتهم إن وجد أو أثاث منازلهم لتأمين المبلغ المطلوب والاشتراك بهذه الشركات، وتأمين أشخاص غالباً ما يكونوا من العائلة أو الأصدقاء المقربين للانضمام معه.

يقول (محمد أحد العملاء) إنه دخل إلى المشروع وقد وضع الخسارة نصب عينيه، يعتبر الأمر “مغامرة”، فإما أن ينجح وينتشل حياته من الفقر، أو يفشل، ويبني محمد في خياله أحلاماً بالسفر إلى تركيا بعد حصوله على الأرباح والتفرغ لهذا العمل، وإنشاء شركته الخاصة. كما يخبرنا عن صديقه الذي قرر الذهاب إلى ليبيا للقتال، وأن السبب الرئيسي لذلك كان الحصول على مبلغ الاشتراك للانضمام في الشركة، يقول إنه سيأتي قريباً في إجازة وسيكون أحد عملاء مؤسسته.

الشرع والقانون

ظهر التسويق الشبكي في منتصف القرن الماضي، على يد كارل ريهنبرج في أوروبا، لينتقل إلى أمريكا وتضاعف عدد الشركات العاملة به، ولكن عدداً من الدول ما زالت تتوجس من هذه الشركات، وتحذر المستهلكين من عواقب التعامل معها، وتصنف دول أخرى نشاطها ضمن “الغش والاحتيال” وتحظر التعامل معها.

وتعتبر سوريا من الدول التي تحظر نشاط هذه الشبكات، يقول المحامي (عبد المنعم قشقش) إن التسويق الهرمي “عملية نصب وبيع للخسائر” يحرمها الشرع والقانون. ويصفها المحامي بـ “الفخ” لإيقاع العملاء وإجبارهم على الاستمرار لتعويض الخسارة، دون أن يكون هناك أي عقود ملزمة للشركة، وفق القوانين، لتحصيل حقوق المشتركين. وتكون العقوبات حسب القانون ضمن جرم الاحتيال دون وجود نص يحدد العقوبة لعدم وجود دليل قاطع ومادي لإثبات وقوع الجرم، مثل الشهود والدليل الملموس الخطي بالإضافة لعدم وجود ثقة بين الناس والحاكم، وتصنف كجنحة وفق المادة ٦٤١ من القانون السوري، أما في إدلب فالأمر مختلف لتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في محاكمها.

وتوضح المصادر والتقارير المنتشرة رفع مجموعة من القضايا والملاحقات ضد شركات للتشويق الشبكي ومنها “كيو آي” الناشطة في الشمال السوري، في مختلف أنحاء العالم، أدت لحظر الشركة ونشاطها ومعاقبة العاملين بها في بعض الدول، وقد وصفت سياسية استرالية (كاميرون طومسون) من وزارة الداخلية النيبالية الشركة بـ “واحدة من المخططات الهرمية المزعومة” وحظرت وزارة الداخلية النيبالية الشركة من العمل في نيبال في عام 2003، وحظرت الحكومة السريلانكية الشركة في عام 2005 ، وفي العام نفسه حظرت الحكومة الإيرانية الشركة بعد نشاطها وتسببها بإخراج نصف مليار دولار من البلاد.

وبحسب المجلس الإسلامي السوري فإن الدخول بعضوية هذه الشركات والتسويق لمنتجاتها لا يجوز لما تتضمنه من محاذير شرعية واجتماعية، واحتواء العقود فيها على المقامرة واشتمالها على التغرير والخداع، وأكل لأموال الناس بالباطل، إضافة لشبهة الوقوع في الربا واحتواء العقد على شروط غير مشروعة، كما تحتوي على مخاطر اجتماعية واقتصادية ومخاطر صحية تتمثل في تناول مواد يزعم أنها منتجات غذائية أو صحية أو طبيعية بعيداً عن الإشراف الطبي.

وهناك بعض من أفتى بجوازها ضمن شروط، إلا أن الراجح تحريمها لأن السلعة غير مقصودة لذاتها، وإنها قائمة على “الغرر والمقامرة”، بحسب كتاب “التسويق الشبكي من وجهة نظر إسلامية”.

اعتذر (أبو عمر) عن الانضمام للشركة بعد أن حصلنا على التسجيلات اللازمة، ليبقى السؤال المطروح حول تزايد نشاط هذه الشبكات في إدلب، رغم المحاذير العالمية والتحريم الديني، في مكان تغلب على محاكمه القوانين الإسلامية المستمدة من الشرع، دون أن تتحرك هذه الأجهزة لمحاربة بائعي الوهم لسكان يعيشون على الحلم بعد أن فقدوا إمكانية الحصول على فرصة عمل لتأمين لقمة العيش.