وثق فريق الاستجابة في سوريا، في إحصائية نشرها صباح اليوم، عودة ٢٦.٦٣٪ من نازحي الحملة العسكرية الأخيرة البالغ عددهم نحو مليون شخص. معظم العائدين إلى بيوتهم تركزوا في المدن الكبيرة، إذ شهدت مدينة الأتارب بريف حلب الغربي عودة نحو٦٥٪ من سكانها والمقيمين فيها.

يوسف عبيد هو أحد سكان الأتارب الذين غادروا المدينة خلال الحملة العسكرية الأخيرة التي سبقت اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته روسيا وتركيا في الخامس من آذار الماضي، ليعود في السابع والعشرين من الشهر ذاته بعد نزوحه إلى مدينة مارع بريف حلب الشمالي رفقة أفراد عائلته، الرحلة التي أثقلت كاهله وزادت كلفتها عن ألف وخمسمائة دولار، تضمنت أجور النقل والإيجار وكلفة الطعام والشراب.

وكانت مدينة الأتارب قد تعرضت لتمهيد جوي ومدفعي من قبل قوات الأسد وروسيا منذ منتصف كانون الثاني الماضي، ومنذ الثاني والعشرين من الشهر ذاته شهدت مناطق ريف حلب الغربي نزوحاً كبيراً لآلاف العائلات في المنطقة، معظمهم اتجه نحو ريف إدلب الشمالي وبعضهم إلى منطقتي عفرين وريف حلب الشمالي، وتوزعوا في خيام أو تحت أشجار الزيتون، بينما حصل قسم قليل منهم على بيوت مستأجرة بمبالغ وسطية وصلت لنحو خمسين دولاراً.

يوسف عبيد أمام براكة الإكسبريس التي يملكها بعد عودته من رحلة النزوح
يوسف عبيد أمام براكة الإكسبريس التي يملكها بعد عودته من رحلة النزوح

يعمل يوسف كمستخدم في مدرسة مدعومة من قبل مديرية التربية الحرة بحلب، والتي توقف الدعم عنها. منذ عام كامل لم يتقاضى العبيد أي رواتب وما يزال يمارس عمله كمتطوع حتى اللحظة أملاً بتعويضه، إلا أن الأمر يبدو معقداً في الوقت الحالي ولا أمل بحصوله، نتيجة توقف الاتحاد الأوروبي والمنظمات عن دعم القطاع التعليمي في المنطقة بحجة عدم المساهمة في تمويل الإرهاب، بحسب تقرير نشر على موقع الجمهورية أكد فيه مدير التربية بحلب الأستاذ محمد مصطفى أن المنظمات الداعمة أبلغتهم رسمياً بتوقف الدعم، وتخفيض برنامج مناهل (الاتحاد الأوروبي وكانت تتكفل بدفع ٧٥٪ من الدعم البالغ نحو مليون دولار شهرياً) الدعم بنسبة الثلثين عن مدارس المديرية، ما يعني أن ثلاثمائة مدرسة ستواصل عملها بشكل تطوعي.

يبلغ متوسط الراتب الشهري لموظفي المديرية نحو مئة دولار، ومع توقف الدعم كان لابد للعاملين فيها من البحث عن حلول بديلة، في حالة يوسف قام بافتتاح مشروع صغير لبيع قهوة الإكسبريس والدخان والخبز، ومع نزوحه انقطع المورد الوحيد الذي يؤمن له جزء من قوت عائلته.

في الحادي عشر من شباط الماضي بدأت أرتال من الجيش التركي التوجه نحو مدينة الأتارب، وبحسب تقارير إخبارية فإن هذا الانتشار جاء لصد الهجوم البري الذي تقوده قوات الأسد وروسيا على مناطق خفض التصعيد ومنع نزوح المدنيين، إلا أن هذا الانتشار لم يفلح في صد الهجمات الجوية التي طالت منازل المدنيين والأسواق والبنى التحتية، وفي الثالث عشر من شباط كانت الأتارب، والتي تضم نحو مئة ألف مدني من السكان والمهجرين، شبه فارغة، وسجل هذا اليوم مقتل ثلاثة أشخاص من المدنيين خلال نزوحهم، كما شهدت المدينة هجرة جماعية للسكان راجلين على أقدامهم أو فوق الدراجات النارية بعد استحالة مرور السيارات لنقلهم نظراً لاستهدافها.

بدا المشهد وكأنه “يوم القيامة” بحسب وصف السكان، وذلك بعد اقتراب قوات الأسد البرية وسيطرتها على مناطق متاخمة للمدينة كأورم الصغرى وريف المهندسين الثاني والفوج ٤٦، وباتت هذه القوات على بعد ثلاثة كيلو مترات من أكبر مدن ريف حلب الغربي “الأتارب”.

بسطات في سوق الأتارب وتظهر خلفها البيوت المدمرة بفعل القصف
بسطات في سوق الأتارب وتظهر خلفها البيوت المدمرة بفعل القصف

أنشأت الحكومة التركية نقطة مراقبة شرق مدينة الأتارب، ومع اتفاق وقف إطلاق النار شهدت المدينة عودة جزئية لبعض السكان، قدر فريق الاستجابة العائدين إلى مختلف المناطق التي تسيطر عليها المعارضة بـ ٣٤٧٦٦ نازحاً توزعوا على الشكل التالي 58.6% في ريف حلب و41.4% في ريف إدلب وهو ما يعادل 3.34% من نسبة النازحين الذين تم تهجريهم منذ تشرين الثاني 201٩، هذا ما يؤكده عبيد أيضاً والذي عاد إلى مدينته في السابع والعشرين من آذار الماضي ليعاود عمله بـ “براكة الإكسبريس”.

ليس النزوح الأول لسكان المدينة

في شهر آب من العام ٢٠١٢ نزح معظم سكان مدينة الأتارب نتيجة المعارك الدائرة بين قوات النظام وفصائل الجيش الحر، انتهت هذه المعارك بسيطرة الأخيرة على المدينة والفوج ٤٦ بعد دمار هائل سببه القصف عليها بمختلف أنواع الأسلحة.

عادت الحياة إلى المدينة التي شكلت أحد أهم المراكز التجارية فيما بعد، وذلك لوجودها على طريق الشريان الحيوي الرئيسي الذي يصل محافظة حلب بإدلب، وكذلك بريف حلب الغربي، كما تحولت المدينة إلى مركز للنازحين والمهجرين قسرياً، خاصة من أبناء مدينة حلب الذين تم تهجيرهم نهاية العام ٢٠١٦ بعد اتفاق مع قوات الأسد التي كانت تحاصر المدينة، واتسمت الحياة فيها بالنشاط التجاري والأسعار المعقولة، بحسب من التقيناهم من نازحين، إذ كان يضم سوق المدينة ما يزيد عن مئة محل تجاري، بينما بلغ متوسط الإيجارات فيها نحو عشرين ألف ليرة، وهو ما يمثل ربع المبالغ التي كان يدفعها المهجرون في المدن القريبة كـ “الدانا وسرمدا”.

بائع خضار في سوق الأتارب بعد عودة النازحين وترميم السوق
بائع خضار في سوق الأتارب بعد عودة النازحين وترميم السوق

ومثلت المدينة بسكانها والمقيمين فيها حركة نشاط ثوري، بدأت منذ الاحتجاجات الأولى ضد حكم النظام، وسجلت عدداً كبيراً من المظاهرات منذ بداية نيسان ٢٠١١، وتحريرها في تموز ٢٠١٢ على يد فصائل من الجيش الحر بينهم عدد كبير من أبناء المدينة وتصديهم لتنظيم الدولة الإسلامية في العام ٢٠١٣، وجبهة النصرة، إذ شهدت المدينة احتجاجات واسعة ومظاهرات ضد دخول الأخيرة إلى المدينة، كما شهدت المدينة نشاطاً للعمل المدني والثقافي.

سوق الأتارب أول المستهدفين

في الثالث عشر من تشرين الثاني ٢٠١٧ استهدفت الطائرات الحربية الروسية سوق مدينة الأتارب بغارتين جويتين أسفرتا عن مقتل نحو تسعة وستين مدنياً وجرح نحو مئة آخرين، إضافة لدمار كبير وأضرار مادية في المحلات التجارية، وكان الأرشيف السوري قد نشر تحقيقاً رقمياً أثبت فيه صحة الهجوم ونوعه والأضرار التي طالته، قبل ذلك تم استهداف السوق مرتين في العامين ٢٠١٤ و ٢٠١٦، نتج عن الاستهدافين ضحايا من المدنيين وأضرار مادية كبيرة وثقها التحقيق.

سوق الأتارب قبل وبعد الضربة الجوية التي استهدفته في العام ٢٠١٧ -المصدر الأرشيف السوري
سوق الأتارب قبل وبعد الضربة الجوية التي استهدفته في العام ٢٠١٧ -المصدر الأرشيف السوري

وفي شباط ٢٠٢٠ نشرت مواقع إلكترونية فيديوهات للقصف الذي طال المدينة، يظهر فيها كميات كبيرة من الردم والأتربة والدمار الذي طال السوق مجدداً، إضافة لحفر كبيرة أحدثتها الصواريخ التي سقطت في الشارع الرئيسي منه. أضافة لدمار كبير في المنازل والبنى التحتية للمدينة التي خلت من سكانها.

الصورة لسوق الأتارب خلال الاستهداف الأخير في شباط ٢٠٢٠ -المصدر تويتر من صفحة الإعلامي أحمد سعيد
الصورة لسوق الأتارب خلال الاستهداف الأخير في شباط ٢٠٢٠ -المصدر تويتر من صفحة الإعلامي أحمد سعيد

في كل مرة كان السكان والمقيمون في المدينة يعيدون ترميم منازلهم وأسواقهم للبدء من جديد، هذه المرة أيضاً حدث ذلك، إذ أعيد فتح نحو نصف المحال التجارية في السوق بعد ترميمها من قبل الملاك الأصليين أو أشخاص استثمروا في هذه المحلات، إلا أن الواقع هذه المرة لم يصب في خدمتهم، إذ تشهد مناطق المعارضة ركوداً اقتصادياً بشكل عام، وفي الأتارب بشكل خاص بعد خسارة مساحات واسعة من القرى والبلدات بريف حلب الغربي والتي كانت الأتارب مركزاً تجارياً هاماً لها، إضافة لتخوف جزء من السكان من العودة، ناهيك عن انهيار العملة السورية التي ارتفع فيها سعر صرف الدولار لما يزيد عن ألف وسبعمائة ليرة سورية للدولار الواحد وهو ما أضعف القوة الشرائية لدى السكان، كذلك قلة فرص العمل في المدينة التي أسهمت إلى حد كبير في بقاء جزء من السكان خارج مدينتهم.

سوق مدينة الأتارب بعد إعادة ترميمه وعودة قسم من سكان المدينة
سوق مدينة الأتارب بعد إعادة ترميمه وعودة قسم من سكان المدينة

عودة كبيرة للسكان وخدمات متواضعة

يقدر بشار عطا رئيس للمجلس المحلي في مدينة الأتارب عدد العائدين إلى المدينة بنحو خمسة وستين ألف مواطن (نحو ٦٥٪ من السكان قبل النزوح)، منهم نحو عشرين ألف من النازحين الذين كانوا يقيمون في المدينة.

ويقول بعض من التقيناهم إن هذه الأرقام تشمل الزائرين للمدينة وليس من يسكنون بشكل دائم، ويقدرون عدد المقيمين في المدينة بنصف الأرقام التي ذكرها رئيس المجلس، وإن أعداداً كبيرة من السكان يسكنون في القرى أو المخيمات المجاورة للمدينة ويأتون إليها للتسجيل والحصول على المساعدات الإنسانية.

بائع مشبك في سوق الأتارب بعد عودة النازحين وترميم السوق
بائع مشبك في سوق الأتارب بعد عودة النازحين وترميم السوق

ويعتبر توفير الخدمات العامة والبنى التحتية أحد أهم أسباب عودة النازحين، في حين يضطر قسم كبير من المواطنين للعودة نظراً لارتفاع أسعار إيجارات المنازل المرافق لضعف القدرة المادية وقلة فرص العمل.

يقول عطا إن نسبة الدمار في المدينة بلغت نحو ٦٠٪، وإن المجلس المحلي عمل خلال الشهرين الماضيين على ترحيل الركام وفتح نحو ٥٠٪ من الطرقات، وتفعيل مناهل المياه وإصلاح شبكات الكهرباء المتضررة ومد خطوط جديدة بدلاً من التالفة لتوصيل “الأمبيرات” إلى المنازل.

كما قام المجلس بتغطية الصرف الصحي الذي تكشّف نتيجة استهداف السوق وترحيل الأنقاض تمهيداً لعودة التجار إلى محلاتهم، وتشغيل فرن الخبز في المدينة ودعم النقطة الطبية، أما المشافي فيقتصر عمل مشفى المغارة في المدينة على الخدمات الإسعافية، وما يزال مشفى الأمومة مغلقاً حتى اللحظة.

يخبرنا رئيس المجلس إن قلة فرص العمل هي السبب الرئيسي لعدم عودة باقي السكان، وإن عودة بعض الخدمات إلى العمل يشجع السكان على العودة، إذ تشهد المدينة قدوم أعداد يومية من النازحين. كذلك عدم استغلال سكان الأتارب لارتفاع الأسعار بزيادة إيجار المنازل ساهم في عودة عدد كبير من المهجرين، إذ يتراوح متوسط سعر الإيجار الحالي بين (٢٤-٤٠ ألف ليرة)، يقول رئيس المجلس “الدولار لم يدخل في قاموس الأتارب”.

بائع سوس في سوق الأتارب بعد عودة النازحين وترميم السوق
بائع سوس في سوق الأتارب بعد عودة النازحين وترميم السوق

فاروق أبو الحكم من مدينة الأتارب قال إنه نزح ثانية خلال الحملة العسكرية ليعود إلى منزله بعد وقت قصير، نظراً لارتفاع الأسعار في المناطق التي توجه إليها النازحون، كذلك يخبرنا أبو الحكم إن الخدمات العامة ضعيفة ولم تلبي جهود المجلس المحلي متطلبات السكان، يقول إن المدينة بلا ماء أو كهرباء ناهيك عن خوف السكان من عودة القصف من قبل قوات النظام المتمركزة بالقرب من المدينة، إلا أن ضعف الإمكانيات الاقتصادية للسكان هو ما يدفعهم للعودة. وهو ما أخبرنا به أيضاً “أبو وليد” المهجر من مدينة حلب والذي أعاد فتح محله للألبان والأجبان الذي أسسه بعيد تهجيره القسري من حلب ٢٠١٦، يصف أبو وليد الواقع الحالي في المدينة بـ “التعبان” في ظل ضعف القوة الشرائية وانهيار الليرة وغياب المؤسسات التي تعنى بضبط الأسعار.

ويقول يوسف عبيد إن “براكة الإكسبريس” خاصته كانت تمثل له ولأطفاله الرابعة مورداً مقبولاً للحياة، يخبرنا إنه كان يبيع يومياً نحو خمسين فنجاناً من القهوة بسعر مئتي ليرة سورية، ونحو مئتي ربطة من الخبز (ربطت حكومة الإنقاذ سعر ربطة الخبز بالدولار وكان متوسط ثمنها نحو أربعمائة ليرة سورية)، إضافة لعشر “كروزات” من الدخان، ومع عودته من النزوح يخبرنا العبيد إنه لا يبيع يومياً سوى نحو عشرين فنجاناً من قهوة الإكسبريس ومثلها من الخبز (ارتفع سعر ربطة الخبز إلى خمسمائة ليرة، وفنجان القهوة إلى ثلاثمائة ليرة”.

وينتظر العبيد مولوده الخامس وسط الواقع الاقتصادي السيئ الذي يعيشه السكان، إذ يحتاج على حد قوله إلى معظم ربحه لتأمين رغيف الخبز لعائلته، في الوقت الذي يعيش معظم سكان مناطق المعارضة أزمة اقتصادية خانقة بعد الارتفاع غير المسبوق للدولار وارتفاع إيجارات المنازل، لتغدو العودة إلى البيوت المهدمة حلاً اضطرارياً لتوفير سقف يقيهم حر الصيف القادم، إذ تشهد المخيمات حرائق يومية للخيام، في حين يبلغ سعر قالب “البوظ” لشرب مياه باردة نحو خمسة آلاف ليرة، أما الظل فتلك نعمة يفتقدها نحو مليوني شخص يسكنون المخيمات أملاً في إيجاد حل لعودتهم إلى منازلهم.

درغام حمادي -مصطفى أبو شمس