بكلابية بدوية بسيطة، وعقال لا يكاد يرتكز على الرأس، وبلكنة قروية محببة يخالطها شيء من البداوة، يطل حسن الرفه في مقاطع مصورة لا تتجاوز أغلبها الثلاثين ثانية، ليدلي بدلوه في القضايا التي تتعرض لها المنطقة، بعد أن يُسأل عنها، متحدثاً بعبارات سريعة غير منسجمة وأقرب ما تكون للسخرية.

حسن الرفه أو أبو علي، كني بهذا نسبة لقريته الرفه، بريف إدلب الشرقي، تصدر وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشرت فيديوهاته بشكل كبير في مناطق المعارضة، معتمداً على ما يخطر بباله من مفردات قد تصل به حد الشتيمة أو الكلام النابي، ليعلق على أحد الأحداث الساخنة في مناطق المعارضة، وأغلب الظن أن يتم هذا بتحريض أو بطلب من المحيطين به، من ثم يرصدون ردة فعله الآنية، ويعمدون على توثيقها ونقلها فيما بعد.
بعملية بحث بسيطة على وسائل التواصل الاجتماعي ستصادفك عشرات الفيديوهات التي صورها المقربون من حسن ونشروها على صفحات تحمل أسمه أو قنوات يوتيوب صممت لهذا الغرض، حيث يرى هؤلاء أن حسن لا يقل أهمية عن نجوم “السوشيال ميديا” ولكل منهم دور يؤديه، وجمهور يتابعه.
ما الذي جعل شخصية حسن الرفه مميزة؟

لم يتفق من التقيناهم على سبب معين لبروز نجم حسن وما حظي به من انتشار، كما هي عادة كل الآراء التي تحتمل النسبية ووجهات النظر المختلفة، حيث يرى أبو محمد أن ما يقدمه الرفه “نوع من الترفيه هم بحاجة إليه في هذه الظروف القاسية”. في حين يقول أحمد البيوش ابن كفرنبل: “على مبدأ إذا قومك جنوا عقلك ما بفيدك، ويبدو الكل أصبحوا مجانين”.

خيرو أبو محمد بدوره رفض مثل هذه المقاطع ورأى فيها سخرية من شخصية صاحبها والتقليل من قدره، وختم رأيه بتساؤل: “هل يقبل شخص سوي أن يسخر منه الناس بهذا الشكل؟”

أما أيمن الشيخ فينظر لحسن كبطل استطاع رغم بساطته، التعبير عما يجول في داخل الكثيرين، لكن خوفهم من العقوبة والمحاسبة دفعهم للسكوت، ووجدوا في حسن ضالتهم للتعبير، ليخلص إلى وصفه “حسن الرفه أزلم من كلياتنا قدر يحكي يلي ما حكيناه”.

يرى من التقيناهم أن تصدر حسن للحديث عن الأوضاع الحالية والقضايا الساخنة، هو من ساهم بانتشاره بين الناس، إضافة لوصول الإنترنيت لكل بيت، وقدرة الجميع على تحميل مقاطع فيديو على الانترنيت، أو إنشاء قنوات وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي، ولحسن عشرات القنوات والحسابات التي تحمل اسمه، دون أن نعرف إن كان حقاً يمتلك واحدة منها أو يستغل اسمه فقط، نظراً للشهرة التي حظي بها، أسوة بأمثاله من الأشخاص “البسطاء؛ أو الذين درج عليهم وصف “الدراويش أو على البركة”، فنموذج حسن ليس الوحيد الذي تصادفه، بل أينما ذهبت ستجد أمثال هؤلاء البسطاء يجوبون الشوارع أو يتنقلون بين الدكاكين والمحال التجارية، مستعينين بجرأة أكسبتهم إياها ردة فعل الناس تجاه تصرفاتهم وأقوالهم على مر الزمن، يجالسون الجميع ويطلبون ما يشتهون من هذا أو ذاك، ومعظم الناس اعتادوا على منحهم بعض الفاكهة أو الأطعمة أو حتى النقود، لاعتبارات شتى منها أنهم لا يستطيعون الاعتماد على انفسهم، أو لاعتقادهم أنهم يحظون بشيء من الروحانية أو الكرامات، فيطلبون منهم الدعاء لهم عل الله يستجيب لدعائهم، فهم لا يعرفون الحقد أو الكراهية، ويمتلكون سريرة نقية.

يحمل بعض هؤلاء كرامات ومعجزات تخالف المنطق والعقل، بعض الناس يؤكد رؤية واحد منهم في مكانين بعيدين بما يعرف بمصطلح “أهل الخطوة”، وهو (عبور مسافات طويلة في أزمان خيالية تصل لحدود اللحظات). والبعض ادعى أنهم يسمعون عذاب القبر، أو يعلمون جزء من المخفيات.

هذه الصورة “لأهل البركة” التي رسخت في أذهان الكثيرين، ساهم في تكوينها مخزون من الصور المشابهة التي عملت على نقلها حكايات الجدات والعجائز، ورسختها مسلسلات درامية وأفلام سينمائية، رسمت تلك الهالة المحيطة بالدرويش وكراماته وما يتمتع به من بصيرة وبعد نظر، فالشيخ عبد العليم في “باب الحارة” يصف أبو قاعود الزبال البسيط، “بصاحب البركة وحبيب الله”. وناجي جبر أبو عنتر في “أهل الراية” يرث لواء الدروشة من سلفه ويتخلى عن منصب الزعامة، ليهيم على وجهه في الأزقة وهو ينادي أهل الحارة محذرا “يا أهل الراية الله يجيركم من اللي جاي”

 الدراويش عبر التاريخ

يرجع مصطلح الدرويش بحسب دراسات تاريخية عدة بجذوره للغة الفارسية، وهم أشخاص تقول تلك الدراسات، إنهم عاشوا في العصر العباسي، واعتنقوا المذهب الشيعي، لكنهم لجؤوا لإظهار البساطة والدروشة خوفاً من ملاحقة السلطة الحاكمة لهم.

كما برز في تاريخنا العربي شخصية تشابه إلى حد ما شخصية حسن الرفه من حيث حجم الجرأة التي يراه البعض يتحلى بها، دون الوقوف على خلفية هذه الشخصيات ومدى علمها، كشخصية (البهلول) الذي عاصر عهد حكم بني العباس، لكن مع اختلاف في التكوين والهدف، فبهلول كان ذكياً فطناً لكنه اختار ادعاء الجنون برغبته ليتمكن من إبداء رأيه بحرية أكبر، أما في حالة حسن، ترجع بساطته لتكوين فيزيولوجي، فهو ولد بهذه الحالة التي لم يخترها بملء إرادته.

حسن الرفه اليوم يواكب ما يدور حوله غالباً، فتراه يتحدث في الشأن العام ويوجه الرسائل الخاصة بحسب الوجهة التي يوجهه نحوها المحيطين به، فيكفي أن تدس في جيب حسن ورقة نقدية وتطلب منه التعليق على ظاهرة ما أو حدث يشغل الناس، حتى ينبري للتعليق بعبارات بسيطة حسبما يتراءى له في حينها، فكان له مقاطع مصورة حول النزوح والأعمال العسكرية على الأرض حتى أنه شارك في الاعتصام على طريق ال (m4) ودعاه البعض لتوجيه رسائل من هناك.

كما لم يسلم الشأن الصحي من تعليقات حسن الرفة، فظهر مؤخراً لينصح الناس بضرورة التقيد بإجراءات السلامة خوفاً من انتشار كورونا، حيث خرج في مقطع مرتدياً الكمامة الطبية والقفازات المطاطية، مخاطباً المشاهدين وناصحاً لهم ضرورة التقيد بأسباب الوقاية والسلامة، بلهجته “إذا بدكن تطلعوا، البسوا الكمامة والكفوف، ولا تتجمعوا بالسوق طاول، والله يعطيكن العافية”.