يتعلق الطفلان ماهر وصفا بجدتهما، يطلقون عليها لقب “ماما” وسط ذهول من يلتقي بهم للمرة الأولى، ترد الجدة أم محمد عن سؤال فضولي في كل مرة “إي نعم -هدول ولادي والله أكرمني فيهم”.

تحاول الجدة التي تبلغ السبعين من العمر ممارسة دور الأم والأب الذي رافقها في سنوات شبابها، قبل أن يعتقل ولدها وتهجر زوجته أولادها تاركة حمل الطفلين على جدتهما، تصرخ في كل مرة لتنادي على الطفلين الشقيين بعد أن أتعب قدميها الجري خلف لهوهما، تهددهما بنبرة من الوعيد المغلف بالعاطفة، ويبادلانها الضحك واستمرار الركض من وعيد خبروا أنه لم ولن يطبق يوماً.

أم محمد واحدة من مئات الجدات التي فرض عليهن فقد أبنائهن أو اعتقالهم ممارسة الأمومة والأبوة من جديد، إذ وثق فريق الاستجابة في سوريا نحو ١٨٥ ألف طفل يتيم ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة في الشمال السوري، ليتحول دورهن من الحنو على أحفادهن وقص الحكايات والزيارات الخاطفة إلى ممارسة دور المربي من جديد، كذلك المسؤولية عن إطعامهم وخدمتهم وسط ظروف حياتية واجتماعية قاسية.
تروي أم محمد التي يغص صوتها بدمعة عالقة في كل مرة تضطر فيه للحديث عن ابنها المعتقل أنها وجدت نفسها وحيدة رفقة الصغيرين بعد ترك أمهما لهما، تقول إنها في السبعين من عمرها تعمل جاهدة كأم وأب في آن معاً في الوقت الذي تسوء فيه صحتها ولا تسعفها يداها وقدماها على التعب وممارسة هذا الدور، ثم ترفع يديها إلى السماء طالبة من الله “الإفراج عن والديهما ورده إلى أطفاله”.

أم وسام تعيش حال أم محمد إلا أنها تمارس دور الأب لأحفادها الخمسة من ابنتيها اللواتي يعشن معها، تخرج في كل صباح من خيمتها باحثة عما يسد الرمق، تثقل حركة قدميها سنواتها الستين، وخوفها على مصير من ترعاهم.

الجدات أكبر الخاسرين خلال سنوات الثورة الماضية، يقول معظم من التقيناهم، إذ يجتمع في قلوبهن الحزن على فقدان أبنائهن وضرورة التكفل برعاية الأحفاد، هو حمل يصفه الجميع بـ “الثقيل” على الآباء فكيف بنساء تجاوز بهن العمر ورافقهن المرض والقهر والحزن.
يؤرق المرض الجدة أم أحمد، تقول إنه “لم يبق في العمر بقية”، وتتحسر على حال أحفادها وهي تضمهم لتشم فيهم “ريحة ولدها” كما تخبرنا، مشكلة حصناً منيعاً حولهم تجاه أي وعيد أو عقوبة من أعمامهم أو أخوالهم، تخبرنا أن أكبر أمنياتها أن تراهم شباناً وأن لا تتركهم وحيدين في هذه الحياة بعد خسارتهم لوالديهم.

يشكل هذا التعلق للجدات بأحفادهن عبئاً على باقي أفراد العائلة، يقول من التقيناهم إن إحساس الجدة بضرورة تعويضها لحفيدها عن غياب والده، وطغيان العاطفة على تصرفاتها، واستغلال الأحفاد لهذه العاطفة، يولد في بعض الأحيان سلوكاً خاطئاً لا يستطيعون تقويمه أمام صرامة الجدات بمنع أي أحد من التدخل في حياة أحفادها، حتى لو كان ابنها، وهو ما سيوثر على تكوين شخصياتهم في المستقبل مع غياب النصائح التربوية والعقاب في حال الخطأ، يضاف إلى ذلك أن هذا التعلق، وفي حال فقدان الجدة أيضاً، سيزيد من حالة الطفل بالوحدة والانعزال.

يقول أحد أقرباء أم محمد إن حفيدها ماهر يستغل منذ الآن نقطة ضعف جدته، فيكفي أن يبكي أو يلفظ كلمة “بابا” لقلب موازين صرامة جدته وتحويلها لحنان ومشاركته البكاء في كثير من الأحيان، وهو ما انعكس على حياته التي وصفها بـ “اللامبالاة” والتقصير في دراسته، أما فاتن الحفيدة المدللة عند الجدة أم وسام فدائماً ما تشكل غصة لجدتها، إذ لا يفارق الدمع وسادتها في كل ليلة، لعجزها عن تأمين متطلبات الصغيرة التي تراها طلباتها محقة في الألعاب والهدايا، رغم غياب هذه الأشياء عن معظم الفتيات في المخيمات نتيجة الظروف القاسية التي يعيشها السكان، إلا أن فاتن يتيمة ما يزيد الأمر صعوبة، بحسب جدتها.
وترى بعض الدراسات في الصحة النفسية أن العديد من العوامل قد تترك أثراً في حياة اليتيم، ومن الممكن أن تنعكس بشكل سلبي أو إيجابي على الحالة النفسية والسلوكية للطفل الذي فقد أحد والديه، وتختلف تلك العوامل حسب جنس الطفل وحسب المتوفى الأم أو الأب أو كلاهما بالإضافة لعمر هذا الطفل، إذ تكمن التربية الناجحة في إجراء توازن منطقي بين أطرافها الثلاث (الأب الأم والطفل)، وترك أحد هؤلاء الثلاثة لمكانه سيشكل خللاً في الميزان، و فراغاً لا يمكن تعويضه بسهولة، وأول ما سيفقده الطفل عنصر الأمان الذي كان يشعر به بحضور الأبوين، وشعور الطفل بعدم الأمان وفقدان الاستقرار والطمأنينة ستهز ثقة الطفل بنفسه و تعزز عامل الخجل لديه،  بالإضافة للفراغ الذي قد يتركه الغياب والذي قد يدفع الطفل للانحراف في كثير من الحالات ما لم تتم رعاية الطفل بشكل سليم.

لا يمكن إخبار الجدات بذلك، فليس من الممكن استعارة وجهاً من القسوة لصالح تربية الأطفال وتقويمهم، وهو ما سيترك آثاره على حياتهم وتكوينهم وتحصيلهم الدراسي، آملين ألا يحدث ذلك.

فداء الصالح