تأخرت في الكتابة عن كفرنبل “مدينتي” ذلك أن حجم الصور المتداخلة والتي تجد طريقها إلى ذاكرتي كلما حاولت لمس لوحة المفاتيح كانت تصيبني بالشلل، حلم يقظة يعيدني إليها رافضاً التصديق أن لا كفرنبل اليوم يمكنني أن أدخل إليها وأمشي في شوارعها، أكذب نشرات الأخبار وما يتداوله الناشطون في غرف الواتس آب، أقفل صوت الهاتف لأتلصص خائفاً أي خبر جديد، وأقنع نفسي أن ما حدث “مزحة” أخرى يعرفها الجميع عن المدينة وأهلها.

ليست كفرنبل في ذاكرتي وطناً واحداً وبيتاً وشارعاً قضيت فيه سنوات عمري، هي أوطان متداخلة وذكريات متشعبة، تهدي المدن لأصحابها استقرارهم في الوقت الذي أهدتني فيه كفرنبل رأساً شامخاً، أحاول جاهداً الخروج عن نمطية الأقوال الجاهزة، وأنتقي مفرداتي بعيداً عن الأيقونة وقبلة الأحرار.. كفرنبل كانت “بيت مونة الثورة” أضحك لما اقترفته بهذا التشبيه، أحاول مجدداً “كفرنبل..” لم أعد بحاجة لأكثر من ذلك، فتعريف المعرف إنكار، أرتاح لما وصلت إليه وأغلق عيني علهما ترقدان من لهيبهما.

لا يرتاح المسافر على حقائبه، تتحول وسادتي إلى منبه، أحمل هاتفي المحمول لأجد عشرات البقع الخضراء التي تحتاج للقراءة، أجاهد نفسي على منعها من ذلك بتذكر المدينة، أستعير صورتها النائمة على سفح جبل الزاوية، مجازاً أتذوق تينها، جميع من يعرفها يضع ثمار التين من أرضها في المرتبة الأولى، أمر بشجر الزيتون بالأحراش التي قطع قسم منها وما يزال قسم آخر يروي حكايات الأيام البكر في الثورة، يوم ضمت الناشطين وأخفتهم عن الأعين، ضحكات الأطفال أيضاً واستراحات الرعاة، بين صخورها زعتر بري ومواسم “الحويش” والفطر وزهور السوسن.

كلما حاولت التنعم بما يسعفني به خيالي تشدني عبارة “يسقط النظام” على قبة المسجد الكبير في كفرنبل، لا أعرف من كتبها ولم أسأل عنه يوماً، ولكنها أيقظتنا جميعاً ذات صباح لنعلن الدخول منذ الأيام الأولى في ركب الحرية. أنفض عقلي لأبتعد فيجبرني على الوقوف في دوار المدينة، هناك حيث مئات المظاهرات التي ألهبت المدينة وتخطت شوارعها لتجد طريقها إلى وكالات العالم، هناك ودع الأهالي شهداءهم، هناك رفعت أهم اللافتات والمواقف، وأيضاً هناك رفع أحمد الجلل رسوماته الخالدة. لا يخطر في بالي أن أحداً لم يمر بكفرنبل أو يذكر اسمها، لعلها نقشت صورتها على كافة الجدران، الأحرار كشكل من أشكال الحراك الشعبي والإنساني، والأعداء الذين حاولوا طمس مدنية الثورة وفي كل مرة كانت كفرنبل تعيقهم وتعيد لهم صورة القاتل الذي هم عليه، عرتهم المدينة وأهلها وسيحاولون جاهدين طمس حقيقتها التي لا يمكن أن تغيب.

“من يشهد للعروس” غير أهلها، قلت وأنا أحاول الابتعاد عن شخصنة المدينة، فقبلها بأشهر سقطت مدن لها مكانها وأهميتها، معرة النعمان وخان شيخون وسراقب..، الإجابة الحاضرة في ذهني كانت أن الإنسان لا يستطيع الهيام بمدينتين، استثناء يمكن للثائر أن يحب بلدته وكفرنبل بقدر متساوٍ.

لا أقول ذلك من فراغ، قالها لي أشخاص كثر من الذين التقيتهم في المدينة، فمنذ الجمعة الثالثة لبداية الثورة والحضور الدائم لكفرنبل في مظاهراتها، كانت المدينة تشد أزر من يقف في وجه الطغاة، فإن ضاقت السبل وحاصر الشبيحة المكان يتذكر الجميع أن الطرق مفتوحة نحو كفرنبل، فيها سيكون لك بيت وحياة وحرية.

لا أشك بعودتها يوماً، أعرف أن قوات النظام ستسعى للاحتفاظ بها ككنز ثمين تخفي فيه صورة بلبل الثورة الساروت ورسومات الجلل ولافتات رائد الفارس وضحكة حمود جنيد، ستمحي الشعارات عن جدرانها بعد أن دمرت بالطائرات أكثرها، ستدنسها أقدام المراسلين الحربيين، سيكتب أحدهم مستفيداً من الصور التي احتفظ بها في ذاكرته عن لافتاتها، سينتقي منها ما يخدمه ويدفن ما يستطيع دفنه من حقائق قضت مضجعه لسنوات، سيجير كل ذلك لخدمة سردياته الباهتة عن الوطن والجيش والقائد المفدى، كل ذلك لن ينفع مع كفرنبل، فالمدينة العصية عن اللجم والتأطير بعيداً عن الحرية، لا يحكمها سوى أهلها ومن شابههم، ولا تخضع لبسطار، الحرية وفقط الحرية مفتاح (أرض النبلاء) كما يعني اسمها.

خلال اعتقالي في العام ٢٠١١ سألني المحقق عن عدم محاولتي الهرب رغم أن الفرصة كانت سانحة لذلك، لم أفكر قبل أن أخبره أن “هذه مدينتي” وأنتم من عليكم الهروب منها.