تهرب عفراء رفقة أطفالها الأربعة في كل يوم جمعة من عتمة القبو الذي يسكنون فيه إلى حديقة الجلاء المجاورة لمنزلها في إدلب، تقول إن أطفالها يحلمون بهذا اليوم طيلة الأسبوع، يركضون كالمجانين وهم يتسابقون للوصول، ترسم على وجهها ابتسامة وهي تخبرنا عن جو المرح واللعب الذي يصنعونه في الهواء الطلق بعيداً عما وصفته بـ “المكان الخانق الذي يضمهم”.

على المقعد المكسر أمام ألعاب الأطفال تختار عفراء أن تريح جسدها وهي تراقب أطفالها يتنقلون بأجسادهم الغضة على ما تبقى من ألعاب حديدية، تحاول جاهدة أن تتمسك برباطة جأشها وهي تلوح لهم بيديها، تلتقط لفرحهم صوراً تذكارية، والجملة الوحيدة التي ترافقها دائماً “ديروا بالكون لا توقعوا”.
سلاسل حديدية وأرضية من التراب وأراجيح بلا مقاعد، هو كل ما يمكن أن يصلح كوصف للمكان، لا ألوان زاهية أو مقاعد بلاستيكية أو أراض مطاطية أو من الفلين، أما “المزحلقات” الحديدية هي الأخرى فبلا أي سور وبحديد صدئ يحمل حرارة الصيف وبرودة الشتاء واتساخ الملابس إن لم نقل تمزيقها.

تقول عفراء إن هذه الفسحة الترابية تحتوي طفولة أطفالها المسروقة، هم يصرخون ويضحكون وينسون أصوات الطائرات والحرب، بينما يهرب الأطفال من أسئلتنا عن المكان، يقولون إن حديقتهم لا تشبه ما يشاهدونه على التلفاز والصور، إلّا أنهم لا يتركون فرصة لخلق جو من الحياة وإيجاد حلول من أكوام الحديد تلك لتكون مصدر سعادة لهم.

ديزني لاند في إدلب -إنترنيت
ديزني لاند في إدلب -إنترنيت

“ليس فقط على الهاتف يقول أحد الأطفال”، ويشير بيده إلى مكان قريب عرفنا أنه مدينة ألعاب “ديزني لاند” في إدلب، والتي يحتاج دخولهم إليها إلى نقود كثيرة لا تملكها معظم العائلات في المدينة التي تغص بالوافدين والمهجرين والفقراء، يجره صديق له لإكمال حياتهم التي قاطعناها بأسئلتنا، يضحكان “هي ديزني لاند /نا”، يلتفت إلينا من جديد يبدو أنه يريد البوح بسر آخر “فيه كمان الأرض السعيدة عند الكورنيش”.

على كرسي في طرف حديقة الزير بحي الثورة في إدلب يجلس الحاج “أبو حسن” ويدير وجهه بعيداً عن الكاميرا التي نحملها، يقول إنه يجلس في الحديقة دون أن يدفع ضريبة! ويتابع كل شيء اليوم يخضع للنظام الضريبي “رغيف الخبز، نقطة المياه، الوقود، أمبيرات الكهرباء، والقائمة تطول”، يشير بيديه بحركة اعتدنا استخدامها كدليل على العجز ليكمل “أداوم على القدوم إلى هنا لساعات يومية، أحاول الهرب من كل شيء”.

حدائق إدلب العامة تشترك فيما بينها بـ “الإهمال وانتشار القمامة وغياب العناية”، لا فارق بين حديقة الجلاء أو الزير وألماظة والذرة والحديقة العامة أو “المشتل” كما يطلق عليها الأهالي، إلّا أن الأخيرة تمتاز بأشجارها العالية ووجود أنواع مختلفة من الزهور وأشجار الياسمين، بعضها ما زال مزهراً إلّا أن اليباس طال قسماً كبيراً منها، أما بحرات المياه المعطلة في داخلها فقد جفت منذ زمن، تبدو وكأنها “بئر معطلة مهجورة”، يقول أبو حسن.
“أفضل الموجود”، “الي جابرك على المر”، “ما بعرف” أكثر الإجابات التي تلقيناها من رواد الحدائق للسؤال عن سبب لجوئهم إلى هذه الحدائق غير المخدمة، يقول أبو عمر (مهجر من حمص) إنه يزور الحديقة بشكل أسبوعي فلا “قدرة لي على الذهاب للمطاعم الخاصة، لست حمل فاتورة إضافية تلاحقني كيفما اتجهت”، تبتسم زوجته لتخبرنا عن طقس تحمل فيه ما تحضره في المنزل من أطعمة لأطفالها بدلاً من شراء الطعام الجاهز.

داخل حديقة “المشتل” تتوزع العائلات فوق “حصر عتيقة” يفترشونها على بقايا العشب الأصفر، يشربون الشاي الساخن ويتبادلون الحديث والتدخين، بينما تنشغل النساء بتبادل الأحاديث وأكل البزر والتقاط صور لتفاصيل أطفالهن.
في شوارع الحديقة عربات لباعة جوالين يجرونها في أنحاء الحديقة، تمتلئ بأنواع من مأكولات الأطفال والبسكويت والموالح، ينادون على بضائعهم للفت انتباه الأطفال، يقول أحدهم لنا إن الحديقة مصدر رزقه منذ تهجيره من ريف دمشق قبل سنوات ثلاث، يصف ما يجنيه من عمله بـ “المستورة”، ويخبرنا أنه يصطحب زوجته وطفليه في أيام الجمعة إلى الحديقة ليستمتعوا بوقتهم فيما يمارس عمله.


بالقرب من أكوام الحديد أو الألعاب المجانية نصب الشاب عامر ثلاثة ألعاب مأجورة، لوّنها بألوان زاهية لجذب الأطفال، سيما “القليبة والأرجوحة الكبيرة ذات المقعدين”، يقول عامر إنه يسمح للأطفال باللعب لمدة دقيقتين مقابل أجرة بسيطة، ويصف الإقبال على ألعابه بـ “الجيد” في فصل الصيف، أما في الشتاء ومع قلة رواد الحديقة فيبيع “عرانيس الذرة” الساخنة لتعويض نقص ما يجنبه من تأجير الألعاب.
لا يوجد عمال في الحديقة مسؤولون عن خدمتها أو نظافتها، يدلك على ذلك الأكياس المرمية وبقايا الأطعمة والقشور والقمامة المنتشرة في أنحاء الحديقة كافة، وعند البحث عن موظف لسؤاله بعض أن رفضت الجهات الحكومية الإجابة عن أسئلتنا، وجدنا رجلاً، بالقرب من كشك صغير يبيع المشروبات الساخنة أمام باب الحديقة، قال إنه يعمل كحارس في الحديقة ويتناوب على عمله مع شخص آخر لحماية أشجار الحديقة من القطع والاحتطاب لا سيما وأننا في الشتاء، وقد شهدت الحدائق سابقاً قطعاً لبعض أشجارها بغرض التدفئة، يقول بسام كما عرف عن نفسه إن مهمته تقتصر على الحراسة ولا دخل له بالتنظيف أو العناية بالحديقة.

الأرض السعيدة في إدلب -إنترنيت
الأرض السعيدة في إدلب -إنترنيت

بالقرب من حديقة المشتل يطل عليك مطعم “ديزني لاند” في إدلب، سيارات بماركات عالمية مختلفة تملأ المكان، أطفال بلباس دافئ ورجال ونساء تبدو عليهم علامات الراحة المادية، في الصالة الداخلية ركن خاص لألعاب الفيديو الحديثة، وألعاب العالم الافتراضي بتقنية “ثري دي”. خمس دقائق من اللعب في واحدة منها تحتاج لأربع أو خمس قطع معدنية سعر كل منها 200 ليرة، أي ما يعادل نصف ما يجنيه العامل في إدلب ليوم كامل، وهو كل ما يجنيه البائع الجوال في الحديقة العامة.

لا يزور غالبية أطفال إدلب ديزني لاند أو الأرض السعيدة التي تضم الألعاب الكبيرة كـ “السفينة والأراجيح العالية والسيارات الالكترونية وألعاب الفيديو وصالة سينما الأطفال”  ، يقول من التقيناهم لا “ديزني لاند” للفقراء في مدينة إدلب سوى الحدائق العامة، التي أصبحت النادي العائلي الأول، لغالبية الأسر الفقيرة والمتوسطة الحال، حيث تفتح أبوابها بالمجان لهم وتؤمن لأطفالهم فسحة لعب واسعة في الهواء الطلق لتفريغ طاقتهم، يركبون ما بقي من المراجيح الحديدية وبعض الألعاب التي بقيت صامدة إلى اليوم رغم ما لحقها من تخريب وتكسير ودمار، لتصبح مجرد هياكل حديدية، في انتظار من يعيد تأهيلها من جديد.

منيرة بالوش