يعتمد محمد عبد الوهاب من بلدة قسطون (68 كم شمال غرب حماه) على ما تبقى من مياه السد الواقع شرق البلدة لري أرضه الزراعية، يقول إن قرب المكان (700 متر عن السد) يساعده في سقاية محاصيله ويعبر عن مخاوفه من جفاف بقعة المياه الأخيرة والتي تشكلت من الهطولات المطرية في العام الماضي، بشكل كامل. ليلتحق بمعظم مزارعي البلدة الذين تحوّلوا إلى الزراعة البعلية بعد انقطاع ضخ مياه نهر العاصي عنه منذ ما يزيد عن سبع سنوات.

أزمة مياه في السدود التخزينية على حوض العاصي

تفاقمت أزمة جفاف السدود خلال السنوات الأخيرة على حوض نهر العاصي بعد توقف ضخ المياه إليها منذ عام 2011، وانقطاع كامل للتيار الكهربائي ما أدى إلى انخفاض منسوب المياه في السدود التجميعية كـ “سد قسطون” والذي بني في العام 1992 بغرض الري، بحسب دراسة لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO))، وتقدر مساحته بـ 2700 دونم وسعته التخزينية 28 مليون مكعب، بحسب محمد مصطفى عيسى نائب رئيس المجلس المحلي لـ قسطون في كلامه لصحيفة عنب بلدي.

سد قسطون
سد قسطون

انخفض منسوب المياه في السد خلال العام الحالي إلى مليون متر مكعب ليقتصر دوره على سقاية الأراضي المحيطة به بعد أن كان يغذي بالمياه 25 قرية في سهل الغاب الشمالي، بحسب ما قاله مهند النعسان رئيس المجلس المحلي في البلدة لفوكس حلب.

يقول النعسان إن السد تحول إلى بحيرة صغيرة بمساحة 2 كيلو متر مربع، تمتلئ من مياه الأمطار الشتوية وتغذيها أربعة ينابيع مجاورة لا يتجاوز ضخها أربع (بوصات) في الساعة وتغذي الأراضي المحيطة بها، وذلك نتيجة لتعطل أغلب محطات الضخ في السد بعد القصف المباشر له من قوات النظام. وكانت تبلغ مساحة السد سابقاً 1000 هكتار، أما طوله 3.5 كم، ويتراوح عمقه من 40 حتى 80 متراً، يمتد من قرية قسطون غرباً حتى قرية شاغوريت شرقاً، كان يفيد في ري حوالي40 ألف دونم، موزعة على أراضي 16 قرية.

تراجع المياه في سد قسطون
تراجع المياه في سد قسطون

ويكمل النعسان أن السد يعتمد بشكل رئيسي في تزويده بالمياه على مضخات قرى القرقور والزيادية ومضخة قسطون التي تعمل على سحب المياه من نهر العاصي المار من قرية القرقور، إلا انها توقفت منذ قرابة 7 سنوات بعد استهدافها بشكل مباشر من قبل قوات النظام وسرقة ما تبقى منها من قبل بعض الأشخاص في المنطقة، ما أدى لبدء انخفاض مستوى المياه تدريجياً بسبب عدم تعويض ما يتم سحبه. وقدّر نسبة الانخفاض بـ 90 بالمئة ما أثر سلباً على مئات المزارعين الذين يعتمدون في معيشتهم على الخضراوات في الصيف، وعلى القمح في المواسم الشتوية، لتصبح هذه الأراضي بعلية بشكل كامل وتستثنى منها المزروعات الصيفية بسبب عدم وجود الماء.

وتهدف السدود التخزينية إلى تجميع المياه شتاء والاستفادة منها في موسم الري عبر الضخ في أقنية ري معدة مسبقاً لتوزيعها على الأراضي، كـ سد البالعة، يقع قرب قرية البالعة بريف جسر الشغور بسهل الروج، غربي إدلب، والذي أُنشئ في أواخر التسعينات من القرن الماضي، بسعة تخزينية تزيد عن 14مليون م3، والذي يعمل عبر ضخ المياه من محطة عين الزرقاء التي تضخ المياه بغزارة 5.5 متر مكعب في الثانية، عبر نفق البالعة.

جفاف سد البالعة بشكل كامل
جفاف سد البالعة بشكل كامل

وبحسب المهندس أحمد رشواني، يبلغ محيط السد خمسة كيلو مترات ومساحته 150 هكتاراً وارتفاعه حوالي عشرة أمتار، وتبلغ سعته التخزينية 15 مليون متراً مكعباً، كان السد يساهم بري سهل الروج شهري تموز وآب، وهو من السهول الهامة في إدلب، ويحتاج سنوياً لنحو 90 مليون متراً مكعباً، وكان يعتمد بريه على مياه تضخ من نبعة عين الزرقاء بدركوش، ونهر العاصي، عبر قناة رئيسية تصب بقنوات ري فرعية في السهل، إلا أن هذه المياه لا تكفي بشهري الصيف تموز وآب، ليستكمل الري من سد البالعة.

يغذى السد بطريقتين في فصل الشتاء، الأولى بمصرف سيول أمطار غالب سهل الروج، وضخها للسد، حيث يضخ سنويا حوالي (2-3) مليون متراً مكعباً منها، ويستكمل تعبئة السد من مياه عين الزرقاء.

مجرى سد البالعة وقد جف بشكل كامل
مجرى سد البالعة وقد جف بشكل كامل

ونتيجة انقطاع الكهرباء عن أرياف إدلب بداية عام 2013 توقف العمل في السد نهائياً، وأخذت المياه المخزنة داخل السد بالتناقص عاماً بعد عام حتى ظهرت أرضية السد في بعض المناطق، وكثرت فيه الحشائش الضارة، وتشققت جدرانه بسبب الجفاف ما اضطر بعض الأهالي للاعتماد على الآبار الجوفية التي يتم سحب المياه منها عبر مولدات وغطاسات تعمل على مادة المازوت بكلفة 2000 ليرة للساعة الواحدة، بينما اعتمد آخرون على الطاقة الشمسية في الري وسحب المياه من الآبار والتي تحتاج قرابة ٣٠ لوح طاقة تكفي لسقاية ٥ دنم يومياً.

تدهورت أحوال السكان بسبب جفاف السد الذي كان يغذي سهل الروج البالغ مساحته قرابة 13100 هكتاراً، والذي يعتبر السلة الغذائية لأرياف إدلب الجنوبية والغربية، ما دفع بمعظم مزارعي المنطقة للتوجه نحو المحاصيل البعلية كـ الحنطة والشعير وحبة البركة والحمّص والذرة البيضاء، وبمردود يقل بـ 80% عنه في السقاية المروية، بحسب المهندس الزراعي محمد الموسى والذي قال إن إنتاج الأراضي البعلية من القمح أو الشعير في أفضل أحواله يمثل نسبة من 2إلى 3 بالعشرة من المروية، وينسحب الأمر وبنسب متفاوته على باقي المحاصيل، والتوقف عن تربية المواشي والأغنام التي كانت تتغذى بعد انتهاء الموسم الزراعي من بقاياه كالقطن والخضروات.

يقول المزارع عبد الرحمن السطم من سهل الروج إنه لجأ لحفر بير ارتوازي وتشغيله على ألواح الطاقة الشمسية التي ساعدته على سقاية 5 دنمات فقط من أرضه البالغة مساحتها 20 دنماً بسبب معاناته من كثرة الاعطال وغياب ضوء الشمس في معظم الأيام، وأكد أن معظم المزارعين الذين جازفوا وقاموا بزراعة أراضيهم بالمحاصيل البعلية كالحنطة والشعير لم تنتج “حتى طن واحد” بسبب تكرار زراعة المحاصيل ذاتها التي أثرت بشكل سلبي على التربة.

وأكد المهندس عبد الخالق رئيس دائرة الموارد المائية في إدلب، أن السبب الأساسي لجفاف السد هو اتباع المزارعين الطرق التقليدية في الري بالجريان، وعدم اتباعهم أنواع السقاية الحديثة كالتنقيط والرذاذ الذي يخفض نسبة هدر المياه بشكل كبير، وكذلك ضعف الإمكانيات المالية التي حالت دون إقامة مشاريع لإيصال مياه عين الزرقاء إلى سهل الروج، والتي إن وصلت ستكفي سكان الشمال السوري غذائياً، وتصدير الفائض من إنتاجها.

الأراضي الزراعية المحيطة بسد البالعة والجفاف الذي أصابها بعد توقف مياهه
الأراضي الزراعية المحيطة بسد البالعة والجفاف الذي أصابها بعد توقف مياهه

ويرى عبد الخالق إن هناك حاجة ماسة لتشكيل مجلس زراعي يعمل على التخطيط وتوجيه الفلاحين إلى نوع الزراعات الواجب تنفيذها من حيث الكمية، بحيث لا يمكن زراعة القمح لوحده دون غيره، وزراعة محاصيل بكميات كبيرة في ظل غياب سوق تصريف لها، مما يؤثر سلباً على السعر كما أن انعدام زراعة المحاصيل المختلفة أدّى لارتفاع سعر بعض المحاصيل بشكل مضاعف.

من جهته طالب المزارع محمود عبد القادر من منطقة سهل الروج المعنيين بإدارة الموارد المائية والمنظمات الإنسانية بإقامة دورات توعية لإرشاد المزارعين القريبين من السدود، وأصحاب الآبار الارتوازية من أجل ترشيد الاستهلاك الزائد من المياه الذي يفتح الباب أمام أخطار حقيقية تهدد الموارد المائية في المحافظة، خاصة الاستهلاك العشوائي للمياه وفتحها على الأودية والأنهار من قبل بعض الأشخاص.

ويغيب عن المنطقة المشاريع الزراعية المقدمة من قبل المنظمات الإنسانية، باستثناء “مشروع صيانة وإعادة تأهيل وري 800 هكتار في سهل الروج” الذي قامت به منظمة يداً بيد من أجل سوريا في العام 2017، عبر إعادة تأهيل سبعة آبار وصيانة المضخات وشبكات الري والتي استهدفت 11 قرية استفاد منه 470 مزارع في المنطقة.

السدود الترشيحية ليست أفضل حالاً

لا يقتصر اعتماد المزارعين في ري أراضيهم على السدود الضخمة كسد قسطون والبالعة سابقاً وزيزون الذي انهار في العام 2002، بل كان للسدود الترشيحية أثر كبير على الزراعة، فبحسب المهندس الزراعي عبد الخالق الشيخ يوجد في المحافظة أربعة سدود ترشيحية تتوزع معظمها جنوب إدلب وهي سد خان شيخون وسد الطويلة في بلدة الهبيط في الجنوب وسد كفروحين والعقرق غرب إدلب. وتكمن الأهمية الأساسية من هذه السدود في درء الفيضانات عن الأراضي الزراعية وترشيح المياه الى باطن الأرض لزيادة منسوب المياه الجوفية وتغذية قرى وبلدات المحافظة بمياه الري.

وتبلع السعة التخزينية لـ سد كفروحين 2.25 مليون متر مكعب، وسد العقرق ومصدره المائي وادي العقرق وسعته التخزينية 600 ألف م3 وإجمالي تخزينه 24 ألف م3، وسد خان شيخون مصدره المياه المتجمعة في وادي خان شيخون وسعته التخزينية 270 ألف متر مكعب بحسب ما نشره موقع دي برس.

أما سد الطويلة (شمال غرب الهبيط 3 كم) كان يتم فيه تجميع مياه الأمطار القادمة عبر أقنية بسيطة تبدأ من بلدة كفرعويد والمناطق المرتفعة المحيطة بها بجبل الزاوية، وتتجه باتجاه بلدة الهبيط  مروراً بعابدين والنقير، لتتجمع المياه في جسم السد، وتعتمد نسبة المياه المتجمعة فيه على زخم المطر القادم في الشتاء لتتابع المياه مسيرها عبر “شقق مياه =مجرى مائي صناعي” من كفرنبودة إلى كرناز لينتهي في سد أفاميا (الحجم الأعظمي للتخزين السنوي في أفاميا 27,5 مليون متر مكعب) في مدينة قلعة المضيق الذي يعمل منذ عام 1997، ويؤمن المياه لري مساحة مقدارها6500 هكتاراً في المنطقة بحسب محمود أبو راس أحد أهالي البلدة.

جفاف سد البالعة
جفاف سد البالعة

يقول المهندس الموسى إن منسوب المياه في هذه السدود قد تتضاءل إلى درجة كبيرة، وبعضها مهدد بالجفاف الكامل خاصة مع التغيرات المناخية وقلة الأمطار والسحب الجائر، إلّا أن الخطر الأكبر يكمن في غياب الرقابة والإدارة العامة للمياه واجتراح الحلول المناسبة من قبل المؤسسات المعنية والمجالس المحلية، وتنفيذ مشاريع تقوم عليها مؤسسات دولية سيؤدي إلى خلل في الأمن الغذائي للمنطقة، خاصة وأن سوريا تصنف من البلدان شبه الجافة، والتي تعتمد في 89% من أراضيها على الزراعات المروية.

فريق فوكس حلب