تبرز قضية المياه، ومنذ عام 2011، كإحدى أهم جوانب المعاناة الإنسانية للسكان في سوريا، بعد أن استخدمت كورقة ضغط لتحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية والعسكرية، ويمثل حوض نهر العاصي صورة واضحة من صور هذا الصراع تتجلى في قطع مياهه وإيقاف المضخات المغذية للسدود التي تقع في مناطق المعارضة، كذلك حرمان المزارعين الذين يسكنون في مناطق المعارضة من المياه ما أدى إلى جفاف قسم من الأراضي وتحويلها إلى الزراعات البعلية، والذي ترك أثره على الأمن الغذائي والمائي في المنطقة.

الأراضي الزراعية على حوض نهر العاصي
الأراضي الزراعية على حوض نهر العاصي

لمحة عن النهر (جريانه وروافده)

سمي العاصي بهذا الاسم لمعاكسته طبيعة الجريان في المنطقة، إذ يتجه من الجنوب للشمال بعكس أنهار المنطقة، ويمر بثلاثة دول (لبنان –سوريا – تركيا)، وينبع من سهل البقاع اللبناني ويدخل الأراضي السورية عند بلدة “ربلة” التابعة لناحية القصير جنوبي حمص، ويمر بثلاث محافظات سورية (حمص – حماه – إدلب) قبل دخوله الأراضي التركية ليصب في خليج “السويدية” على البحر المتوسط.

وتختلف الدراسات حول طول النهر، إلّا أنها أكثرها رواجاً تقول إن مساحة الحوض الصباب (15440 كم²) بطول 571كم، منها 366 في سوريا وبمتوسط تدفق 25.8 م³/ثا، ويبلغ تصريفه السنوي 2000 مليون م³.

تصميم عبد الله خطيب
تصميم عبد الله خطيب

يدخل نهر العاصي “بحيرة قطينة” في ريف حمص، بعد 20 كيلو متراً من دخوله الأراضي السورية، ويتابع مجراه في محافظة حمص، حتى يصل مدينة الرستن التي أقيم فيها سد على مجرى النهر، يسمى باسمها “سد الرستن”، ليكمل طريقه إلى محافظة حماة، ويمر بالمدينة، والتي توجد فيها على مجراه نواعير خشبية ضخمة، هي الأكبر على مجرى النهر، الذي يشتهر بالنواعير بعدة أماكن، ويتابع النهر مجراه بعد مدينة حماة إلى ريفها الغربي إلى مدينة محردة، حيث أقيم  فيها سد أيضاً على النهر، وبعد محردة يتجه غرباً لبلدة العشارنة، التي أقيم عليه فيها سد ضخم يسمى “سد العشارنة”، وبعدها ينحرف شمالاً ليدخل سهل الغاب الهام زراعياً، وينقسم فيه لمجريين، “الألمان” و”الطليان”، وهما فرعان للنهر سميا على أسماء الشركات التي حفرتهما، أثناء تجفيف مستنقع سهل الغاب، الذي بدأ عام 1953 وانتهى عام 1968، وفي سهل الغاب أقيم بالقرب من مجراه ثلاثة سدود تغذى منه، هي “سد قلعة المضيق” و”سد زيزون” و “سد قسطون”، ومن سهل الغاب يكمل العاصي مجراه شمالاً باتجاه إدلب، ليمر بمدينة جسر الشغور، ثم يشكل بعدها حوالي 31 كيلومتراً من الحدود بين تركيا وسوريا،  قبل دخوله الأراضي  التركية، ومصبه في البحر الأبيض المتوسط.

مجرى مائي لنهر العاصي يستخدم لري المحاصيل الزراعية
مجرى مائي لنهر العاصي يستخدم لري المحاصيل الزراعية

يرفد العاصي خلال مجراه عدة روافد، هي نهر الكافات، نهر الساروت، نهر قسطون، نهر سلحب، نهر أبو قبيس، نهر البارد، نهر عفرين، نهر الأسود، ونبع عين الزرقاء، وهي عبارة عن أنهار نبعية وموسمية تغذي مياه النهر.

أهمية العاصي ودوره في الأمن المائي والغذائي

يشكل نهر العاصي الدعم المائي الأهم لعدة سهول في حوضه، ويؤمن مياه الري للزراعة في المحافظات التي يمر بها، خاصة مع افتقار “المنطقة الوسطى مكان مروره) للمجاري المائية بشكل عام، إضافة لقلة المنسوب المطري والينابيع والمياه الجوفية.

ري المحاصيل الزراعية عبر الضخ من مياه العاصي
ري المحاصيل الزراعية عبر الضخ من مياه العاصي

ويغذي النهر سهل الغاب الخصب زراعياً، والذي تبلغ مساحته 241 ألف هكتاراً مخصصة للزراعة، ويعتبر السلة الزراعية الأهم في الشمال السوري والتي تمتاز بتنوع المزروعات وخصوبة التربة.

يقول المهندس الزراعي غسان عبود مدير (دائرة الزراعة الحرة في سهل الغاب) إن “أهمية العاصي في سهل الغاب تأتي من كونه يغذي ثلاثة سدود رئيسية، تغطي 70 إلى 80 % من الاحتياجات المائية لزراعة المحاصيل الصيفية، بأنواعها مثل القطن، والشمندر، والذرة، والتبغ، والخضروات الصيفية بكل أنواعها، بالإضافة لما يؤمنه النهر عن طريق القنوات الفرعية المنتشرة في ربوع سهل الغاب، والتي تغذي بدورها الأراضي الزراعية”.

وعن تغذية السدود الثلاثة ودورها، يضيف العبود “كان يغذي نهر العاصي سد أفاميا بحوالي 80% من مخزونه العام، أي حوالي 20 إلى 25 مليون م³، تساهم في ري حوالي 55 ألف دونم، ويغذي سد زيزون بحوالي 45 مليون م³ تروي حوالي 45 ألف دونم بسهل الغاب، ومنطقة جسر الشغور، وكان يغذي النهر سد قسطون أيضاً بحوالي 17 مليون م³تفيد بالري الزراعي لذات المنطقة”.

ويسهم النهر بتأمين المياه التي كان يحتاجها معمل “سكر جسر الشغور”، من أجل عملية تكرير السكر الخام، إضافة لتوفير مياه الشرب للثروة الحيوانية بسهل الغاب (كالمواشي والأبقار وغيرها)، والتي تعد من الثروات الحيوانية الهامة للشمال السوري، إذ يتواجد في سهل الغاب حوالي 178.350 رأس غنم، و12.130 رأس ماعز، و4.435 رأس بقر، حسب ما أوضح عماد الناعس رئيس دائرة الثروة الحيوانية بمديرية “زراعة حماة الحرة “.

بالإضافة إلى ذلك كان مصدر رزق للعديد من السكان، الذين يعملون بصيد وتربية الأسماك بالمزارع الصناعية، التي يبلغ عددها 300 مزرعة، موزعة على 650 هكتاراً، كما أوضحت مدير زراعة الغاب.

مياه النهر “سلاح حرب”

عمدت قوات النظام لاستخدام مياه النهر بالحرب السورية طيلة السنوات الثمان الماضية، ففي ريف حماة الشمالي الذي كان يشهد اشتباكات ومعارك دائمة، شكل النهر بمروره في المنطقة الساخنة من خطوط الاشتباك الدائم فاصلاً جغرافياً بين طرفي الصراع، وتناوبت الفصائل العسكرية وقوات الأسد السيطرة عليه، إذ غالباً ما كان يشهد تقدماً من بلدة اللطامنة وحتى حلفايا، ولذلك عمدت قوات النظام (أكثر من مرة) لفتح سد الرستن بمنسوب ضخم، أدى إلى رفع منسوب النهر بشكل كبير، وغمر حوضه بريف حماة الشمالي، ليقطع على الفصائل طرق التقدم، أو الإمداد، كان آخرها عام 2017، عند سيطرته على بلدة حلفايا، بعدما كانت سيطرت عليها المعارضة.

سد قسطون بعد إيقاف ضخ مياه العاصي إليه من قبل قوات النظام
سد قسطون بعد إيقاف ضخ مياه العاصي إليه من قبل قوات النظام

الناشط “محمود الحموي” ابن ريف حماة الشمالي، ذكر أن قوات النظام أجرت هذه العملية عدة مرات بمعارك ريف حماة، وأن الهدف كان دوماً غمر جسور العبور، المقامة على النهر، لمنع تقدم فصائل المعارضة والسيطرة على مدينة حلفايا، والقرى المحيطة بها، وأحيانا لإيقاعهم بالحصار المائي بعد التقدم.

من ناحية أخرى ذكر العبود، أن النظام استغل حاجة الناس للمياه من أجل ري محاصيلهم، حيث قامت “الميلشيات التابعة له والتي تعرف بالدفاع الوطني” بسرقة المضخات والعنفات والمعدات التي تغذي السدود،  لينحصر مورد مياهها على الأمطار، التي لا تغذي كل سد إلا بمخزون لا يتجاوز المليون إلى المليون ونصف متر مكعب، بحيث لا تكفي لأكثر من زراعة بضع المئات من الدونمات،  والقريبة من السد حصرياً، نتيجة لذلك غابت الكثير من الزراعات الهامة،  وأجبر الفلاحون على اعتماد زراعات معينة كالحبوب، وتكرارها مما أدى لخسائر كبيرة عليهم، وعلى قطاع الزراعة، بحسب الحموي.

رئيس المجلس المحلي لقلعة المضيق “ابراهيم الصالح”، قال إن قوات النظام التي كانت تسيطر على قلعة أفاميا الأثرية، المطلة على السد، كانت تمنعهم من تفعيل أو اصلاح الخطوط المائية، على مدى السنوات الماضية، إلا أنهم قاموا في العام الحالي بمشروع بمساعدة الهلال الأحمر القطري،  لتأهيل محطة ضخ بركة مياه قلعة المضيق، بهدف تأهيل قناة الري ج3 ، التي تخترق سهل الغاب كله، من قلعة المضيق حتى قرية العنكاوي، وأنجز المشروع، وتم تزويدها بمحركات ضخ، كما تمت صيانة لوحات التحكم، ثم تم تشغيلها وتجريبها، من خلال ضخ المياه لأول مرة بعد توقفها لمدة 8 سنوات. إلا أن قوات النظام تقدمت وسرقت المعدات كاملة، ليتوقف المشروع من جديد، وينقطع وصول المياه للجزء المحرر المستفيد من سهل الغاب. بحسب الصالح.

نهر العاصي
نهر العاصي

أما فصائل المعارضة فقد كانت تسيطر على الفرع الشرقي لنهر العاصي، المسمى بالألمان، والذي يغذي الفرع الغربي المسمى بالطليان، الذي يمر بالقرى الموالية للنظام، وقامت أكثر من مرة بإغلاق الفتحة الواصلة للفرع الغربي، بهدف منع وصول المياه  للقسم  الذي تسيطر عليه قوات النظام، من أجل رفع منسوب مياه الفرع الشرقي، وحصر الاستفادة من المياه  للقسم الذي يقع تحت سيطرتها، ولمنع قوات النظام من التقدم بحاجز مائي ذي منسوب مرتفع، بحسب ما أوضح الناشط “محمود اليحيى”، والذي ذكر أن تلك العملية كانت تنفع وتعوض سهل الغاب من جهة، وتضر من جهة أخرى إذ كانت تتسبب برفع منسوب القسم الشرقي، مما يتسبب بغمر مساحات مزروعة لابأس بها أحياناً، وتلحق الضرر بها.

فريق فوكس حلب