قرية كفرسجنة قبل الحملة العسكرية الاخيرة -إنترنيت
قرية كفرسجنة قبل الحملة العسكرية الاخيرة -إنترنيت

من بيوت مضيفة إلى شبه مدمرة

“لم أحمل معي سوى بعض الأشياء الأساسية اللازمة لنزوح قصير، الأمل بالعودة القريبة كان يرافقني في كل ليلة” يقول سامر العيسى (من قرية كفرسجنة بريف إدلب الجنوبي) الذي لم يغادر قريته طيلة السنوات الماضية إلّا منذ أربعة أشهر مع بداية الحملة العسكرية لقوات الأسد وروسيا على المنطقة.

لم يكن يتخيل أنه سيمكث طويلاً، خاصة مع ما شاهده من مرارة النزوح خلال تنقله بين مدن وبلدات الشمال. سقوط خان شيخون (القريبة من قريته) بيد قوات الأسد وعودة الأهالي لأخذ ما سلم من أغراضهم وأثاث منازلهم، حتى (النوافذ والأبواب) قتل في سامر كلّ يقين بالعودة، يقول إن قريته “باتت حلماً بعيداً يصعب الوصول إليه”.

أيام في كفرسجنة

يحاول الحاج أبو سعيد بعد دقائق من التأمل البحث عن وصف يليق بقريته، يقول إنها “دافئة وحنونة”، “هي وطن” يستدرك وهو يحكي عن المدارس والأطفال المتوزعين على الطرقات، الشبان العالقين بالإنترنيت، النساء المستيقظات باكراً على “تنور الخبز” وسقاية أحواض الورد، منهن المتجهات برفقة أبنائهن إلى الحقول، والرجال الذين عاشوا “أيام العز” على حد وصفه.

كفرسجنة قرية تعود تسميتها إلى اللغة السريانية (كفر =مزرعة، وسجنة = خير)، وتعني مزرعة الخير، يبتسم أبو سعيد للوصف وهو يخبرنا “نعم هي كذلك”.

تقع كفرسجنة في الريف الجنوبي لمحافظة إدلب، جنوبي غرب مدينة معرة النعمان بحوالي 15 كم في منطقة ترتفع بـ (480-570 م) عن سطح البحر، يسكنها بحسب إحصائية العام 2010 حوالي خمسة عسر ألف نسمة، وصل عدد سكانها في العام 2016 إلى ثمانية عشر ألف نسمة، بعد أن هجرها قسم من أهلها، واستقبلت بدورها ستة آلاف وافد (ثلث السكان) من مناطق مختلفة كـ (حماه وحمص) وغيرهما من المناطق التي سيطر عليها النظام خلال عمليات التهجير القسري.

تبلغ مساحة القرية 5427 هكتاراً منها (450 هكتاراً مساحة الأبنية والطرقات، و3854 أراض زراعية و1123 مروجاً ومراعي غير مستثمرة)، ويوجد في القرية عشرة آبار خاصة لمياه الشرب والري، ويزرع أهالي القرية المحاصيل الشتوية البعلية كـ “القمح والشعير والبقوليات والكمون واليانسون وحبة البركة”، كما يوجد فيها أشجار الزيتون والتين والفستق الحلبي إضافة للكرمة، وفي القرية سوق أسبوعي (يوم الإثنين) يتجمع فيه الباعة من القرى المحيطة في القسم الشمالي منها.

وتضم القرية سبع مدارس للتعليم الأساسي وثانويتان (إحداهما للإناث) وروضة خاصة للأطفال وأخرى للأيتام، ومعهد تقاني طبي (قسم للإناث وآخر للذكور) يتبع لجامعة حلب الحرة، ويحصل فيه الطلاب على شهادة بعد سنتين من الدوام، ومعهد شرعي (4 سنوات)، ومستوصف طبي، كذلك في القرية مجلس محلي لإدارة الخدمات في القرية.

حال القرية اليوم

يقول بعض من التقيناهم في القرية من الشبان الذين رفضوا المغادرة، إن القصف المستمر منذ ما يزيد عن أربعة أشهر دمر قرابة 55% من المنازل، وجميع المدارس التي تضررت بنيتها التحتية، في الوقت الذي أدى إلى دمار كامل لقسم الإناث في المعهد الطبي.

تدمير المعهد التقاني الصحي في كفرسجنة -إنترنيت
تدمير المعهد التقاني الصحي في كفرسجنة -إنترنيت

زاد القصف على القرية ابتداء من نهاية شهر نيسان الماضي، خاصة على تل النار “جنوب القرية”، ما دفع معظم السكان للنزوح، تقول ريم الخضر (واحدة من سكان كفرسجنة) إنها مشت في ظهيرة الثالث من أيار في شوارع القرية باحثة عن أي دكان للسمانة لشراء بعض الاحتياجات دون جدوى، كانت الشوارع خاوية من المارة سوى بضعة أشخاص لا يتجاوزون أصابع اليد.

بعض السكان بقوا في القرية أو عادوا إليها لحماية منازلهم، وقطاف مواسمهم (التين –العنب –الشفلح) التي ترافق نضوجها مع القصف العنيف الذي لم يستثني شواهد القبور في “مقبرة القرية”، قسم كبير من هذه القبور مسحت عن الأرض وبات من الصعب التعرف على أصحابها، إلّا أنه وفي منتصف آب وبعد سيطرة قوات الأسد على قرية “الهبيط” نزح من تبقى فيها، يقول العيسى إن 95% من السكان غادروا منازلهم، وباتت أراضي القرية الممتدة باتجاه “الركايا ومدايا” من الجهة الجنوبية ساقطة نارياً ومكشوفة لقناصة النظام، كما أصبح الوصول إلى الأراضي الزراعية مغامرة تستدعي الموت”.

استهداف تل النار جنوب قرية كفرسجنة -إنترنيت
استهداف تل النار جنوب قرية كفرسجنة -إنترنيت

أبو محمد أحد سكان القرية الذي عاد منتصف ليلة سيطرة قوات النظام على خان شيخون إلى كفرسجنة لنقل أغراضه وصف القرية بالمدمرة، والقصف بـ “الهمجي”، يقول إنه وخلال ساعتين قضاهما في المكان قصفت ثلاثة منازل في الحي الذي يسكنه من قبل الطائرات، ما دفعه للمغادرة سريعاً.

المضيف نازحاً

تفرق أبناء كفرسجنة في المخيمات كذلك في القرى والبلدات الشمالية، بعضهم نزح إلى مخيم كفرسجنة بأطمة، آخرون إلى مخيمات كفر لوسين ودير حسان ومشهد روحين وقاح والكرامة، منهم من أسعفه الحظ بمكان لبناء خيمته، بعضهم استأجر أو اشترى أمتاراً لبناء منزل صغير أو خيمة تؤويه، يقول أبو حسن “أصبح سقف ما يحلم به الرجال غرفة، أما الأطفال فيجلسون على حقائبهم المدرسية علّهم يحظون بفرصة لإكمال تحصيلهم العلمي”.