الصورة من الإنترنيت لواحدة من مدارس عفرين
الصورة من الإنترنيت لواحدة من مدارس عفرين

أنهى القرار الصادر عن مديرية التربية والتعليم في عفرين عقود عمل عشرات المدرسين الوكلاء للعام الدراسي 2019/20120 ضمن خطة تغيير الكوادر التدريسية، والذي طبق في مديرية تربية راجو في الخامس من الشهر الحالي، وناحية جنديرس في الثامن من الشهر الحالي، أصدرت بموجبه قوائم بأسماء المعلمين الذين تم فصلهم من قبل مديريات التربية في المناطق الثلاث، تطبيقاً لقرارات مديرية التربية التركية في إقليم هاتاي المسؤولة عن منطقة عفرين، والتي أوضحت شروط قبول المعلمين ضمن الكوادر التدريسية، دون أن تصدر اللوائح الإسمية في عفرين حتى الآن.

وتضمن القراران الصادران عن مديرية التربية فصل ثمانية مدرسين في راجو وستة وعشرين مدرساً في جنديرس من أصل ما يقارب مئة وثلاثين مدرساً، وينتظر آخرون قرار إنهاء عقودهم التي ستصدر عن مديرية التربية في عفرين، ما اعتبره المدرسون قراراً مجحفاً بحقهم بعد سنوات من العمل التطوعي في المجال التعليمي، وفي أوقات عصيبة سواء في المناطق التي هُجروا منها أو بعد وصولهم إلى عفرين.

وبحسب القرار الصادر عن المديرية فإن الفئة المعنية ستقتصر على فصل حملة الإجازات الجامعية من غير المختصين وطلاب الجامعات في السنة الأولى والثانية وحملة الشهادات الثانوية العامة الذين ليس لديهم سنوات خدمة في التعليم تزيد عن سبع سنوات كحدّ أدنى، في حين يتابع أصحاب الشهادات الجامعية والمعاهد الاختصاصية وطلاب الجامعات في السنة الثالثة والرابعة عملهم في السلك التربوي شريطة تقديم الأوراق الثبوتية (شهادة جامعية، كشف علامات، حياة جامعية..).

أما في المخيمات فيبدو الواقع أكثر قسوة، إذ تم إخطار المعلمين في مدرسة مخيم دير بلوط منذ أسبوع قرار الفصل شفوياً، ولم يتبقى من ضمن الكادر إلا الخريجين من الكليات والمعاهد، دون اعتبار سنوات الخبرة لباقي المدرسين من طلاب الجامعات وحملة الشهادة الثانوية.

 

لا يملك المعلمون الذين تم إنهاء عملهم أو الذين شملهم القرار حججاً قانونية للمطالبة بحقوقهم، وهو ما استندت عليه المديريات في قرار الفصل، فمعظم العقود التي تم توقيعها معهم كانت عقوداً للعمل التطوعي وتصرف الرواتب من خلالها على شكل “منحة” تقدم من المديرية للعاملين في السلك التدريسي، بحسب من التقيناهم، إلّا أن هناك “روح للقانون” بحسب قولهم تفترض مراعاة ما قدموا من خدمات خلال فترة النقص الكبير في الكوادر التعليمية سابقاً، وهو ما دفعهم للقول “نعرف أن الأصيل ينهي مباشرة الوكيل، إلّا أننا حملنا على عاتقنا العملية التربوية لسنوات، أحياناً دون رواتب وأخرى برواتب قليلة لا تكفي لسدّ الرمق، والآن هم يتخلون عنا دون أدنى مراعاة لما قدمناه”.

يقول بعض المدرسين إنه من المستحيل اليوم الحصول على أوراق ثبوتية من مناطق النظام، بعد أن اشترط الأخير حضور صاحب العلاقة شخصياً أو وكيل قانوني عنه أو أحد أصوله للمطالبة بأوراقه الجامعية، وهو أمر مستحيل في ظل الظروف الأمنية التي تفرضها الجامعات، كذلك إمكانية تعرضهم للاعتقال بسبب ذلك، سواء هم أو من يرسلونه بعد أن اشترطت إدارة الجامعات الحصول على موافقة أمنية لتسليم هذه الأوراق.

استحالة الحصول على هذه الأوراق تجعل مصير عشرات المدرسين عرضة للفصل، ويرى أولئك إن على مديرية التربية إجراء امتحان شفهي وتحريري للتأكد من قدرة المعلمين ومعلوماتهم يتم اعتمادها للاستمرار في العملية التربوية.

ويتساءل المدرسون عن سبب إلحاقهم بدورات تعليمية بطرائق التدريس وأساليب التعامل مع الطفل وتنمية القدرات، وبشكل إجباري خلال السنوات الماضية إن كان مصيرهم الفصل؟

لم يسلم المدرسون غير الأصلاء، والذين يمتلكون الأوراق الثبوتية أو سنوات الخبرة من القرار الأخير “المجحف” بحسب قولهم، إذ تضمن الشق الثاني من القرار والذي يحدد رواتب المعلمين حرمانهم من رواتب الأشهر في العطلة الصيفية، في حين يحصل أصحاب الإجازات الجامعية والمعاهد المختصة على رواتبهم طيلة فترة العام. الأمر الذي اعتبره معظم المدرسين مجحف بحقهم، فنسبة كبيرة منهم من المهجرين، حيث أفاد بعض المدرسين أن قطع الرواتب عنهم في فترة العطلة الصيفية سيسبب لهم مشاكل كثيرة تتمثل في دفع إيجار المنازل وحتى تأمين متطلبات المعيشة اليومية خلال العطلة من دون رواتب.

وقال أحد المدرسين الذي رفض التصريح عن اسمه: إن قطع الرواتب خلال العطلة الصيفية يزيد من معاناة المعلمين الذين يتقاضون رواتب متدنية في الأصل (700 ليرة تركية= 120 دولاراً لغير المتزوج و750 = 130 دولار للمتزوج)، ويحول دون تلبية احتياجاتهم الأساسية، وأهمها السكن إذ يتراوح متوسط سعر إيجار البيوت في المنطقة حوالي 60 دولاراً. رافق ذلك إجبار المعلمين التابعين للمديرية على توقيع عقد عمل تحت بند “التطوع” من خمسة وعشرين بنداً (صدر عن الجانب التركي وترجم إلى اللغة العربية)، أحدها يحظر على جميع العاملين في قطاع التعليم من العمل أو التعاقد مع أي جهة أخرى تحت تهديد الفصل المباشر، كذلك منع إنشاء المعاهد الخاصة وإعطاء الدروس الخصوصية من قبل التربية والذي كان يشكل مصدر دخل رديف للمدرس، يختصر المدرس كلامه عن حال المدرس بـ “ممنوعون من العمل صيفاً ومحرومون من الراتب أيضاً”.

علي طالب في السنة ثانية من كلية الحقوق مهجر من جنوب دمشق وكان يعمل كمدرس في مخيم دير بلوط يقول إن لديه خبرة تدريسية تزيد عن سبع سنوات، إلّا أن مدير المدرسة أبلغه بقرار فصله منذ أسبوع، وعند مراجعته لمدير التربية أكد له القرار متعللاً بحجة إنه ليس في السنة الثالثة من الجامعة، متجاهلاً ما صدر من قرار يوم أمس بمتابعة المدرس لعمله إن كان يملك سنوات الخبرة اللازمة، متسائلاً عن سبب إقرار فصله قبل صدور القرار، أم أن مدارس المخيم ليست من ضمن هذه القرارات!

يبقى قرار حرمان أصحاب العمل التطوعي والذين تحملوا أعباء عملهم وسط كافة ظروف القصف والنزوح مسألة شائكة، بين الاصطدام بالقرارات التي تبدو تنظيمية لتحسين الواقع التعليمي بحسب أصحاب القرار، وبين ما دفعه أولئك من تعب وجهد يجب أن يراعى، وغالباً ما يتم نسيان “الضمير” في التعامل مع جهودهم، بحسب كلامهم، مطالبين بإنصافهم بعد أن خذلوا وهجروا من مناطقهم وتركوا تحصيلهم العلمي للقيام بدورهم تجاه جيل الثورة.

فداء الصالح