عند صورة “العريشة المقطوعة” تسمّرت يد سلمى البرهوم وهي تقلب ما وصل إليها من صور الدمار التي طالت منزلها بريف إدلب، حدّقت في الأغصان والأوراق المتناثرة والتي كانت يوماً “روح البيت” تقول “إن دمار المنزل كله بكفة، وتلك العريشة بكفة أخرى”، لترفع يديها إلى السماء وتدعو بـ “حريق قلب” من أحرق قلبها.

لا يكاد يخلو منزل في أرياف إدلب من عرائش العنب، تخيم بظلالها على ساحة الدار (مكان السهر)، وتتسلق مداخل البيوت والأسقف وشرفات المنازل، وتشكل أوراقها سقفاً نباتياً لشرفات المنازل، ومؤونة للبيوت تستخدم لأطباق “اليبرق والتبلة واليالانجي”، إضافة لثمارها الشهية والتي غالباً ما شكلت برفقة خبز التنور فطور الصباح وضيافات المساء.

وتدخل العرائش في أرياف إدلب ضمن المخطط الهندسي لعمارة أي منزل، إذ تُنصب الأعمدة الحديدية وتسقف بالشبك لضمان امتداد فروع الدالية، وأحياناً يضم البيت أكثر من دالية واحدة، يقول ميلاد كرم (من ريف إدلب) إن لفنجان قهوة الصباح تحت العريشة مزاج خاص، يشعرك بالراحة والطمأنينة، أما في ساعات العصر فيكتمل الطقس برش الماء على العريشة لترطيب الهواء الذي يمر عبر أوراقها، والذي ينعش سهراتك تحتها.

ودوالي العنب غصة النازحين يتذكرونها كأطفالهم، يقول أحمد السلوم إنه تخلى عن أكل العنب بعد خروجه من قريته، يشعر بغصة في روحه “فلا ظل غير ظل عرائشه، ولا عنب كعنبها”، خاصة بما تحمله من حكايات وقصص لـ “لمات الأحبة وسهرات الأهل والأقارب”.

وللدوالي أيضاً ذاكرة توثيقية بعد أن نالت حظها من الدمار والقصف، وهي شاهدة على دمار المنازل التي اعتلتها يوماً وتسلقت جدرانها، وموت سكانها الذين احتضنت لعب أطفالهم ومرحهم، وسهرات ورق الشدة وطاولة الزهر والداما والضحك وقصص كبار السن والعتابا.

تقول فطيم المحمود التي خسرت زوجها بالقصف، وتركت بيتها وعرائشها للقصف “لم يعد هناك قيمة للبيت بعد موت صاحبه، ضاعت كل الذاكرة الجميلة، فالبيت بسكانه”، إلّا أنها دائماً ما تتذكر حياتها برفقة زوجها تحت ظلال الدالية.

للتين قصة أخرى

كما العنب رفيق خبز التنور في صباحات أهالي محافظة إدلب يعتبر الدين مكوناً لا يغيب عن موائدهم الصباحية طيلة موسم قطافه الذي يبدأ في منتصف شهر حزيران، وانتعشت زراعة التين في السنوات الأخيرة لقدرتها على تحمل الظروف المناخية وقسوتها، وهو ما جعل أشجاره تحتل تخوم الأراضي الزراعية وتنتشر في المناطق الجبلية إضافة لوجودها الكثيف داخل حقول خاصة بها أو بمشاركة أشجار الزيتون.

ولقطاف التين طقوس اعتادها أبناء جبل الزاوية وريف إدلب الجنوبي، أهما “هدايا التين” ويتم فيها تبادل أطباق من أنواع التين المختلفة بين المنازل التي تصلها حصتها الصباحية طازجة يومياً، خاصة لمن ليس لديه أرض. كذلك “مشوار القطاف” والمقسم إلى قسمين، المسائي وهو أشبه بمشوار يبدأ بعد العصر حتى قبيل وقت الغروب تشترك به العائلات والأصدقاء لقطاف ثمار التين والتلذذ بأكلها من على أشجارها مباشرة، أما الصباحي ففيه تجمع الثمار الناضجة من الشجر للبيع في الأسواق.

تغيب هذه الطقوس لهذا العام في معظم المناطق بسبب القصف ونزوح الأهالي يقول فايز العابديني “لا يهدأ الطيران في جنوب إدلب، ما أدى إلى حرمان المزارعين من موسم التين، كذلك من مشوار القطاف، وهو ما سيؤدي إلى يباس الثمر على أغصانه، إن استمر الوضع الراهن”.

وللتين في إدلب أنواع كثيرة أهمها الأصفر والأسود، والخضراوي، والأحمر، وتقدّر أعداده بـ 850 ألف شجرة تتوزع على مساحة تبلغ 3733 هكتاراً، بإنتاج وسطي حوالي 25 ألف طناً، بحسب إحصائية مديرية الزراعة في إدلب، ويشكل بنوعيه الطازج والمجفف مصدر رزق لعدد كبير من أهالي المنطقة.

في قرية قاح مسكن زهير الحسين الجديد بعد نزوحه يتحسر الرجل على “الشوبات = الحرارة المرتفعة” تحت أشجار حقله، يقول إن “صحناً من العنب والتين في مساء هادئ تساوي عنده أعظم أمنياته”.

أسامة الشامي