الصفحة الرئيسية تغطية ميدانية “المجبراتي والممتّن”.. مهنة متوارثة تجبر كسور عظام الفقراء

“المجبراتي والممتّن”.. مهنة متوارثة تجبر كسور عظام الفقراء

“بيضة بلدية وبعض الصابون وقطعة خشبية” هي كل معدّات المجبر العربي، والذي مازالت مهنته حاضرة بالرغم من التطور العلمي الكبير في مجالات الطب، تلك المهنة المتأتية من تراكم الخبرات المتوارثة التي اكتسبها المجبرون بالوراثة جيلاً بعد آخر، ليدخلوا إليها بعض التعديلات كالصور الشعاعية والقطن ولفافات الشاش، إلّا أن أسرارها بقيت حكراً على ممتهنيها الرافضين البوح بها والتي يتم تناقلها ضمن العائلة الواحدة.

يعتمد “المجبراتي” كما يطلق عليه أهالي المنطقة على اللمس لمعرفة الجزء المصاب من العضو، وغالباً ما يتم تحديد مكان الكسر بدقة، يقول عوض الأحمد (مجبر عربي من ريف حماه يتجاوز عمره سبعين عاماً) إنه يشعر بمكان الكسر خلال تمرير يده على المنطقة المصابة، وبالخبرة يتم تقدير شكل العظم المكسور وإعادته إلى وضعه الطبيعي في عملية وصفها بـ “الدقيقة والمؤلمة”، والتي تحتاج إلى الخبرة والسرعة في آن معاً.

بعد إعادة العظم المكسور إلى وضعيته الصحيحة توضع عليه “لصاقة البيض”، وهي مزيج من البيض والصابون يمزجان معاً ليشكلان ما يشبه مادة “الجبس” المستخدمة في الطب الحديث، يقول الأحمد “علينا أن نضع اللصاقة في المكان المصاب بدقة، وأن نراعي العيارات اللازمة في صناعة اللصاقة لضمان عدم تحرك العظم المكسور، ثم تثبيته بقطعة خشبية وشدّ الطرف بها بإحكام يضمن جريان الدم بالشكل الصحيح”.

يرافق خالد جدّه المجبراتي عوض في جلسات العلاج، يقول إنّ جدّه لا يتقاضى أجوراً عن عمله، أو تتم المعالجة بأجر زهيد وبحسب استطاعة المريض، وهو ما دفع الناس لإطلاق تسمية “طبيب الفقراء” على الأشخاص الذين يمارسون هذه المهنة، ما شجعه على تعلّم المهنة باعتبارها عملاً إنسانياً لمساعدة الأشخاص والتخفيف من آلامهم، لا بصفتها مصدر رزق وفير.

معظم زبائن العم عوض من الفقراء، يقول بعض من التقيناهم إنّ الذهاب إلى عيادة الأطباء المختصين تلزمهم بأكلاف باهظة لا طاقة لهم على تحمّلها، فالكشف الطبي يتطلب مبالغ تزيد عن ثلاثة آلاف ليرة، إضافة للصور الشعاعية وثمن الجبس، ولهذا يلجؤون إلى طبيب الفقراء، خاصة وأن هذا النوع من العلاج أثبت جدارته في كثير من الأحيان، وغالباً ما ينصحهم المجبر باللجوء إلى الطبيب في حال كانت الإصابة تحتاج إلى عمل جراحي.

لا يرفض الطبيب “نوار كردية” المختص بالجراحة العظمية العلاج بالجبار العربي، كذلك لا ترفضه “مدارس الطب” حسب تعبيره، إلا أنه يشترط في المجبراتي امتلاك الخبرة اللازمة والتزام الدقة في العلاج.

وبالرغم من اعتراف الطب الحديث بأهمية “الجبار العربي” وفضله خلال السنوات الماضية في العلاج الذي أسهم بشفاء الكثير من المرضى إلّا أن الطبيب يرى أنّ العلاج الطبي أكثر دقة ويزيد من نسبة النجاح، وذلك لاعتماده على الصور الشعاعية التي تحدد وبدقة مكان وشكل الكسر، لا على الخبرة والتوقعات، كما تحتاج بعض الكسور إلى عمل جراحي لا يمكن للمجبراتي تصحيحه، أما في الحالات التي لا تستدعي التدخل الجراحي فليس ثمة من فارق كبير بين الطريقة التقليدية “الجبار العربي” والطبية في العلاج.

ويفرّق الطبيب كردية بين الجبس ولصاقة البيض في تثبيت الكسر، وذلك لما تتركه الأخيرة من آثار سلبية على “البشرة الحساسة” لدى بعض المرضى، كما أن استخدام عيارات خاطئة في مزجها يتسبب بضعف اللصاقة وهشاشتها، ما سيؤثر سلباً على تثبيت الكسر، وهو ما يصادفه أحياناً لدى بعض المرضى الذين يراجعون عيادته، إلّا أن حالات أخرى يصفها “بالمعالَجة بطريقة صحيحة” تدفعه لإبقاء الجبار العربي وعدم استبداله. أما في الحالات التي تحتاج لعمل جراحي فيتم تحويل المريض إلى أطباء مختصين للعلاج، وقد يتقرر فيه استخدام الصفائح أو السيخ المعدني.

وشدد “كردية” على أهمية الدقة في اتباع مراحل المعالجة سواء كانت من خلال العلاج بالطب العربي أو الطب الحديث منوها إلى أنه يجب السماح للتروية الدموية بالعمل بشكل صحيح، وإلا فإن تعطيل عمل هذه الأوردة الدموية قد يتسبب ببترٍ للجزء المصاب من الطرف، كذلك ينصح المريض بمراقبة حالة الجبار في كلتا الحالتين بشكل أسبوعي، وتصحيح الأخطاء التي قد تحصل واكتشافها مبكراً قبل أن تتسبب بإعاقة في حال انعدمت إمكانية التصحيح، وهذه الإعاقة قد تكون دائمة. وفي حال كان هناك قابلية لتصحيح الخطأ الذي قد يحدث يقوم الطبيب بكسر العظم مرة أخرى وإجراء عمل جراحي تفادياً لحدوث الإعاقة.

يُلحق بعمل المجبراتي في جبر كسور العظام بعض الأساليب العلاجية الشعبية كـ “التمتين” والذي تقوم به النساء، وهي تشنج أو شد أو ألم عضلي عند الطفل يكون بسبب حركة مفاجئة قام بها الطفل أو نتيجة حمله بطريقة خاطئة. ويشترط على أم الطفل إحضار بيضة بلدية طازجة والقليل من الطحين وقطعة من الشاش لتمتين طفلها، تقول الحاجة أم تيسير (65 عاماً من ريف حماه) التي تشتهر بهذه المهنة، والتي تستقبل الأمهات اللواتي يشتكين من بكاء أطفالهن المستمر، دون سبب، لاستشارتها في ما إن كان الطفل يعاني من “المتن أو النتل أو النتع أو الملخ أو الملع” بحسب المتعارف عليه من أسماء في المنطقة.

وعن طريقة التمتين تقول نهوى الأحمد من ريف إدلب والتي ورثت المهنة عن والدتها، إنها لا تجد صعوبة في تعليم أي امرأة لطريقة التمتين والتي تتم من خلال تمرير بيضة بلدية طازجة على المنطقة من الجسم والمشكوك بإصابتها بالنتل، فإذا ما تحوّل صفار البيضة إلى سائل في نقطة ما من الجسم فيستدل على المكان المصاب، ويعود السر في سيلان البيضة في هذا المكان إلى أن درجة حرارة المكان تكون مرتفعة الأمر الذي يتسبب بسيلانها، في هذه المرحلة يرش الطحين على البيضة بشكل سريع ويلف بالقماش أو الشاش ويشدّ جسده ويديه بشكل مستقيم بحبل قماشي ويدحرج على ساق المرأة بحرص، لتقوم بعدها بتدوير الطفل ومن ثم إعطائه لوالدته لإرضاعه، بحسب نهوى التي تشرح أن قبول الطفل للرضاعة هو المؤشر على نجاح التمتين، وأنه غالباً يلجؤون إلى الطحين بعد محاولات للتدليك بزيت الزيتون.

مع انهماك نهوى بأداء عملها الذي يترافق مع بكاء شديد للطفل تعيش الأم حالة من التوتر والخوف على رضيعها، تقول أم ياسر التي عاشت هذه التجربة مرات كثيرة مع أطفالها الأربعة، “كنت في حيرة من أمري حين اشتد بكاء طفلتي التي تبلغ من العمر شهرين، لأني لم أكن على قناعة تامة بجدوى التمتين إلا أن إصرار “حماتي” على عرضه على المجبرة هو ما جعلني أطرق بابها لأنه كما يقال (أكبر منك بيوم أعلم منك دوم). وتجربتي حولت شعوري المضطرب إلى قناعة بالكثير من الأمور المتعارف عليها في الطب الشعبي إلا أني أفضل دائما استشارة الطبيب أولاً قبل أي خطوة تتعلق بالصحة الجسدية”.

التطور العلمي في مجالات الطب وامتلاك أحدث المعدّات قللّت الجدوى من العلاج الشعبي المتوارث، إلّا أن الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشها معظم السكان تدفعهم للجوء إليه، وفي كل مرّة يؤكد ممتهنوه أنهم “جابروا كسور عظام الفقراء” وسندهم.