في مدخل الحي القديم بالقرب من ساحة الساعة بإدلب، تختبئ صالة “بيت جدي” المليئة باللوحات الفنية والتحف النحاسية والفضية والبلورية، لتزيد من حضور المكان وأصالته.
يحملك العم أبو راشد صاحب الصالة معه في رحلة عن حكاية المكان. تشدّك معرفته وحلاوة التفاصيل للإنصات وأنت تنقل ناظريك على مقتنيات الصالة وجمالها، يقول إنه فتح عينيه على الدنيا ليجد عشرات القطع الفنية التي ألفها وألفته، وورث حبها عن والده الذي كان عاشقاً للقطع الشرقية، على حد وصف ابنه، يشتريها ليزين بها منزله، إضافة لاهتمامه بالمعادن ومسابح الخرز بأنواعهما.
ليست تلك القطع ما ورثه أبو راشد فقط، بل ورث صوتاً عذباً وشغفاً بالطرب والغناء وأدواته القديمة، المذياع القديم، وبكرة خاصة لسماع الحفلات الأصلية لأم كلثوم ومحمد خيري وصباح فخري.
درس أبو راشد في كلية الحقوق إلّا أنه كغيره من ممتهني المحاماة هجر المحاكم لظروف الحرب، وعاد إلى هوايته ليحولها إلى مهنة، هذه المرة افتتح صالة أطلق عليها “بيت جدي” منذ العام 2015 لبيع وشراء التحف، يقول إنه اعتمد على ما لديه من تحف ورثها عن والده، إضافة لما اشتراه من أهالي المنطقة، أغلبها لسكان أجبرتهم ظروف الحرب على النزوح والتهجير ومغادرة منازلهم وأوطانهم وبيع ما يملكونه من مقتنيات عزيزة، ومتابعته المستمرة لمجموعات التواصل الاجتماعي التي تهتم بـ “الأنتيكا” وتروج لها، فيشتري ما يروق له ليضمه إلى معرضه، ناهيك عن القطع التي يشتريها من محلات مشابهة لمحله.

تبدو الصالة كمتحف صغير مقسم إلى أقسام عدّة تُعنى بكل ما هو “أثري أو فني جميل” يقول أبو راشد وهو يشير إلى دِلال القهوة النحاسية ويشرح لنا أنواعها الكثيرة، منها “الرسلان والسعودية ودلال المزعل والبغدادي باهظة الثمن، والتي يصل سعرها ما يقارب مليون ليرة سورية، ودلال السيف النحاسية الملبسة بالفضة تضع كل دولة ختمها عليها، إضافة لدلال زيتونة السورية”، تطلب الدلال للمضافات التي غالباً ما تفرش بـ “مدّ عربي” يتوسطه المنقل والدلال.
(طاسات الحمام) كما يطلق عليها في سوريا حاضرة في متحف أبو راشد بأنواع ونقشات وزخارف مختلفة، يقول “لم يكن يخلو بيت منها سابقاً”، وأشهرها ما ينقش عليها “حب الرمان” وهي عبارة عن طقم كامل مؤلف من “طاسة وصينية وكاسات جميعها مصنوعة من النحاس”.

في قسم “البلوريات” تجد ما أسماه أبو راشد “النرجيلة المخصصة للصمد والزينة” وهي تشيكية أو فارسية، إضافة لـ “فازات منوعة” أشهرها “الأبولين” وأغلبها مصنوعة في الصين أو اليابان، وفي زاوية المكان (مهباج نجدي) يزيد عمره عن تسعين عاماً، وبيانو يقول أبو راشد إنه روسي الصنع ويزيد عمره عن ستين عاماً، إضافة إلى قطع حجرية قديمة تسمى (الريازين) وهي صناعة هندية وصينية.
غرف النوم الدمشقية النادرة والمصنوعة من “الموزاييك” تحتل جزء من الصالة، بقربها تتموضع السيوف والطبنجات والخناجر المجدلانية ولباس تراثي لطفل صغير، عدا عن الأدوات الفنية والمذياع القديم والكاميرا وغيرها من القطع الفريدة التي “لا تعوض”، يقول أبو راشد لأن الحصول على بديل لها بات أمراً صعباً، إلّا أنه يبيعها لمن يرغب بها فهي مصدر دخله ومعيشته، ويأسف على تلك القطع التي تحمل إلى مناطق خارج البلاد والتي باتت تجارة رابحة، خاصة تلك الفريدة ونادرة الوجود.
يقضي أبو راشد ساعات يومه بين تحفه، أما في ساعات الفراغ فينخرط في لعبة الشطرنج التي يتقنها كما يقول، إضافة للاجتماع مع أبناء المهنة ليتشاوروا حول قيمة بعض القطع الجديدة لتسعيرها وشرائها، “النحاسية ترسل إلى شخص مختص لينظفها ويلمعها بمواد خاصة، وبذلك تصبح صالحة للعرض، بعكس الفضية والذهبية التي يعمل أبو راشد نفسه برفقة شريكه أبو دياب على تنظيفها”، يقول أبو دياب “إن هذه التحف فن مدفون أعاد الناس إحياءه، وعلينا أن نقدر قيمة ما أنتجوه، فهو هوية وحضارة أي بلد وبصمته الخاصة”.

يحتفظ العم أبو راشد ببعض القطع الفريدة في منزله، كـ (ساعة راقصة قديمة معطّلة) و (راديو أمريكي كهربائي قديم يزيد عمره عن مئة عام) و (سامورات يعمل على الفحم)، يقول إنه لا يمكنه التفريط بها، كما يمتنع عن المشاركة في المعارض خوفاً على القطع من التكسير أو التأثر خلال عملية النقل.
يخشى أبو راشد من القصف والتفجيرات التي غالباً ما تطال منطقة السوق القريبة من الصالة، كذلك يشتكي من صعوبة تصريف البضائع بسبب انقطاع الطرق والمعابر مع مناطق النظام، والإتاوات المفروضة من الحواجز وانعدام الأمان على الطرقات، وفقدان مصداقية التعامل بين التجار، خاصة في مناطق سيطرة قوات الأسد، وهو ما يحول بين شراء وبيع القطع بين الطرفين.
