الصفحة الرئيسية سياسة ورأي “أنا الغريب”

“أنا الغريب”

حلب بريشة الفنان التشكيلي مضري حسن إبراهيم -إنترنيت
حلب بريشة الفنان التشكيلي مضري حسن إبراهيم -إنترنيت

 

قبل يومين من وصولي إلى إسطنبول استعداداً لرحلة طويلة إلى باريس، بعد موافقتهم على إضافة لاجئ آخر إلى لوائحهم، كان الجوّ ماطراً جدّاً وحميمياً في ولاية كيليس الحدودية، خمسة كيلو مترات فقط ما يفصلني عن هوائنا السوري، مشاعر متضاربة تعتريك وأنت تفكر للمرة الأولى منذ دخولك إلى تركيا، أيضاً بصفة لاجئ مؤقت، بحياتك الماضية لتكتشف بعد دقائق أنك لم تعد تمتلك ذاكرة قريبة، وأن الأحداث اليومية لم تعد جزءً يستحق الوقوف عنده.

قبل نزوحي وزوجتي من حلب في العام 2014، اجتمع في غرفة بيتي التي طليتها باللون الزهري ثلاثة أصدقاء. على العشاء كان طبق من الفروج المشوي وبعض حبات البطاطا وعلبة “بيبسي” والكثير الكثير من الذكريات، لا أذكر وقتها أني بكيت، وكل ما حملته معي إلى جبل الزاوية في إدلب كان حقيبتا سفر ورائحة المدينة.

بعد عودتي إلى ريف حلب زادت حقائبي واحدة، كانت “شمس” قد ولدت وما زالت لا تجيد المشي والكلام، وعند دخولي في بداية العام 2016 إلى تركيا كانت قد أكملت ثلاثة أسنان وجملتين ولعبة واحدة، في الليلة الأخيرة قبل دخولي كانت حصتي من الحياة صديقين لا يزالان حتى اللحظة هناك، بذاكرة ممتلئة بالحياة والضحك، مثلي لم يكونا يجيدان البكاء، فاكتفينا على معبر باب السلامة بالصمت.

الثلاثة الذين نادموني في ليلة حلب الأخيرة، أحدهم اليوم يعيش كلاجئ في ألمانيا، والآخر قد أخذ مكاني نازحاً في جبل الزاوية وفي قريتي بالذات، أما الأخير فقد رافقني في ولاية كيليس التركية، هو الآخر ودعني منذ يومين في رحلتي الأخيرة، وعلى طبق من الفروج، هذه المرة كان “مسحب” ومن عند مطعم “الطيب” بعد أن نقل “مطعم الشرق” مكان إقامته إلى عينتاب، بأصناف جديدة، وذاكرة من النزوح.

حين ودعت صديقي أبو أحمد قبل يومين من سفري أيضاً، كان أبي يموت ثانية، لم نتمالك نفسينا، بكينا ونحن نتعانق كعادة أولاد البلد، نحن فقط نعرف كيف نشم الرائحة ونملأ قلوبنا بها كي نستعيد ذاكرة المدينة.

من بعيد، وقبل يومين أيضاً، كان ضوء صديقي في الدوحة أخضراً على الواتس آب، هممت أن أتصل به لأبكيه أيضاً، كعادتنا يوم دخل “مظفر النواب” في الغيبوبة، حينها أخبرته أن “البرد يقتلني”، وأجابني “أما أنا فيقتلني نصف الموقف أكثر”. كتبت أول الحروف لأستعيد وقتي معه، رسالة فاجأتني أخبرتني أن “والدته قد ماتت”، اكتفيت بـ “سلامة راسك”، وشعرت أن أمي ماتت أيضاً، لكن الوقت لم يتح لي فتح بيت للعزاء. بعد وصولي إلى إسطنبول بدقائق كانت رسالة منه تحرق ما تبقى من كلمات “مكسور يا صديقي”، لم أردّ، كنت سأقول له “مثلي لم يعد يستطيع أن يجبر كسر صديقه، أنا لاجئ يا صديقي”، ولكني لم أفعل.

في الطرف السوري كانت أمي تبحث عن طبيب لعلاج “عينيها الصغيرتين”، هي توقفت عن العلاج بـ “الكحل الحجري” منذ وفاة والدي واعتقال أخي، وأنا توقفت عن رؤية الحياة بعينيها منذ فارقتها، لم يتح لها أن تضم أطفالي مرة واحدة، بكيت وأنا أرسل لها ما استطعت لعلاجها من مال، تمنيت لو أستطيع الارتماء في حضنها، دون فيزا أو جواز سفر، حيث أنتمي إلى يديها لا يمكن لشيء أن يكسرني هناك. تجنبتْ سؤالي عن سفري وموعده، وتجنبتُ أنا أيضاً أن أخبرها عن موت والدة صديقتي، هناك في مكان بعيد، كانت ستقول لي “بوسلي ياه”، ولم أعتد أن أخالف قلبها منذ ولدت.

حين زوجتي سمعت بكائي في غرفتي، قبل يوم واحد من سفري، لم تدخل إلى الغرفة، شعرت بها تراقبني من فتحة الباب، في الصباح قالت لي “إن بكاء الرجال ينشّف دمعة أي امرأة، ما الذي تركته لنا كي نفعله”.

في المطار كان سبعة من أصدقائي في وداعي، حينها شعرت أننا بتنا غرباء جدّاً، غرباء حدّ تضاعف أرقامنا في مطارات اللجوء.