في وسط مدينة خان شيخون بريف إدلب الجنوبي، تقودك الطرق إلى مسجدها الذي يعد واحداً من أقدم المساجد التي يعود بناؤها إلى عهد الدولة العثمانية. يحيط به سور تزيد سماكة جدرانه عن المتر، وأمام بوابته الواسعة المقوسة والتي يزيد ارتفاعها عن ثلاثة أمتار، تطالعك لوحة رخامية وثّق عليها تأريخ المسجد وزمن بنائه.

تستقبلك فسحة واسعة بعد ولوجك من الباب الرئيسي، إلى يمينها غرفة الخادم، وعلى يسارها حديقة تضم بعض أشجار الزيتون، وفي وسطها “نافورة للماء العذب”، وهو تقليد متبع في المساجد والبيوت السورية القديمة.

منبر جامع التكية في مدينة خان شيخون
منبر جامع التكية في مدينة خان شيخون

ويمتاز مسجد “التكية”، كما يطلق عليه، بكثرة أبوابه، إذ يضم خمسة أبواب كلها تفضي إلى صالاته، مصنوعة من الخشب المزخرف بالأرابيسك والنقوش، ولها شكل مقوس حالها كحال البوابة الرئيسية، إضافة إلى ثلاث صالات متسعة كل واحدة منها تفضي إلى الأخرى، وفي الجهة القبلية منها يتموضع المنبر الخشبي ذي اللون الأخضر بارتفاع لا يزيد عن المتر، إضافة إلى المئذنة المربعة المبنية من الحجارة الملونة، داخلها سلّم خشبي لارتقائها من قبل المؤذن، وفي أعلاها شعار “الهلال”.

يقول عبد السلام حمو (المختص بدراسة الأماكن الأثرية في دائرة آثار إدلب) إن مسجد التكية يعود بناؤه إلى زمن السلطان عبد الحميد الثاني، آخر خلفاء الدولة العثمانية سنة 1325 هجرية، والذي أمر ببنائه في جزء من مساحة الخان الموجود في المدينة والذي بني في القرن السادس عشر الميلادي بإشراف المهندس التركي سنان باشا. يحاذيه الحمام الأثري والحوانيت التجارية والقسطل، ويقبع أمامه القصر والتي جميعها تعد من مرافق الخان والتي لم يبقى منها سوى أساساتها الأثرية.

مئذنة جامع التكية في مدينة خان شيخون
مئذنة جامع التكية في مدينة خان شيخون

تتجاوز مساحة المسجد ثلاثمائة متر مربع، بني بنظام الأقواس المتصالبة من الداخل والحجارة الكبيرة من الخارج، يقول الحمو إن السبب في ذلك لتخفيف برد الشتاء وحرارة الصيف على المصلين بسبب سماكة الجدران، وهذه الطريقة من البناء كانت متبعة خلال تلك المرحلة، واستمرت حتى وقت قريب في نهاية الثمانينيات ويطلق عليها الأهالي اسم “بيوت الغمس”.

ومسجد التكية مسجّل على لائحة الأماكن الأثرية السورية بقرار وزاري يحمل الرقم 1/564، وعملت دائرة الآثار على مراقبته وترميم بعض أجزائه خلال فترات متقطعة، كـ “تبليط الباحة الرئيسية وبناء مئذنة جديدة”، إضافة لتدعيم جدرانه بالإسمنت والتي كانت تعرضت للتآكل بسبب الظروف المناخية. بحسب الحمو الذي قال إن العمل على ترميم المسجد استمر خلال سنوات الثورةـ من خلال دوائر مستقلة تشكلت في المدينة للحفاظ على المعالم الأثرية، وذلك بالتعاون مع المجالس المحلية والمنظمات المهتمة لحمايتها من السرقة وترميم ما تهدّم منها.

جامع التكية في مدينة خان شيخون
جامع التكية في مدينة خان شيخون

وكان مسجد التكية قد استهدف بشكل مباشر بقصف جوي ألحق أضراراً جسيمة في بنائه، وعملت الدائرة على ترميمه بالإمكانيات المتاحة، بمساعدة الأهالي الذين يحملون في نفوسهم مكانة واهتماماً كبيرين للمسجد الذي “نهلوا من علم مشايخه وأساتذته، وكان قبلة لمعظم الأهالي للصلاة فيه” يقول خالد النجم (خادم المسجد والمشرف عليه منذ ما يزيد عن عشرين عاماً)، فبالرغم من وجود أكثر من عشرة مساجد في المدينة يبقى “مسجد التكية” الأقرب إلى نفوس المصلين، وهو ما يفسر اكتظاظه في كافة أوقات الصلاة، وعدم انقطاعهم عنه خلال السنوات الكثيرة التي مضت.

سلطان الأطرش