أنهت أم عبدو صنع طبق المجدّرة خاصتها، وبدأت بـ “تقليته” بالسمك المتبل بالملح والفلفل وعصير الليمون! تبدو الأكلة الشهيرة “المجدرة” والتي تعتبر أحد أهم الموروثات السورية والمصنوعة من البرغل والعدس البني غريبة هذه المرة، إذ طالما ارتبطت في مذاق السوريين بتجليلها بالبصل المقلي والمحمر جيداً، إلّا أن النساء في سهل الغاب غالباً ما أضافوا لها السمك المقلي كبديل عن البصل، ليغدو “لحم الفقراء” كما يطلق على الطبق، وجبة غنية وفريدة في آن معاً.

تقول السيدة السبعينية إنها ليست المرة الأولى التي ترى الدهشة في عيون ضيوف المنطقة عند رؤيتهم لهذا الصنف من الطعام، ولكن الدهشة سرعانما تزول مع أول لقمة يتناولها الضيوف لتبدأ عبارات المديح تنهال على ربة المنزل.

وتعزو أم عبدو ارتباط المجدرة بالسمك في منطقة سهل الغاب التي تنحدر منها لكثرة وجوده ورخص ثمنه، وذلك لمرور نهر العاصي بالمنطقة وانتشار المسامك الخاصة، إذ لم يكن يمر أسبوع دون أن يكون هذا الطبق حاضراً على موائد الحمويين.

يغيب الفرح والطقوس القديمة المرافقة للمجدرة بالسمك هذه الأيام، كما غاب الطبق نفسه عن موائد كثر من أبناء المنطقة، فأسعار السمك تضاعفت وأغلقت العديد من المسامك نظراً لظروف الحرب، كما اختلفت نكهة الطعام وذلك للتغيير الكبير بمواد الطهي وطريقة الصنع، إضافة لظروف الحرب التي أثرت على الحالة النفسية للأهالي، فلم تعد العائلات تجتمع حول مائدة الطعام بعد نزوح قسم كبير منهم، إضافة إلى هجرة الشبان وحالات الموت والاعتقال، تقول أم عبدو وهي تعيد شريط ذاكرتها يوم كان زوجها يزين المائدة بأبيات من العتابا القديمة وهو يتلذذ بنكهة سمك “المشط أو الكرب” الذي يعلو طبق المجدرة، أمام ضيوفه الذين كانوا يطلبون هذا الطبق، بشكل خاص، في كل مرة يزورون بيتها.

تضع أم عبدو الأطباق على المائدة وهي تحن إلى الأيام التي وصفتها بـ “العامرة”، فـ “الفقر حرم الناس من أكلتهم المفضلة والخاصة، والضيوف ما عادوا أجو”.

قطعت أم حسن (النازحة من ريف حماه الغربي) حديث جارتها أم عبدو لتخبرنا أن المجدرة بالسمك ليس الطبق الوحيد الذي تشتهر به المنطقة، أصلحت من جلستها لتخبرنا عن طبق (السمك تحت الصاج)، وهي وجبة اشتهرت بكثرة في فترة من الزمن ولها خصوصية في نفوس النساء اللواتي يقمن بإعدادها، إذ يجب على المرأة أن تتحلى بالنشاط والحيوية، لأن الوجبة تتطلب جهداً إضافياً عن غيرها، وذلك لجمع الحطب بعد حفر حفرة في الأرض تتناسب مع حجم الوجبة والصاج الذي يوضع في أسفلها، ليوضع في داخله السمك المشبع بنكهة البهارات المختلفة، ومن ثم تغطى بصاج آخر يعلوه الحطب الذي تشتعل فيه النار حتى تأخذ الوجبة حقها من الطهي، لتنتهي الوجبة برائحة تفوح في أرجاء البيت ومحيطه ونكهة مميزة لم نعد نجدها في وجبات السمك الحالية .

“نساء هالأيام ما بتعرف هي الأكلة وما بتعرف تعملا” تقول أم حسن التي رأت في انتشار أدوات الطهي الحديثة (كأفران الغاز والكهرباء)، وتعلّم النساء لأنواع جديدة من الأطعمة دخلت إلى موائد المنطقة عبر أجهزة التلفاز والسفر إلى المحافظات الأخرى وتعرفهم على “أكلات جديدة” سبباً حال دون استعمال هذه الطريقة في الطهي التي تتطلب الكثير من الوقت والجهد.

يتراوح سعر الأنواع الجيدة من السمك في سهل الغاب بين (1000-2000) ليرة سورية، وهو ما حال دون وجودها كطبق رئيسي على موائد الأهالي، كما جرت العادة، إلّا أن النساء اجترحت حلولاً جديدة تحايلت من خلالها على الأطباق التي تصنعها لإعطائها نكهة الشواء والسمك، وذلك باستخدام قطعة فحم مشتعلة في طبق يحتوي القليل من الزيت، وتضعه على أطباق الطعام البسيطة وتغطيها بإناء آخر، ليكتسب النكهة المفقودة.