كلما وصل لكتابة السطر الرابع أو الخامس، بأحسن الأحوال، يعود ليحذف ما كتبه على صفحة الوورد في جهازه المحمول، يقول الإعلامي محمود السويد (45) عاماً، ابن مدينة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي.

“أصعب ما يواجهني أحيانا عند كتابة مادة خبرية مهما كان نوعها، هو اختيار الموضوع أو العنوان، حيث يقتضي العنوان أن يتضمن الأفكار التي يتمحور حولها النص المكتوب” يقول السويد موضحاً، فتحديد الزاوية التي يرغب التطرق إليها في كتابته، والحديث عنها ضمن سياق إخباري، يخضع لضوابط تدرب عليها وخبرها، خلال عمله في الإعلام طيلة السنوات السبع المنصرمة، باتت صعبة بعض الشيء اليوم، وهي التي كان ينجزها بسهولة ويسر فيما مضى.

وأجمل السويد الأسباب التي ولّدت لديه تلك الحالة من “التردد” بـ “كثرة المواضيع التي تناولها سابقاً ونضوب وندرة المواضيع التي تحمل الحداثة والتميز، إضافة إلى كثرة المصادر وتضارب الأنباء وعدم وضوح الرؤية، وصعوبة التوثيق والتحقق من صحة كل ما يقال ويراد”.

مئات المواد الصحفية المكتوبة والمرئية والمسموعة تنتشر يومياً عبر الوسائل الإعلامية المختلفة، يتشابه بعضها حدّ التطابق، وتتناول في مجملها مواضيع نادراً ما تمتاز بالفرادة أو السبق الصحفي، خاصة مع الهدوء العسكري التي تعيشه المنطقة، وانحسار رقعة الثورة السورية في مناطق معينة بعد التهجير القسري والمصالحات الأخيرة، وازدياد عدد العاملين في المجال الصحفي، وهو ما أكده جميل الحسن، مراسل تلفزيون أورينت بإدلب، الذي يشارك السويد في بعض ما ذهب إليه من صعوبة في اختيار المادة المميزة، وذلك لحالة الهدوء الذي يشهدها الوضع الميداني، والذي كان مصدراً للكثير من المواد الإخبارية “بسبب ضغوط العمل أشعر بالملل أحياناً، مما يؤثر سلباً على أدائي، وغالبا البحث عن التفرد والتميز يكون سبباً رئيسياً لشعور الإعلامي بشيء من العجز، خاصة مع كثرة الأسماء والمواد اليوم في الساحة الاعلامية”.

ويرى الحسن أن الحساسية في طرح بعض المواضيع، وإحساس الإعلامي بخطورة عرضها والتطرق لها، يدفعه للشعور بشيء من الإحباط والكسل، خاصة مع عدم وجود قوانين تحمي الإعلاميين ما يعرضهم للخطر، سواء من جهات بعينها، أو من طرح موضوع يثير حفيظة أشخاص أو عائلات في المنطقة.

عبد الله الكليدو، إعلامي في راديو فرش، يشاطر الحسن رأيه في قضية التخوف من طرح بعض المواد وتسليط الضوء عليها، إلّا أنه يرى وفرة في المواضيع التي يمكن للإعلاميين التطرق إليها، محمّلاً “المواطنين الصحفيين” مسؤولية غياب النوع على حساب الكم، وذلك لافتقارهم للرؤية الصحفية الحساسة، خاصة في القضايا المتعلقة بالنزاعات التي تشهدها المنطقة، على حد قوله.

في الجهة المقابلة تقول الإعلامية حنين السيد إنها لا تجد صعوبة في اختيار المواد التي ترغب بتناولها، خاصة القضايا الإنسانية التي ترى أنه من الواجب على الإعلامي تسليط الضوء على معاناتها، إذ تعمل حنين اليوم مع عدد من الوكالات والمواقع، ولا تجد صعوبة في اختيار الزوايا الجيدة والمميزة، وهو ما وافقها عليه هزاع الهزاع الصحفي والمدرب الإعلامي يقول: “بالنسبة لي لا أجد صعوبة في اختيار الزاوية، فنحن في منطقة صراع عسكري وفكري، وتناحر طال الجميع بالغالب، مما يمنح الصحفي غزارة في المواد المراد الحديث عنها”.

تبقى مهمة البحث عن الفرادة والحداثة والإحساس بالجدوى وعدم التكرار الصعوبات الأكبر التي تعترض سبيل العمل الإعلامي في المناطق المحررة، وهو ما أدى إلى غياب أسماء كثيرة عن الساحة الإعلامية، ويجمع بعض من التقيناهم أن استسهال الكتابة وسطحية التقارير المكتوبة عملت على “حرق” الكثير من المواضيع التي كانت لتغدو مهمة لولا تناولها بـ “عجالة” ودون بحث أو تقصي، وهو ما يجعل إعادة الحديث عنها نوعاً من التكرار وإعادة التدوير.