سهّل انحناء بعض الأطباء والصيادلة أمام النتائج السريعة التي تمنحها حقنة “الديكلوفيناك الممزوجة بالديكساميتازون” انتشار هذه الوصفة، والتي يطلق عليها “الإبرة السحرية” في الأوساط الشعبية، وبمرور الوقت باتت الدواء الأكثر استخداماً وشيوعاً لعلاج مرض “الكريب”، ليضاف إليها في كثير من الأحيان وبوصفات اعتباطية “أحد الصادات الحيوية” من قبل بعض الممتهنين للصيدلة “المتصيدلين غير الحاصلين على شهادة”، أو من المرضى أنفسهم، دون الوقوف على الحالة الاستقصائية للمريض والآثار الجانبية للخلطة السحرية والتي قد تؤدي إلى الموت.

كميات كبيرة من هذه الأدوية تمر في أجساد السوريين، خاصة في الشتاء، الذي يعتبر موسماً غنياً بمرض الكريب، يدلّ على شعبيتها كثرة العروض المقدمة من الشركات المصنعة خلال هذا الفصل من السنة على تلك الحقن، وتسابقها لبيع منتجاتها في الصيدليات التي تمتلئ “سلال القمامة” فيها بإبر الحقن، مع وجود قانون يحظر “حقن المريض” في الصيدليات، لعدم توافر الأدوات اللازمة لإسعافه في حال “حدوث أي طارئ للمريض كالتحسس أو الصدمة الألمية أو المضاعفات الدوائية”، يقول الصيدلي يوسف الأسعد.

الخلطة السحرية تسبب الموت؟

يظن أبو بلال (مواطن من أريحا بريف إدلب) أن الحقنة “السحرية” التي أعطيت لزوجته سعاد (60 عاماً) في أحد مشافي المنطقة، سببت في فقدانها للحياة، فالمرأة التي تعاني من مرض (الضغط والسكري) أسعفها زوجها إلى المشفى بعد تفاقم حالة الكريب التي لازمتها لثلاث ليالي، رافقتها حالة شديدة من السعال، ليتم حقنها بإبرة “ديكلوفيناك+ ديكسون”، وهو ما ساهم في تحسن صحتها بشكل ملحوظ وعودتها إلى المنزل بكامل طاقتها، بحسب زوجها الذي قال “إن حالتها بدأت تسوء بعد ساعات من التحسن، لتلفظ أنفاسها الأخيرة بعد نقلها إلى المشفى من جديد”.

لا يجزم الرجل بأن الحقنة سببت بحالة الوفاة، فلم يتم عرض زوجته على طبيب مختص بعد مفارقتها للحياة لتحديد أسباب الوفاة، إلّا أنه يظن في قرارة نفسه أن السبب يكمن في الاختلاطات الدوائية التي سببتها تلك الحقنة.

في الجهة المقابلة، وفي مدينة جرابلس “شمال شرق حلب” انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحذيرات بسحب “الخلطة السحرية” من الصيدليات، بعد وفاة شاب من المدينة (35 عاماً) إثر حقنه بها في واحدة من النقاط الطبية، كما جرى تداول الحديث عن وفيات عدة في تلك المنطقة لذات السبب.

كما أثارت وسائل التواصل الاجتماعي في مناطق سيطرة الأسد، قضية حقنة الكريب، وتحدثت عن حالات من الموت والجلطات القلبية التي رافقت استخدامها.

أطباء وصيادلة يوضحون

وحول هذه القضية الإشكالية يقول الطبيب أحمد الأقرع “المختص بالأمراض القلبية يزاول مهنته منذ ثلاثين سنة” إن الأدوية التي توصف لمرضى الرشح والكريب مجرد مسكنات ومضادات للسعال وفي حال حدوث إنتان جرثومي ثانوي توصف الصادات الحيوية؛ مضيفاً أن الاستخدام الخاطئ للأدوية له مضاعفات حسب نوع الدواء، حقن الديكلون والديكسون والاستخدام غير المناسب للصادات يزيد من فرص المقاومة الجرثومية لتلك الصادات؛ والإفراط بأنواع المسكنات له اختلاطات على المعدة والكليتين والقلب أحياناً.

وبالحديث مع الصيدلي “معتصم الموسى” خريج كلية الصيدلة عن صرف أدوية الكريب دون وصفة طبية قال: لدينا مجموعة تسمى “OTS” خاصة بمجموعة الأدوية التي تصرف من طرف الصيدلي يسمح بوصفها بجميع دول العالم مثل مضادات الاحتقان وباراسيتامول خافض حرارة مسكن ألم؛ وأضاف أن لمرض الكريب حد معين (من أسبوع لعشرة أيام) وهناك حالات تحتاج لاستشارة طبية حتى لا تحدث لدى المريض اختلاطات بكتيرية/ جرثومية، وأخرى فيروسية. وبهذه الحالة لا يمكن إعطاء المريض أي دواء يشفيه لينتهي حد المرض، وفي الاختلاطات البكتيرية/الجرثومية يعطى المريض صادات حيوية، ومن الأفضل بالحالتين استشارة الطبيب لتجنب الوقوع بمشاكل تنفسية علوية وسفلية.

ويتطلب استخدام الديكلوفيناك (وهو مضاد التهاب غير ستيروئيدي خافض للحرارة ومسكن للألم) استقصاء كاملاً لحالة المريض قبل التفكير بوصفه له، لما له من آثار جانبية، إذ يمنع إعطائه في حالات السوابق التحسسية ومرضى القرحة والكلى وللذين يتناولون مميعات الدم والبنسلين ومرضى القلب والحوامل بعد الشهر الرابع والمرضعات ومرضى الربو وللأطفال دون سن الثالثة.

هل يعتبر مزج الحقنتين خاطئاً

تفسيرات خاطئة، انتشرت في الأوساط العامة حول مزج “الديكلوفيناك والديكسون” وتسببهما معاً بخطأ طبي قاتل، لا يعرف مصدرها، وهو ما دعا نقابة الصيادلة لإجراء دراسة “تنافر” لتركيب السواغات المتوقع وضعها لكل حقنة على حدة، لتخلص إلى نتيجة مفادها “أن تركيب الحقنتين من السواغات متشابه ولاوجود للتنافرات سواء الكيميائية أو الفيزيائية ، كما أن ph الثبات لكل من الحقنتين يقع ضمن نفس المجال تقريباً، ويمكن الحصول على مزيج ثابت أعظمي منهما في درجة ال ph= 7.5-9” مؤكدة أنه “يمكن مزج الحقنتين وحقن المزيج عضلياً للمرضى”، بعد دراسة حالة المريض والتأكد من عدم وجود مانع من استخدامه للتركيب الدوائي.

وأوضح “الأقرع” أن الدواء لا يسبب هذه الاختلاطات الكارثية إن أحسن وصفه من المختصين، متوجها بالنصح إلى جميع الناس أن يقللوا من اعتمادهم على بائعي الأدوية وأن يعتمدوا أكثر على خبرة المختصين.

على من تقع المسؤولية

تقع المسؤولية الكبرى في الاستخدام الخاطئ للأدوية على مديرية الصحة يقول الطبيب “أحمد الأقرع” الذي يرى أنه من المفترض أن يكون لمديرية الصحة وسلطاتها التنفيذية دور كبير بضبط بيع الأدوية، خاصة من الصيدليات غير المرخصة، والنقاط والمشافي والطواقم الطبية غير الخاضعة أساساً للمعايير الطبية التي تفرضها وزارة الصحة. وهو ما أكده الصيدلاني الموسى والذي قال إن على الرقابة الدوائية الحد من انتشار الصيدليات العشوائية للتخفيف من انتشار الأخطاء الطبية، خاصة أن كثر من ممتهني “الصيدلة” لا يدركون مخاطر الأخطاء التي يرتكبونها، كما يجهلون التراكيب الدوائية والآثار الجانبية التي تسببها.

كما تتحمل مديرية الصحة ووسائل الإعلام والمنظمات الإنسانية جزء من المسؤولية التوعوية والتعريفية بمخاطر هذه الأدوية، خاصة مع تحول بعضها إلى “ظاهرة شعبية منتشرة”، إذ يتوجب عليهم القيام بندوات طبية في المدارس والمجالس المحلية، وتوزيع النشرات والبروشورات والملصقات التي توضح مخاطرها وآثارها على صحة المواطن، خاصة مع الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشها أهالي المنطقة، والتي أدت إلى اعتمادهم على الصيدليات لصرف الأدوية دون الرجوع إلى الأطباء نظراً للأكلاف المادية الباهظة، بحسب الصيدلي يوسف الذي أضاف “غالباً ما يكون رواد الصيدليات لشراء الأدوية من الأطفال أو اليافعين، وهو ما يحول دون سؤالهم أو معرفتهم بالقصة السريرية للمريض ومعرفة إن كان هناك أمراض أخرى يعاني منها”.

الرقابة الدوائية

قامت دائرة الرقابة الدوائية ومنذ تشكلها ببعض الخطوات العملية من إجراء كشف على بعض صيدليات المناطق الواقعة في حدود صلاحياتها، ومنح التراخيص اللازمة ضمن الخطط الموضوعة لضبط عمل الصيدليات، وإغلاق المخالفة منها، إذ يقوم فريق الكشف بالتأكد من الدوام ومدى تطبيق الصيادلة للقوانين الناظمة للمهنة وبالتالي سحب المستحضرات التي أكدت المخابر تزويرها.

حاولنا مراراً التواصل مع الرقابة الدوائية لمعرفة ردها والإجراءات المتخذة بخصوص موضوع “الخلطة السحرية”، دون جدوى، بحجة الانشغال وعدم توافر الوقت.