شكّل أبو سعيد ورفاقه فريقاً تطوعياً لإزالة نبتة “زهرة النيل” من قنوات الري والمسطحات المائية التي تمر بقراهم، والتي باتت عبئاً كبيراً على أراضيهم الزراعية بعد أن منع الانتشار الكثيف للنبتة المياه من المرور عبر السواقي، كما حول المكان إلى بؤرة للحشرات الضارة، وملجأ للأفاعي، ناهيك عن الرائحة الكريهة التي يخلفها النبات بعد موته أو اقتلاعه.

وانتشرت “زهرة النيل” بكثرة هذا العام، على طول قنوات الري في سهل الغاب بريف حماه الغربي، ابتداء من قلعة المضيق مروراً بعدد من القرى والبلدات، وانتهاء بقرية القرقور (واحدة من قرى جسر الشغور) التابعة لمحافظة إدلب، ما شكل تهديداً حقيقياً لآلاف الهكتارات الزراعية الممتدة على طرفي نهر العاصي، والتي حرمها اكتظاظ زهرة النيل وانتشارها في السواقي من وصول المياه اللازمة لري المزروعات، وهو ما دفع أصحابها إلى مناشدة المجالس المحلية والمنظمات (التي تقف مكتوفة الأيدي) بإيجاد حلول لاستئصال هذه الآفة، يقول أبو محمود (أحد المزارعين).

وزهرة النيل نبات يمتاز بلونه الأرجواني المزرق (كان يستخدم كنبات للزينة)، موطنه الأصلي حوض الأمازون في “قارة أمريكا الجنوبية”، نقله المصريون إلى بلادهم منذ ما يقارب مئة عام (وهذا في الغالب سبب التسمية)، ساقه بلون أخضر لامع، وله جذور كثيفة (تصل حتى 75 سم)، يعيش في المسطحات المائية وأقنية الري، ويحتمل الظروف المناخية القاسية، ويتكاثر بكثافة (كل نبتة قد ينتج عنها 13 نبتة بمعدل وسطي، ما يجعله أحد أسوأ نباتات الأدغال المائية في العالم)، ويزيد ارتفاع درجة الحرارة من انتشارها.

يكمن الخطر الأهم لانتشار هذا النبات في عملية النتح التي يقوم بها والتي تستهلك به النبتة الواحدة ما بين (3-5 لترات من الماء يومياً)، إضافة إلى تأثير انتشاره الكثيف وعمق جذوره في الأرض على حركة المياه في مجاري الأنهار والبحيرات، كما تؤثر كثافته بتقليل الأكسجين المذاب في الماء، بتشكيل طبقة تمنع وصول أشعة الشمس إلى هذه المسطحات المائية، وبالتالي تكوين بيئة غير صالحة لحياة الثروة المائية كالأسماك، ناهيك عن ما تخلفه النبتة من بيئة ملائمة لتكاثر وانتشار الحشرات الضارة وخاصة “ذبابة الرمل” الحامل الرئيسي لداء “اللشمانيا”.

يغيب دور مديرية الزراعة في إدلب، والمؤسسات المعنية عن إيجاد حلول لانتشار هذه النباتات، وهو ما دفع الأهالي للبحث عن حلول فردية، لم تجد نفعاً، وذلك بسبب صعوبة اقتلاعها من جذورها، وانتشارها الكبير على مساحات شاسعة، وعدم توافر الآليات اللازمة، كما يتجنب الأهالي استخدام المبيدات للقضاء عليها، وذلك خوفاً من الأضرار التي ستلحقها المبيدات بالمياه، وبالتالي تأثيرها المضر على الأهالي والأراضي الزراعية.

ويلجأ الأهالي إلى استخدام الطريقة “الميكانيكية” في إزالة النباتات معتمدين على اليد العاملة، وبعض الآليات الثقيلة كالجرارات المربوطة بالسلاسل، و”الباكر”، على حد قول المهندس الزراعي “أنس أبو طربوش”، والذي وصف جميع هذه المحاولات بـ “الفاشلة وعديمة النفع”، ناهيك عن الكلفة المادية “الباهظة”، مرجعاً السبب “إلى التأخر بمكافحتها، واشتداد عملية نمو النبات وتشابكها”، فـ “المتابعة الأولية والحد من انتشار النبات في مراحله الأولى هو الحل الأسلم والأنجع”، وهو ما يستدعي “عملاً ضخماً من الدولة والمؤسسات الخدمية، لا حلولاً فردية”، بحسب أبو طربوش.

سعى بعض الشبان في قرية الشريعة بسهل الغاب إلى اجتراح حل، بجهود شخصية، للحد من نمو زهرة النيل باختراع آلة مكونة من (قارب صيد بمحرك مزود بشفرات حديدية) إلّا أن الكلفة الباهظة والتي بلغت ما يقارب (800 دولار) حالت دون الاستمرار بالمشروع، خاصة مع الحاجة للعديد من هذه (الآلات) لحل المشكلة، في حين غاب دور المنظمات والتي قامت بمشاريع (اعتمدت على اليد العاملة) في اقتلاع النبتة، لم تفِ بالغرض، خاصة أن هذه المشاريع لم تعتمد الطرق العلمية في اختيار الوقت المناسب لاقتلاعها، وهو ما أدى إلى عودة انتشارها بكثافة بعد أشهر.

بالرغم من الأضرار الجسيمة لانتشار زهرة النيل، إلّا أن التعامل معها بطرق صحيحة وعلمية، يفتح الباب لفوائد كثيرة من شأنها تحويل “الضرر” إلى فائدة عامة، فقد أثبتت الدراسات العلمية أن زهرة النيل تحتوي على نسب عالية من العناصر الغذائية تؤهلها لتشكل “عليقة علفية” هامة للاستفادة منها لقطعان الماشية والأغنام، إذ تحتوي بنية النبتة الجافة على (17%بروتين خام، 3.6 % دهون، 28.2 سيللوز) كما يمكن لاستفادة من المادة الجافة للنبتة في تحضير أوساط غذائية زراعية بعد تخمرها وتحللها (يحتاج إلى فترة قصيرة)، وهو ما يشكل رافداً اقتصادياً مهماً إن تضافرت جهود الدولة والمنظمات الإنسانية مع الأهالي، وبخاصة كون معظم أهالي المنطقة من المزارعين و مربي الماشية.