ينتظر مزارعو الزيتون في إدلب “المطرة الأولى” في شهر تشرين لقطافه، بعد أن يغسل المطر “غبار الأشجار” ويساهم في “ليونته وإشباعه بالزيت”، وسط طقوس احتفالية، تبدأ بالاستعداد والاتفاق مع “الفعالة= العمال” غالباً ما تكون “عائلات بأكملها ممن لا يمتلكون أراضٍ زراعية”، ومساعدة بعض “الجيران” في عمليات القطاف، مروراً بتهيئة “أكياس الخيش للتعبئة والمدات التي توضع تحت الشجر لالتقاط الحبات المتساقطة عن الشجرة، والسلالم الخشبية أو المعدنية”، وانتهاء بـ “الزنانة” وهي “الأكلة الشعبية التي ترافق عصر الزيتون، والتي تعتمد غالباً على خبز التنور والزيت الحار الخارج من المعصرة مع بعض حبات الرّمان، رفيق موسم الزيتون في إدلب”.

توزيع المدات تحت الشجر لالتقاط حبات الزيتون المتساقطة.
توزيع المدات تحت الشجر لالتقاط حبات الزيتون المتساقطة.

ترتدي أم محمّد (65 عاماً) لباساً خاصاً، تقول إنه “كان طقساً ملازماً لقطاف الزيتون في السابق”، وأهم ما يميزه “التنورة التي تتحول إلى وعاء تضع فيه ما تقطفه”، إذ كان “خرج التنورة وامتلائه دليل مهارة وقدرة العاملة” والتي كان أصحاب الأراضي يتسابقون “للاتفاق معها للعمل في أراضيهم”.

تكتفي أم محمد اليوم بالجلوس أسفل الشجرة “لفصل حبات الزيتون عن الأوراق” و “فرز الزيتون المخلل، عن زيتون العصر”، بعد أن أقعدتها السنون وحرمتها من متعة “تسلق الأشجار والقطاف” كما كانت تفعل في السابق.

استخدام السلالم لقطاف الزيتون في قرية ترملا ريف ادلب
استخدام السلالم لقطاف الزيتون في قرية ترملا ريف ادلب.

ولأشجار الزيتون في إدلب أهمية كبيرة لخصتها أم محمد بالمثل الشعبي المتداول “الزيت عمار البيت”، وذلك لاعتماد الأهالي عليه في طعامهم اليومي، إضافة إلى ما يحققه “بيع الزيت والزيتون” من مدخول لسدّ حاجات “الشتاء” و “وفاء الديون”، و “البركة” التي يحملها لورود ذكره في “القرآن الكريم”، إذ يزيد عدد أشجار الزيتون في إدلب عن 14 مليون شجرة، ما يجعله المحصول الأهم في المنطقة.

وتعاني زراعة الزيتون، في السنوات السابقة، من صعوبات كبيرة، نظراً لظروف الحرب، التي سببت بإهمال الأراضي الزراعية، وذلك لتواجد مساحات كبيرة منها في “مناطق المعارك” ما أدى لصعوبة الوصول إليها وفلاحتها والاعتناء بها، كما ساهم غلاء الوقود وارتفاع تكاليف “الفلاحة” في “بور مساحات كبيرة من الأراضي”، (كلفة فلاحة الدونم اليوم ما يقارب 4000 ليرة، وهو ما يزيد بأضعاف عن كلفته السابقة 500 ليرة)، يضاف إلى ذلك “غلاء الأدوية اللازمة لرش الأشجار بالمبيدات، إن توفرت” وهو ما أدى إلى انتشار الأمراض والديدان في شجيرات الزيتون، وشحّ المطر وصعوبة التقليم وارتفاع سعره، وهجرة كثير من العائلات إلى مناطق أخرى أو دول مجاورة تاركين أراضيهم عرضة للإهمال واليباس.

الشاي على الحطب رفيق قطاف الزيتون في ريف ادلب
الشاي على الحطب رفيق قطاف الزيتون في ريف ادلب

غابت مديرية الزراعة الحرة في إدلب عن اجتراح حلول للصعوبات التي تعترض مزارعي الزيتون، وأُغلقت “الجمعيات الفلاحية” التي كانت تساهم، وإن بدور ضعيف، في تأمين الاحتياجات الأساسية كالقروض الصغيرة والأسمدة والمبيدات الحشرية، وهو ما دفع بعض المنظمات لتقديم مساعدات للفلاحين، على شكل مشاريع بمشاركة المجالس المحلية في المنطقة.

“سبل العيش” واحد من هذه المشاريع الذي أطلقته منظمة “سداد” بدعم من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في قرى ريف إدلب الجنوبي ومنها

“كرسعة، ترملا، الفقيع، الشيخ مصطفى، معرتحرمة، معرتماتر، جبالا، كفرسجنة”، ويمتد منذ منتصف شهر تشرين الأول وحتى حزيران القادم. ويهتم المشروع بتقديم الدعم اللازم بمحصول الزيتون، بدءاً من الفلاحة وحتى القطاف والتقليم، وسبل زيادة الإنتاج.

وقال قدور النعسان (مهندس زراعي في مشروع سبل العيش) إن المنظمة تتكفل بتقديم كافة أشكال الدعم اللوجستي والاحتياجات الاساسية و”الأجور اليومية للعمال”، والتي تبلغ (6 دولارات يومياً) محدداً الفئات المستفيدة والتي بلغت 1500 شخصاً بـ “النساء والأرامل وزوجات المعتقلين والنازحين وذوي الاحتياجات الخاصة”، بينما يقتصر دور المجالس المحلية على “الإشراف والمتابعة”.

مرح الأطفال في موسم قطف الزيتون قرية ترملا ريف ادلب
مرح الأطفال في موسم قطف الزيتون قرية ترملا ريف ادلب

أم أحمد (زوجة معتقل وأم لسبعة أطفال) واحدة من المستفيدات من مشروع “سبل العيش” قالت بإنها “وجدت في هذا العام معيناً لعملها، دون أجر أو مقابل”، بعد أن تكفلت المنظمة بـ “أكلاف الزراعة وجني المحصول والتقليم والفلاحة” والتي شكلت “عبئاً كبيراً عليها في الأعوام الماضية، يستهلك معظم ما تجنيه من محصولها”. بينما رأت أم عبد الله (واحدة من المستفيدات العاملات في المشروع) إن “الأجور التي تقدمها المنظمة ساهمت في تحقيق فرصة عمل بأجر جيد، لها ولقريناتها من النساء اللواتي لا يملكن أرضاً”، وهو ما حقق “دعماً ماديا ومعنوياً لهن، وحافزاً على الاستمرار في العمل لإعالة أطفالهن”.

تنصب أم محمد “أرجوحة” لحفيدها بين شجرتي زيتون، وهي تدندن أغانٍ قديمة اعتادت أن تؤديها، سابقاً في قطاف الزيتون، مفتقدة لبائع “الكسيب” و “الحلاوة” الذي كان يتنقل بين الفلاحين خلال موسم الزيتون، ليبادلها بـ “الزيتون”، بينما تجمعت النساء الأخريات حول “موقد من الحطب” لإعداد “الشاي” وتناول الفطور الذي ما زال محافظاً على طقوسه بـ “خبز التنور المغمس بالفليفلة الحمراء والعطون” و “قِدر كبير من شوربة العدس والأرز” والذي يطلق عليه الأهالي “المخلوطة”، وتبادل الأحاديث وبعض الضحكات والمواقف الفكاهية، يقطع صوت أم محمد الجلسة بمثل شعبي “زيتو طيب ولقطو بيشيب”، في إشارة منها لصعوبة ما تعانيه من فرز الزيتون.